مسعد بولس في “متاهة” ملف السودان

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

لم يكن تعيين الأمريكي من أصول لبنانية/ مسعد بولس مبعوثًا خاصًا للرئيس دونالد ترامب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط خروجًا عن فكرة “الدبلوماسية الرئاسية”، والتي يعتمد منهجها على التدخل المباشر لرئيس الدولة في ملفات العلاقات الدولية، وعدم ترك هذه الملفات بيد وزارة الخارجية ومرورها فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، وبذلك يحدث انتقال لمركز القرار في ملفات الشؤون الخارجية من الدبلوماسي المحترف إلى رأس السلطة السياسية في الدولة. ولم تعد الإدارة الأمريكية بمدرستيها “الجمهورية” و”الديمقراطية” ترى حرجًا في ذلك أو تداخلًا مُخِلًّا في الاختصاصات، بحيث صار من العادي تعيين “المبعوثين الخواص” لمناطق بعينها أو للعناية بملفات تشغل البال الأمريكي وتحتاج إدخالها إلى غُرف “العناية الرئاسية”.

تعيين مسعد بولس، لو نظرنا إليه من حيث السمات والمزايا الشخصية، فهو “رجل الأعمال” الناجح وغير البعيد عن لغة ومنطق “المصلحة” الأمريكية، والقريب من “المزاج” الشخصي لدونالد ترامب، إضافة إلى علاقة “المصاهرة” التي تجمعه برجل البيت الأبيض الأول، وهو لبناني الأصل ومن أسرة ذات تاريخ سياسي؛ وبالتالي فإن ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا ليست بالغريبة عليه، ولذلك يبدو أن تعيينه كان ضمن خطط الولايات المتحدة لإعادة التموضع دبلوماسيًا في المنطقة على ضوء الأحداث الجارية.

(*) ارتباك أم إعادة تموضع ..

ابتداءً يجدر بنا القول بأن “ملف السودان” ليس من الملفات الغريبة على الإدارة الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الرئيس ترامب في ولايته الأولى سبق له التعاطي مع تعقيدات مشابهة للتعقيد الحالي للأزمة السودانية، واتخذ من القرارات ما تم اعتباره تحولًا كبيرًا في موقف الإدارة الأمريكية تجاه السودان المصنف وقتها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.

سياق التعيين يمكن النظر إليه من زاوية التوقيت؛ فهو قد جاء بعد فشل العديد من المبادرات المطروحة إقليميًا من قبل الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” ودول الجوار السوداني، عطفًا على الوجود الفعلي للولايات المتحدة نفسها على رأس “منبر جدة” الذي يجمعها مع المملكة العربية السعودية.

تحليل “الخطاب الأول” للمبعوث مسعد بولس، والذي ذهب فيه باتجاه المطالبة بالتهدئة والبحث عن سبل وقف إطلاق النار في السودان والدعوة إلى التنسيق مع الشركاء الإقليميين “مصر/ السعودية”، ربما يقودنا إلى القول بأن ذهن المبعوث الخاص كان مشغولًا في البدايات بقراءة الملعب الذي سيلعب فيه، إضافة لتهيئة الأجواء والاستفادة من ذلك في خلق قبول للاعب جديد تم الدفع به من الإدارة الأمريكية، ولا يرغب في وجود أي عراقيل يمكن أن تؤثر عليه في أداء المهام الموكولة إليه.

أيضًا نعتقد بأنه أراد، وفي بريده الأول، أن يضع رسائل طمأنة للشركاء الإقليميين بعدم الرغبة لدى الولايات المتحدة في تجاوز وزنهم الإقليمي وارتباطهم بالملف وأدوارهم المهمة في الوصول لحلول للأزمة السودانية، خاصة وأن المبعوث الخاص جاء للتعامل مع الملف وهو ليس خالي الذهن من تقاطعات المصالح في الإقليم ودخول لاعبين متعددين في الصراع السوداني، وبالتالي يتوجب عليه المضي بحذر شديد في هذا الملف لو أراد إحداث اختراق حقيقي فيه.

“ارتباك” المبعوث الخاص مسعد بولس لا يغيب على المتابع لتوصيفاته المتعددة للمشهد في السودان؛ ففي مرحلة هو “نزاع بين طرفين”، وفي مرحلة أخرى هو “أزمة دولة”، وصولًا إلى المرحلة الأخيرة في تصريحاته في زيارته الأخيرة للقاهرة، والتي أعطى فيها انطباعًا بعدم جدوى التوصيفات السابقة للأزمة السودانية في الدفع بالملف إلى الأمام وتبرير السلوك الأمريكي حياله، فقال إن الحرب السودانية باتت تشكل “تهديدًا للأمن القومي الأمريكي”.

إعادة “التموضع” وتعديل زاوية النظر الأمريكية للحرب في السودان، من أسفل ترتيب الأولويات بأنها صراع بين طرفين تتوسط بينهما الولايات المتحدة عبر ميسرين في المنطقة لوقف إطلاق النار، إلى أعلى مستوى في الترتيب بوصف أن الأزمة تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي، ربما أراد به مسعد بولس أن ينقذ به الفشل الذي لاحقه في تحريك الملف من مربع وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية شاملة في السودان توقف “الصداع المزمن” في الدماغ الأمريكية بسبب عدم سكوت الرصاص في جغرافيا قريبة من الخطوط الحمراء للأمن القومي الأمريكي في أفريقيا والبحر الأحمر.

مسعد بولس تم تقديمه كمبعوث خاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي أطنب في الإشادة به وبمجهوداته في ملفات شبيهة في الكونغو، واعتبرها “فاتحة شهية” لتحقيق نجاحات أخرى، إلا أنه في ملف السودان ظل يلعب فيه دور “البهلوان” الذي يقفز على حبال المبادرات؛ فيبدو تارة هو مع “الرباعية” ودولته لاعب رئيسي فيها، وفي أخرى هو ليس لديه اعتراض على تبني مسار “الخماسية” لحل المشكل السوداني، طالما أن ذلك يتم تحت مظلة الرعاية الأممية ومنظمات الإقليم.

عند مسعد بولس “منبر جدة” ما زال مفتوحًا أمام تنفيذ ما جاء فيه من تعهدات، طالما أن ذلك سيحقق له أهدافًا من العمق صعب عليه إحرازها عن طريق الأطراف الشريكة في الرباعية والخماسية.

هو الآن موزع الذهن بين “ضيق” المبادرة الرباعية التي تضم بلاده إلى جانب شركاء آخرين، و”اتساع” الخماسية التي تضم فاعلين مؤثرين وتمضي إلى حلول أشمل بمخاطبة مسار الحل السياسي الشامل للأزمة السودانية.

القفز بين الحبال هذا الذي يمارسه مسعد بولس يبدو وكأنه “حالة اختبار” للبدائل المتاحة للحل أكثر من كونه “انحيازًا” صريحًا لواحدة دون الأخرى، وأنه في حالة انتظار ليتخذ القرار الصحيح بأي طريق يدخل لتحقيق إنجازه “الشخصي” في هذا الملف، لينال “التغريد” مرة أخرى من صهره دونالد ترامب.

وتبعًا لهذا السلوك لمسعد بولس يمكننا القول بأنه قد تحول إلى “وسيط منصات” بدلًا عن كونه صاحب مبادرة للحل بحسب الوصف الوظيفي المصاحب لقرار التعيين، وأن موقفه يبدو “مترددًا” أكثر من اللازم في ملف لا يتحمل كل هذا التأخير والانتظار، وتكاليفه المادية والإنسانية ترتفع يومًا بعد يوم، وعقل المصالح الأمريكية مشغول بالصداع النصفي الآخر من رأس السياسة الخارجية الأمريكية بما يحدث في غزة، وما يحدث مع الحوثيين في اليمن وجنوب لبنان، وما يحدث الآن في إيران ومنطقة الخليج، وأنه والرئيس الأمريكي في هذا التوقيت يحتاجان إلى “بانادول” يخفف عليهما هذا الصداع بانتصار، ولو نسبي، بإيقاف الحرب في السودان، ترفع أسهم حلم الرئيس بتسميته رجل السلام في العالم والمساهم الأول في إيقاف الحروب وليس إشعالها.

مسعد بولس اختار الطريق الأكثر تعقيدًا للتعامل مع الأزمة السودانية عندما اختار مراعاة المصالح المتقاطعة في أزمة حرب السودان؛ فهو يضع أذنًا لتسمع ما تقوله أبوظبي، ويضع الأخرى مع مصر والسعودية، وزادت الأمور عليه تعقيدًا بغياب الشريك الوطني الواحد في السودان، عسكريًا كان أم مدنيًا، ليساعده على الانتقال الفعلي لخطوة أبعد من مناقشة الحلول المطروحة.

(*) حدود النجاح المتاحة أمام المبعوث ..

حدود النجاح المتصور لمهمة المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي مسعد بولس تتحكم فيها مجموعة مؤثرات، في مقدمتها ماهية “التفويض” الممنوح له في التعامل مع ملف بالغ التعقيد كملف حرب السودان، ومدى قدرته على التنسيق بين الخطوط الأخرى المفتوحة في ذات الاتجاه، ولملمة أطراف المبادرات في منصة حل واحدة تحقق الأهداف المرجوة، لأن الشواهد تقول إن العزم الذي يمنحه دونالد ترامب لحل الأزمة السودانية لا يبدو كافيًا لإنجاح مهمة مسعد بولس، وبالتالي فإن فرضية تحقيقه لاختراق حقيقي في ملف الأزمة يفضي لإغلاقه لا تبدو قريبة بأي حال من الأحوال.

سيدور مسعد بولس داخل متاهته تلك ما لم يتوصل باجتهاد لإيجاد وصفة جيدة تجمع بين “الرباعية” و”الخماسية” تنفع لأن تكون هي الحل النهائي لحرب تطاولت لسنوات.

الأقرب من الحلول، بحسب القراءات العامة وتقليب أوراق الملف بيد مسعد بولس، يقول إن السقف الأعلى الذي يمكن أن يتحقق على يده هو “هدنة مؤقتة” تتخللها “ترتيبات إنسانية”، بينما سيستعصي الأمر على المبعوث الخاص في شأن الترتيبات المطلوبة للحل السياسي الشامل، الذي يكمل حلقات حل أزمة الحرب في السودان.

قد لا تبدو أن المشكلة في المبعوث الخاص مسعد بولس وحده، بل تتعداه إلى تفكير الإدارة الأمريكية نفسها ورغباتها؛ هل هي فعلًا ترغب في إيجاد حل للأزمة السودانية، أم أنها ستكتفي بإدارة الأزمة والسيطرة عليها في حدود السودان وعدم خروج التأثيرات إلى خارج الإقليم، وبالتالي التأثير على المصالح الأمريكية بشكل مباشر؟ والواضح الآن من الزيارات والتصريحات التي يقدمها مسعد بولس هو أنه لا يقود الملف، بل يدير توازناته، وصحيح أنه كلما زادت المبادرات زادت مساحات الحركة أمام المبعوث، وبالمقابل قلت فرص الحل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى