المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: إرادة طهران تحت وطأة الحصار البحري

*​ما الذي تحمله الجولات المكوكية للدبلوماسية الإيرانية في عواصم المنطقة من رسائل استغاثة أو مناورة؟*

*​كيف تحولت “عقيدة الدفاع الموزاييكي” إلى العائق الأخير أمام استراتيجية “التحييد الوجودي” الأمريكية؟*

*​هل تنجح واشنطن في تحويل حضور حاملات طائراتها إلى وصاية بحرية دائمة تنهي حقبة الهيمنة الإيرانية؟*

 

​تتسارع دقات الساعة السياسية في منطقة الشرق الأوسط تزامناً مع تحركات دبلوماسية إيرانية محمومة يقودها “عباس عراقجي”، الذي لا يكاد يغادر طائرة حتى يستقل أخرى بين عُمان وباكستان، مع اتصالات لا تنقطع بوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وقطر. هذه الحركة المكوكية تعكس حالة من الاستنفار السياسي القصوى؛ فإيران تحاول استباق الانفجار العسكري عبر بناء “شبكة أمان” إقليمية، حاملةً رسائل مزدوجة تترنح بين الرغبة في التهدئة والتحذير من اشتعال المنطقة بأكملها. هذه الدبلوماسية لا تنفصل عن الواقع الميداني، بل هي الوجه الآخر لترقب طهران لما سيحدث بعد انقضاء الهدنة الهشة، حيث تسعى لتوظيف الوساطة الباكستانية والعُمانية كمتنفس أخير لتفادي صدام مباشر مع أضخم حشد عسكري تشهده المنطقة منذ عقود.

​في المقلب الآخر، لا يبدو أن واشنطن تكترث كثيراً لهذه التحركات الدبلوماسية إلا بقدر ما توفره من وقت لإكمال خناقها العسكري؛ حيث تدار العمليات تحت إشراف الجنرال “إريك كوريلا”، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، الذي يراقب من غرفته المحصنة تموضع ثلاث مجموعات قتالية تقودها الحاملات (Gerald Ford، Abraham Lincoln، وGeorge Bush). هذا الحشد، الذي يضم أكثر من 200 طائرة مقاتلة و15 ألف جندي، يمثل “قوة إخضاع” تهدف لنزع مخالب النظام الإيراني وتحييد قدراته الصاروخية والنووية للأبد. واشنطن ترى في هذه اللحظة التاريخية فرصة لفرض واقع جديد يتجاوز فكرة “تغيير النظام” إلى فكرة “تحييد وجوده” كقوة إقليمية مؤثرة، معتبرة أن المليارات المستنزفة يومياً هي استثمار ضروري لتأمين ممرات الطاقة العالمية وقطع الطريق على التمدد الصيني والروسي.

​هذا الحصار البحري والجوي الخانق يصطدم بعناد إيراني يستند إلى إرث عسكري معقد؛ فإيران التي فقدت مهندس قوتها الجوفضائية “أمير علي حاجي زاده” في عام 2025، لم تنهار منظومتها الدفاعية كما تمنت واشنطن. بدلاً من ذلك، يدير العميد “سيد مجيد موسوي” القوة الجوفضائية اليوم بناءً على القواعد التي أرساها سلفه، معتمداً على “إرث حاجي زاده” في سلاح الإغراق الصاروخي والمسيرات الانتحارية. طهران تراهن في صمودها على “عقيدة الدفاع الموزاييكي” التي يشرف عليها اللواء “حسين سلامي”، حيث تم تقسيم البلاد إلى 31 مقاطعة عسكرية مستقلة تماماً، تمتلك كل منها عتادها وقرارها السيادي بالرد، مما يجعل أي ضربة لمركز القيادة في طهران غير كافية لشل حركة المقاومة الموزعة في التضاريس الجبلية الوعرة.

​وبينما يستمر “عراقجي” في محاولاته لفتح ثغرة في جدار العزلة الدولية، يواصل العميد “إسماعيل قاآني” قائد فيلق القدس ضبط إيقاع “وحدة الساحات” من بيروت إلى صنعاء وبغداد، في محاولة لخلق حزام نار يشغل الحشود الأمريكية عن التركيز على الداخل الإيراني. هذا التوزيع للقوى يضع الأدميرال “صمويل بابارو” أمام معضلة تشتيت القوة البحرية الأمريكية، إلا أن التوجه الهجومي الجديد لوزير البحرية الأمريكي “هونغ كاو” يميل نحو الحسم الصارم، حيث يرى كاو أن “لحظة الضعف” الإيرانية الحالية هي الوقت الأنسب لفرض قاعدة بحرية دائمة في المنطقة، تنهي للأبد أحلام طهران في السيطرة على مضيق هرمز وتضع المنطقة تحت وصاية أمنية أمريكية مباشرة لا رجعة فيها. إن ما ستؤول إليه الأحداث بعد انتهاء الهدنة لن يكون مجرد اتفاق سياسي، بل إعادة صياغة جذرية لخارطة النفوذ، حيث لا يبدو أن واشنطن ستقبل بالعودة إلى قواعدها دون تحقيق “التحييد المطلق” لقدرات خصمها التاريخي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى