حكومة “الأمل”.. قرارات أم مراجعات جذرية

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وقد لا تبدو المسافة قريبة بين ما تصنعه الحرب في السودان وبين “الأمل”، فقد لا تبدو المقاربة بين الاثنين معقولة بالنسبة للسودانيين الذين سمعوا عن تشكيل حكومة تُعنى بقضاياهم في النصف الأول من العام 2025، وجرى ربط هذا التشكيل الحكومي بالأمل، وكان القصد آنذاك هو استعادة الثقة لدى السودانيين بعد أن فقدوها جملةً وتفصيلاً بسبب الحرب.

هذا التشكيل، وتحت هذه اللافتة، وضع المعيار منذ ذلك التوقيت الذي يُقاس به الأداء في الجهاز التنفيذي للدولة، وإلى أي مدى اقترب الأداء من تحقيق الغايات التي وعد بها قرار تشكيل الحكومة.

اقتربنا من العام على تكوين فكرة الأمل لدى الشعب السوداني، وهذا يبدو زمنًا كافيًا تمامًا لجرد الحساب: هل القرارات التي صدرت ويتوالى صدورها هي جزء من التقييم الكلي لأداء حكومة الأمل، أم هي متأثرة بحالة الارتباك العامة التي تصنعها حالة الحرب؟

(*) موجة تغييرات ..

الملمح الظاهر في الفترة الأخيرة على وجه حكومة كامل إدريس هو التغييرات السريعة والمتكررة، الشيء الذي يدفعنا للتساؤل: هل تمتلك الحكومة آليات تقييم فعالة وسريعة بالدرجة التي تتيح لها التفاعل وتقييم الانحرافات عما هو مخطط له؟ أم هي الحقيقة التي يميل إلى تصديقها المنطق بالقول إن التغييرات التي تحدث هي نتاج طبيعي للسياق الذي شُكِّلت فيه الحكومة نفسها، وهو سياق أزمة؟ وبالتالي فإن اختيارات الوزراء وبناء التكاليف تفرضه ظروف الحرب أكثر من كونه سياقًا يُبنى على معايير قياس الكفاءة والمقدرات، بالإضافة إلى أن مطلوبات الحرب تتجاوز كثيرًا مطلوبات الأمل من رئيس حكومة لم يكن أمامه الزمن الكافي للمفاضلة من بين البدائل المتاحة أمامه للاختيار، إن لم نقل بأنه، وفي ملفات كثيرة لإدارة الأمل في حكومته التي شكّلها، لم تكن أمامه فسحة الحق في الاختيار لأسباب معلومة للجميع، في مقدمتها تحالفات الحرب وشراكات الميدان التي ألقت بظلالها على كفاءة الأداء الحكومي، وبدأ ظاهرًا بأن “الأمل” قد أُلقي في اليم مكتوفًا وقيل له إياك إياك أن تبتل بالماء؛ إذ إنه من غير الممكن أن نتوقع “كيمياء” متجانسة لحكومة تم اختيار مكوناتها بمعايير مختلفة.

يمكننا النظر للتغييرات التي حدثت على مستوى الحكومة بأنها تأتي استجابةً للواقع الذي تفرضه الحرب أكثر من كونها عمليات إصلاح إداري طبيعي يفرضه دوران دولاب العمل العام.

المنطق “المعياري” في التغييرات على مستوى الحكومة يقول إن تقييم الأداء يكون وفقًا لنسبة تحقيق الأهداف، إلا أن ما يحدث في تغييرات حكومة الأمل هو أقرب لمشهد إعادة توزيع “مراكز القوة” وإعادة ترسيم خارطة النفوذ، وبالتالي لا يُتوقع من هذه التغييرات أن تفضي إلى تغييرات في مستوى الأداء العام للحكومة.

الإعفاء الذي شهده الأسبوع المنصرم لمفوض صندوق الضمان الاجتماعي/ سيف الدولة سعيد كوكو، بقرار رقم (81) لسنة 2026 بتاريخ 16 أبريل، الصادر من السيد/ رئيس الوزراء، أدار الرؤوس لقراءة القرار من زوايا مختلفة، ذهب غالبيتها إلى فرضية الخلاف البائن بين مكتب رئيس الوزراء ومكتب وزير المالية، وحكومة الأمل التي لم تُرسم فيها خطوط صلاحيات واضحة، من الطبيعي أن يحدث مثل هذا الالتباس، ويبدو كل قرار بالتعيين أو الإعفاء وكأنه نذر لصراع داخلي ينتهي بانتصار مركز قوة على مركز آخر، أكثر من تفسيره كأحد أدوات تطوير الأداء.

ولاية وزارة المالية على جملة “الإيرادات” الحكومية يجعلها معنية بالأساس بهذا المنصب، باعتبار أنه من المعروف أن صندوق الضمان الاجتماعي، كمؤسسة، يُعد الأعلى من بين مؤسسات الدولة الإيرادية، ومنصب “المفوض” لا يُعتبر منصبًا يكتسب بعدًا سياسيًا بقدر ما يحمل أبعادًا فنية ومالية، وبالتالي فإن قرار التغيير في هذا المنصب لا يقف عند مدلول تغيير شخص واستبداله بآخر، بل يمتد إلى المساس بسياسات إيرادية للخزانة العامة.

قرار إقالة مفوض صندوق الضمان الاجتماعي يمكننا استخدامه لاختبار فكرة التغييرات التي تطرأ على التشكيل الحكومي، بالسؤال: هل الإعفاء كان نتاجًا لتقييم الأداء الإداري والمالي للمفوض المقال؟ وهذا يتطلب تقارير تقييم أداء من المدير والمسؤول المباشر بطابع “فني” بحت، وبناءً على هذه التقارير يتم اتخاذ قرار الإعفاء، وفي هذه الحالة يكون من المفهوم التقييم من وزارة المالية، وكذلك “التوصية” بالإعفاء ليستأنس بها رئيس السلطة التنفيذية في إخراج قرار الإعفاء بشكل يسد الطريق أمام الظنون في طريقة وأسباب صدور القرار والتجاوز في الصلاحيات.

الفرضية الثانية في قراءة قرار الإعفاء تأتي من زاوية رغبة رئيس الوزراء في إحكام قبضة حكومته على أحد أهم المصادر الإيرادية، وبالتالي التفكير في صلاحيات أكبر تتجاوز فكرة أن المالية مملكة خاصة بتقاسم السلطة القائمة على الاتفاق السياسي والعسكري، ونحن هنا نصبح أمام السؤال: هل هذه التغييرات تمثل عمليات إصلاحية في الإطار العام لأداء الدولة، أم أن حكومة الأمل تواجه تيارات مراكز متعددة للقوة؟

مراجعة هذه القرارات أيضًا تقودنا إلى السؤال عن النتائج، وعن هل هي تهدف إلى تعزيز كفاءة أداء الجهاز الحكومي، وبالتالي يجب أن تكون تعبيرًا عن إجماع آراء في كل المستويات، وأن أي اصطدام تيارات داخل الحكومة ستكون تأثيراته واضحة على مستوى الأداء الكلي للحكومة.

الحكومة التي يُطلق عليها حكومة “الأمل” بالضرورة تحتاج لمجموعة عوامل للنجاح، في مقدمتها “الاستقرار”، وبالتالي فإن التغييرات المستمرة والإعفاءات تأتي خصمًا على ذلك، وتخصم بشكل واضح من النتائج المرجوة.

تشكيل حكومة الأمل بقيادة رجل مدني في زمن الحرب، جزء من الدوافع له هو إرسال رسائل للداخل والخارج بقدرة الدولة السودانية على استعادة التقاط أنفاسها بعد صدمة الحرب الأولى، وأن الانصراف الكلي لمشغوليات ومطلوبات الحرب أخل بالتوازن العام للدولة، وباتت هنالك حاجة ضرورية لاستعادة هذا التوازن بتشغيل كلي لماكينة الحكومة، وهذا يفرض أن يكون التغيير في المناصب الحكومية نتاج تقييم وخطة، وليس في حدود ردات الفعل لأزمات تتفجر بين الحين والآخر.

سياق الحرب بالأساس هو سياق محتقن، وبالتالي فإن التغييرات التي تحدث في الحكومة والإعفاءات المفاجئة، دون أن تصاحبها تبريرات منطقية، قد تقود الرأي العام للتشكيك في الدوافع والأسباب، وتذهب بذلك إلى صناعة أجواء سلبية حول الأداء العام.

الضغوط التي تصنع قرارات التغيير في المناصب الحكومية ليس بالضرورة أن تستجيب للمؤثرات الداخلية التي جئنا عليها آنفًا، بل قد يكون لديها أسباب متعلقة بالخارج المتصل بحالة الحرب في السودان، وقدرة ذلك في تخفيف الأحمال على الأداء الحكومي والظهور بمظهر الراغب بشكل جاد في استعادة المسار المدني وسيطرته الكاملة على أداء الحكومة.

لصناعة الأمل حقيقة على يد الحكومة، يجب أن تتحرر معايير التقييم للأداء العام من قيود الحسابات والموازنات بين مراكز القوة داخل الحكومة لصالح معايير الكفاءة والقدرة، وأن يتحرر العقل المفكر للحكومة أيضًا من قيود تفكير الأزمة التي تفرضها الحرب، لحلول التخطيط الطويل في بناء مؤسسات الدولة وميزانيتها، وأن تتجه الحكومة إلى بناء المؤسسات وإجراء التغييرات عليها بدلًا عن تغيير الأشخاص، والذي لا يحدث فرقًا يُذكر في مسافة تحقيق الأمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى