والي غرب كردفان اللواء الركن محمد آدم جايد في حوار “المكاشفة” مع (العودة):

رصدنا عمليات بيع علنية للمدنيين في “أسواق النخاسة” التابعة للمليشيا

“المحرش ما بقاتل”.. وساعة الصفر لاقتلاع المرتزقة اقتربت

انتفاضة “المارد” ستقتلع المرتزقة من الفولة وغبيش

نهاية مشروع “سياسيي الغفلة”.. والحواضن المحلية تنفض يدها من المليشيا

الجيش يطبق استراتيجية “قص الأجنحة”.. والمتمردون يفرون من جحيم المسيرات

مخطط إجرامي لإفقار “دار حمر”.. حرق الشاحنات ومنع الطلاب من الامتحانات لكسر إرادة الصامدين

تعد ولاية غرب كردفان واحدة من أكثر الجبهات تعقيداً في خارطة الحرب الراهنة؛ فهي العمق الاقتصادي والاجتماعي الذي تراهن عليه الدولة في معركة الكرامة. وسط هذا الضجيج العسكري، يجلس والي الولاية ليميط اللثام عن حقائق صادمة في حوار استثنائي لصحيفة “العودة”. يكشف الوالي عن تورط جهات في تهريب مقدرات الولاية، ويوثق جرائم “سوق النخاسة” التي تُدار في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع، مؤكداً أن ساعة الخلاص لمدينتي الفولة وغبيش قد اقتربت، بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت على المتمردين إثر عمليات “قص الأجنحة” الأخيرة.

__

حوار: عماد النظيف

___

*• نبدأ من التطورات الأخيرة؛ كيف تبدو الخارطة الميدانية؟

التطورات الأخيرة التي حدثت في شمال وجنوب كردفان هي بمثابة “مشهيات” للمقاتلين للانقضاض على فريستهم في الأيام القادمة، لقد كانت عملية “قص أجنحة” واستنزاف سريعة وخاطفة حققت أهدافها كاملة. لقد تفاجأت المليشيا بالعمل الخاطف السريع الذي تم عبره القبض على الكثيرين منهم، وقُتل من قُتل وفر من فر، وضاقت عليهم الأرض والسماء. إنها تجربة ناجحة أوضحت تماماً أن المليشيا ليس لديها ثبات، خاصة في الفترة الأخيرة بعد أن استجلبت مقاتلين ومرتزقة، ونحن نؤكد دائماً أن “المحرش ما بقاتل”.

• وكيف تصفون الأوضاع الإنسانية والصحية في المحليات التي تقع تحت سيطرة المليشيا؟

الأوضاع الإنسانية صعبة للغاية وتحتاج لتدخل عاجل؛ فالطلبات كبيرة وما زال أهلنا المتضررون يحتاجون إلى مضاعفة الجهد التدخلي، خاصة والخريف على الأبواب. نحن بحاجة ماسة لتوفير الإيواء والغذاء، فالوضع الحالي لا يحمي من أقل “زخة مطر”. نناشد مفوضية العون الإنساني وكل المنظمات تقديم العون لأهلنا؛ فهم في أمس الحاجة للسند في المرحلة المقبلة. ونسأل الله أن تُحرر الولاية قبل دخول الخريف لتنتهي هذه المعاناة وتغنينا عن المتطلبات العاجلة، ولكن إذا لم يحدث ذلك، فنحن في أمس الحاجة لمواد الغذاء والدواء والكساء.

*• رصدت منظمات حقوقية انتهاكات جسيمة و”فظائع” ارتكبت بحق المدنيين؛ هل تملك حكومة الولاية إحصائيات موثقة لما يجري؟

الفظائع التي ارتكبت توثقها لنا مليشيا الدعم السريع بنفسها ظناً منهم أنه سلوك يتباهون به؛ والعالم كله رأى وسمع ما وثقته كاميرا المليشيا من انتهاكات، وآخرها حرق شاحنات المواطنين المحملة بالمحاصيل. وهناك انتهاكات يشهدها المواطن المغلوب على أمره في مناطق سيطرتهم؛ حيث يرى بأم عينيه حوادث القتل والسلب، بل رصدنا عمليات بيع علنية للمدنيين فيما يشبه “أسواق النخاسة” عبر القبض عليهم وطلب فدية مالية لإطلاق سراحهم، وهذا نوع من أنواع جرائم الاتجار بالبشر التي تحرمها الشرائع كافة.

* ذكرتم تورط جهات في نهب الولاية؛ ما دقة هذه المعلومات؟

نعم، نحن نملك أدلة على تورط جهات تعمل في تلك المناطق في تهريب مسروقات الولاية ومقدراتها، وهذه الجهات لا يستفيد المواطن من مساعداتها بل تسطو عليها المليشيا قسراً بتواطؤ واضح، بل وصل الأمر لمنع طلاب الشهادة الثانوية من الحضور لمراكز الامتحانات بالولايات الآمنة وتضليلهم بوعود كاذبة.

*• ذكرت وجود عمليات اتجار بالبشر وطلب فدية؛ هل هناك “بورصات” أو مواقع معروفة تتم فيها هذه المساومات؟ وهل رصدتم تورط عناصر في هذه الجرائم أم أنها سلوك محلي للمليشيا؟

بل هو سلوك محلي ويأخذ أو يغلف بالطابع الفردي أو ما يسمى بـ “الشفشافة”؛ لكن الكل يعلم ولا توجد سيطرة، كلٌ على هواه ولا رادع، وتتفاوت الفدية حسب المكانة الاجتماعية والمالية للرهينة، ولم يرد ذكر لأجانب يقومون بهذا العمل.

 

*• تحدثت عن منظمات تعمل في مناطق السيطرة وتسطو المليشيا على إمداداتها؛ لماذا لا تعلن حكومة الولاية عن أسماء هذه المنظمات رسمياً وتخاطب مفوضية العون الإنساني لإيقافها أو محاسبتها؟

 

الدولة ممثلة في استشارية المنظمات والشؤون الإنسانية ومفوضية العون الإنساني تعلم بهذه المنظمات وتسمح لها بذلك من باب الحرص على إيصال المساعدات الإنسانية للمواطن أينما كان، حتى لو كان في أماكن سيطرة المليشيا، وهو هدف إنساني ونبيل؛ لكن المليشيا تسطو على المنظمات التي لا حول لها أو هي متماهية معهم.

 

*• ماذا عن الوضع في “دار حمر” وعمليات التشريد الممنهجة؟

 

دار حمر دفعت ثمن موقفها الوطني التاريخي الذي سطره الأمير الشهيد عبد القادر منعم منصور -تقبله الله في أعلى عليين- سطر تاريخاً لحمر بأحرف من نور. دفعت الدار ثمن ذلك الموقف غالياً باهظاً حيث أُفقرت من البشر والشجر والحجر، ومُورس فيها نهب وسلب وقتل ممنهج ومقصود مع سبق الإصرار والترصد. عانى المواطن الأمرين؛ فمنهم من شُرد خارج الدار ولاذ للبؤر الآمنة في شتى الولايات، ومنهم من شُرد داخل الدار وارتحل للقرى الآمنة مؤقتاً ويدفع ثمن تسلط المليشيا والهجمات المتكررة وحوادث التربص والابتزاز والقبض والحبس غير المشروع. نجد المواطن بالداخل وبعد حصاد محصوله يحمله متخفياً على “المواتر” وعربات “الكارو” ويسير على مدى ستة إلى سبعة أيام قاصداً الأسواق في ولاية شمال كردفان ليتفاجأ بأفراد المليشيا على مداخل الولاية؛ فإما أن تحرق ما عنده أو تنهبه أو تنهب أغلبه أو تدفعه أتاوات باهظة تفوق ما يمكن أن يجنيه من تلك الرحلة الطويلة الشاقة، وقد تصفيه أيضاً.

*• كم تبلغ أعداد النازحين الفعلية حتى الآن؟

عدد النازحين وهو في تزايد يفوق الـ 38 ألف أسرة، يتوزعون بين النيل الأبيض والخرطوم والجزيرة، والكتلة الأكبر بمدينة الأبيض. ونشكر والي شمال كردفان، الأستاذ عبد الخالق عبد اللطيف، على احتضانهم. الحاجة الآن ماسة لمواد الغذاء والدواء والكساء مع اقتراب فصل الخريف.

*• ما هي قصة لجان المرتبات؟**

عمل روتيني يتم على فترات بغرض مراقبة الصرف والوقوف على أي عوائق للعمل على معالجتها، وهو أيضاً شكل من أشكال الرقابة.

 

*• البعض يسأل عن عائدات المحاصيل الزراعية وقطعان الماشية التي تصل إلى مدينة الأبيض من ولاية غرب كردفان؟

اللوائح والقوانين تنظم طريقة التحصيل والعائدات، ومن حظ إخوتنا في ولاية شمال كردفان أن العائدات هذه من نصيبهم، لكن نجد نصيبنا منهم والتعاون بيننا مستمر ولهم الشكر والتقدير.

*• غرب كردفان تمتاز بتركيبة قبلية شديدة الحساسية؛ ما هي التحركات التي تقومون بها لمنع تحول الصراع السياسي إلى صدام قبلي “شامل”؟

لهذا السبب نحن في حكومة الولاية نعمل جاهدين وبكل الآليات المتاحة لرتق النسيج الاجتماعي ونبذ خطاب الكراهية والجهوية والمناطقية، وخلق مجتمع غرب كردفاني متسامح مع نفسه ومع الآخرين. وتساهم معنا الدور الأكاديمية، ونسعى بالتنسيق مع جامعتي غرب كردفان والسلام لتفعيل دور مراكز حفظ السلام لتلعب دوراً فاعلاً في هذا المضمار. وهناك مجلس السلم والتصالحات الذي سيعاد تشكيله فور تحرير الولاية ليقوم بدوره، وأيضاً الإدارة الأهلية لابد من إعادة صياغتها لتقوم بدورها وسط المجتمع؛ وفوق كل ذلك ستكون هناك قوة مشتركة من كافة القوات النظامية لفرض هيبة الدولة وحسم أي تفلتات.

*• كيف تنظر لانضمام “النور القبة” للجيش السوداني؟

هي بداية النهاية للمليشيا الهشة، ويستمر التصدع والانشقاق لأن الأساس بُني على باطل وشعارات جوفاء واصطفاف قبلي لا ينبني على أهداف نبيلة ورؤى وطنية، بل الغرض هو السلب والنهب. وعندما جفت منابع السلب والنهب وقضوا على الأخضر واليابس والعام والخاص وانتفت المصالح؛ بدأ مسلسل انفضاض الملايش والمرتزقة، وانشغال الكفيل الممول بما وقع عليه ووقف الدعم ولو إلى حين. ولعل انسلاخ القبة ومن يأتي بعده لو تواصل إلى مساندة ميدانية للقوات المسلحة والقوات المساندة لها؛ سيعجل بالنهاية التي انتظرها هذا الشعب الأبي المكتوي بنيران وتسلط المليشيا.

• سؤال أخير ينتظره الجميع.. متى يتوقع الوالي أن تعود “الفولة” و”غبيش” وبقية أجزاء الولاية إلى حضن الدولة بشكل كامل؟

نلحظ الآن بداية النهاية لمليشيا الدعم السريع؛ التصدعات استشرت، والتململ وانعدام القيادة أصبح واضحاً، والحواضن المحلية أدركت فشل مسانديها من “سياسيي الغفلة والارتزاق”. القوات المسلحة أعدت العُدة واستجلبت العِدة، وسينتفض المارد قريباً ليلتهم فريسته. تحرير الفولة وغبيش مسألة وقت بعد أن انتفض المارد، ونحن نقاتل بـ “الغبينة” المسنودة بالحق، وقريباً ستكون كردفان ودارفور خالية من الدنس لتنطلق عجلة إعادة الإعمار والتنمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى