المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: طهران.. اشنطن.. اسلام اباد وجولة مفاوضات ثانية

هل تقوى طهران على الصمود بين مطرقة الحصار وسندان “نسيم اليورانيوم”؟

أم يفلح رهان واشنطن و تنجح تكتيكات إسلام آباد؟

​في مشهد جيوسياسي يزداد تعقيداً و ذلك مع وصول وفد ايراني لاسلام اباد لبدء جولة ثانية، يبدو أن الإدارة الأمريكية، بقيادة “ترامب العصر”، تمارس لعبة “نفس طويل” تتأرجح بين التصعيد العسكري والجمود الدبلوماسي. تراهن واشنطن اليوم على استراتيجية مزدوجة تهدف إلى إنهاك الداخل الإيراني عبر حصار بحري خانق يطبق على أنفاس مضيق هرمز والموانئ الحيوية، بانتظار أن تصدع الأزمة الاقتصادية جدار النظام المتماسك. هذا الرهان لا يتوقف عند حدود الأرقام والجوع، بل يعول صقور البيت الأبيض على تعميق الفجوة الآخذة في الاتساع بين تيار “البراغماتيين” الذين يمثلهم المثلث (بزشكيان، قاليباف، وعراقجي) الساعين لفك الخناق، وبين “الحرس الثوري” الذي يرى في التنازل عن المكتسبات النووية انتحاراً سياسياً وهشاشة قد تعجل بنهاية النظام، مما يجعل من الداخل الإيراني ساحة صراع صامتة بين خيار “البقاء عبر المرونة” أو “الصمود عبر السلاح النووي”.

​تتجلى ملامح هذا الصراع في أروقة “مفاوضات إسلام آباد” التي عادت لتتصدر المشهد مع وصول وزير الخارجية “عراقجي” إلى العاصمة الباكستانية، في خطوة يقرأها المراقبون بتباين حاد. فبينما تراها واشنطن علامة على بدء تآكل الموقف الإيراني تحت ضغط الحاجة لـ 20 مليار دولار المحتجزة ورفع العقوبات، تنظر إليها طهران كتكتيك “إمساك العصا من المنتصف” لكسب الوقت والمناورة. الشخصية الاعتبارية لـ “عراقجي” هنا تبرز كمفاوض محترف يحاول تسويق “الاعتدال” دون التفريط بالثوابت، لكنه يصطدم بصلابة “صقور النظام” الذين يعتبرون الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب هي “درع الردع” الأخير. هذا التدافع بين الوفود يعكس حقيقة أن الملف النووي بات “حائط صد” لا يمكن تجاوزه، حيث أعلنت واشنطن صراحة أن التوافق على التفاصيل الثانوية لا قيمة له ما لم يُحسم مصير “نسيم اليورانيوم” وتفكيك منشأتي “فوردو ونطنز”.

​على المقلب الآخر من المشهد، تبرز ازدواجية المعايير الأمريكية في أبهى صورها من داخل “البنتاغون”، حيث خرج وزير الدفاع ورئيس الأركان في مؤتمر صحفي صباح الجمعة ٢٤ ابريل – تزامنا مع وصول عراقجي و الوفد الايراني الى اسلا اباد للتنسيق لدولة مفاوضات جديدة – ليصفا الاستغلال الإيراني لمضيق هرمز كسلاح من اسلحة الدفاع عن النفس بـ “القرصنة والإجرام”. هذه الشخصيات العسكرية، التي تمثل الذراع الطولى لـ “الظاهرة الترامبية”، تمارس في الواقع “قرصنة شرعية” عبر حشد الطائرات والجنود في المياه الدولية، في مفارقة عجيبة تشرعن الحصار الأمريكي وتجرم الرد الإيراني. لقد كانت الحرب التي ابتدرها “ترامب” رضوخاً لأجندة “نتنياهو” المتفرج حالياً، هي الشرارة التي حولت مضيق هرمز من ممر عالمي آمن إلى سلاح استراتيجي في يد طهران، التي تبرر استخدامه كحق مشروع في “حرب غير شرعية” فُرضت عليها، مؤكدة أن القوة لا تُجابه إلا بالقوة في قاموس العلاقات الدولية الراهن.

​وبالنظر إلى التسلسل الزمني للأحداث، نجد أن طهران استطاعت تحويل “هدنة لبنان” في 16 أبريل الماضي إلى ورقة ضغط رابحة، منحتها نفساً أطول للمناورة في إسلام آباد. الشخصية الاعتبارية للقيادة الإيرانية في هذه المرحلة تتسم بـ “الذكاء الحذر”؛ فهي تذهب للتفاوض ليس استسلاماً، بل لإدارة الصراع وتفكيك حلف الخصوم. التقارير المسربة تشير إلى أن طهران بدأت بالفعل في “توزيع” مخزونها النووي في مواقع سرية لضمان عدم تعرضه لضربة مباغتة، وهو ما يعزز موقف المفاوض الإيراني الذي بات يعتبر المقترح الأمريكي بتسليم المخزون كاملاً “طلباً غير واقعي”. هذا التكتيك الميداني يفرغ المطالب الأمريكية من محتواها ويجعل من فكرة “التسليم الكامل” مجرد أضغاث أحلام في مخيلة الإدارة الأمريكية الحالية.

​الضغوط لم تقتصر على الجانب الإيراني فحسب، بل امتدت لتشمل الحلفاء الأوروبيين الذين تجدهم واشنطن “كبش فداء” في هذه المعركة. فبينما تصر أمريكا على استمرار الإغلاق والحصار، تلتفت إلى أوروبا لتقول لهم “أنتم المتضررون من إغلاق هرمز وعليكم التحرك”، في محاولة لغسل يدها من التبعات الاقتصادية العالمية لسياساتها المتخبطة. هنا تظهر “الظاهرة الترامبية” التي تعمل أولاً ثم تفكر لاحقاً، حيث وضعت العالم أمام مأزق طاقة عالمي، ثم بدأت تبحث عن مخارج تُحمل الآخرين مسؤوليتها. هذا التخبط الأمريكي يزيد من قناعة “المحافظين” في طهران بأن أي اتفاق مع واشنطن هو اتفاق “معلق بمهب الريح”، ولا يمكن الركون إليه دون ضمانات دولية تتجاوز الوعود الشفهية.

​ختاماً، يتضح أن المسار القادم ليس “اتفاقاً شاملاً” بل هو محاولة لترسيخ “ترتيبات مؤقتة” تمنع الانفجار الكبير. إيران لن تسلم أوراقها النووية بسهولة في إسلام آباد، بل ستقدم “تجميداً مؤقتاً” لنسب التخصيب العالية مقابل “أكسجين مالي” ينعش اقتصادها المتهالك. الرهان الأمريكي على “انهيار النظام من الداخل” يصطدم بواقعية “توزيع القدرات” وصلابة “الحرس الثوري”، بينما تظل سياسة “حافة الهاوية” هي الحاكم الفعلي للمشهد. إننا أمام صراع إرادات تستخدم فيه الجغرافيا والفيزياء النووية كأدوات تفاوض، وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، يبقى مضيق هرمز واليورانيوم المخصب هما “الخط الأحمر” الذي ترسم خلفه إيران ملامح بقائها، وسط عالم لا يحترم إلا الأقوياء.

////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى