قرار حل النقابات… نموذج “الوصاية السياسية”..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

بتاريخ الثاني والعشرين من شهر أبريل الجاري، أصدر السيد المستشار العام/ آمنة الصادق كبر، مسجل عام تنظيمات العمل، القرار رقم “9” لسنة 2026م، والخاص بإلغاء السلطات التنفيذية للنقابات العامة المكونة لاتحاد نقابات عمال السودان، على أن تظل “اللجان التمهيدية” تمارس سلطاتها إلى حين قيام الانتخابات.

وتحت غطاء “المصلحة العامة” وتنظيم العمل النقابي، خرج القرار أعلاه بشقيه المشار إليهما بالإلغاء للسلطات التنفيذية ونقلها إلى اللجان التمهيدية للنقابات، وقرار بهذه الشاكلة لم يكن الأول، وبالضرورة لن يكون الأخير الذي يصدر تحت “ترويسة” مسجل عام تنظيمات العمل؛ فبتكرار تم التعود عليه، ظل شاغل هذا المنصب هو أداة السلطة ويدها التي تدير رؤية السلطة السياسية بما يتوافق والرسم الذي ترسمه للمشهد النقابي في الدولة.

السياق وتوقيت القرار يدفعان بالسؤال الموضوعي عن الانتباهة المفاجئة لمسجل عام تنظيمات العمل للشأن النقابي، واستدعاء المصلحة العامة لتبرير قرار إلغاء السلطات التنفيذية، وعمال السودان المنسيون تمامًا طوال سنوات الحرب من الجانب الرسمي، وتتجاسر بعض النقابات في ظل ظروف بالغة التعقيد لتُسمِع صوت مظالمهم والانتهاكات التي يتعرضون لها.

أراد المسجل العام أن يقول للسلطة السياسية: أنا موجود وجاهز لإعادة ترسيم خارطة العمل النقابي بما يتوافق والتوجه السلطوي في هذا التوقيت، وأنه ولا أحد غيره يمتلك الحق في تقدير “المصلحة العامة”، وفي ظل غياب سجل منشور لقرارات مسجل تنظيمات العمل يظهر القرار رقم “9” كحد فاصل من حيث تأثيراته ونطاق عمله، بحيث يصبح السؤال مشروعًا عن الشفافية وسلسلة الإجراءات، وبهذه الطريقة التي صدر بها القرار: هل يمكننا تصنيفه كجزء من مسار إصلاحي وتنظيمي للعمل النقابي، أم هي العادة السلطوية التي تصبغ هذه النوعية من القرارات بالصبغة السياسية؟

غابت القرارات من “1–8″، ولم تكتسب العلانية التي صدر بها القرار أعلاه، لتبين الاختلالات في الشفافية المطلوبة في القرارات التي تمس قطاعًا واسعًا كقطاع النقابات، يتطلب فيه الإصلاح وإعادة التنظيم التدرج والتمهيد بإجراءات وقرارات تسهل الفهم لمثل القرار رقم “9”، ولا حتى نقاشات عامة تجعل الخطوة المفاجئة “مهضومة” عند أصحاب الحق الأصيل، ليصبح القرار قرارًا فوقيًا لا يمكن تجنب مزالق “سوء الظن” فيه وفي أسباب ودوافع صدوره.

(*) مرافعة قانونية ..

لم ينسَ مصدر القرار أن يعيدنا إلى نص المادة “14” من قانون نقابات عمال السودان لسنة 2010م، والتي تتحدث عن “صلاحيات” مسجل عام تنظيمات العمل، والتي تعطيه حق الإشراف على تسجيل النقابات والالتزام بالنظام الأساسي والقانون، إضافة إلى سلطة الإلغاء والتعليق والتدخل في حالة المنازعات النقابية.

الصياغة العامة للمادة أعلاه من المفهوم فيها لماذا أعطى المشرع لقانون 2010م كل هذه الصلاحيات الواسعة للمسجل العام، والتبرير هو في السياق التاريخي لصدور القانون نفسه وبيئة السلطة وقتها المتعلقة بالنظام السابق، والقائم على القوة القهرية التي تعبر بشكل مطلق عن المصلحة السلطوية ورؤية السلطة نفسها للأدوات النقابية ورغباتها في تدجين المشهد النقابي لصالح القرار والرأي السلطوي.

تُفهم الصلاحيات بهذا الشكل لأنها لم تقدم الشروحات اللازمة التي تبررها “تحقيق/ أخطار/ أحكام قضائية”، الشيء الذي يحول مثل القرار أعلاه من خانة التنظيم الإداري إلى خانة “الحل السياسي”، متجاوزًا روح المادة نفسها.

وإذا اصطحبنا معنا المناقشات المفتوحة منذ العام 2019م بعد التغيير حول قانون 2010م وتقاطعاته مع روح القوانين والتعهدات الدولية لنقرأ صفحة القرار الأخير، سنجد أنفسنا أمام حقيقة الاختلال القانوني في القرار رقم “9” ومخالفته الصريحة للاتفاقية رقم “87” لسنة 1948، والتي تتحدث في المادة رقم “2” عن حرية العمل النقابي نصًا: “للعمال الحق في تكوين منظماتهم والانضمام إليها دون إذن مسبق”، وتعزز هذا المنطق القانوني في المادة “3” من الاتفاقية بالقول: “للمنظمات الحق في وضع لوائحها وانتخاب ممثليها وإدارة أنشطتها بحرية دون تدخل من السلطات”.

من غير المستغرب خلو الذهن “الرسمي” عند إصداره لهذا القرار من الأبعاد القانونية والحقوقية في العمل النقابي؛ فالعقل سلطوي بامتياز، ويستبعد التوجيه الواضح والصريح في المادة “4” من الاتفاقية: “لا يجوز حل النقابات أو وقف نشاطها إلا بقرار قضائي”، ولا يخفى علينا هنا افتقار القرار رقم “9” الصادر بتوقيع مسجل عام تنظيمات العمل للشق القانوني المطلوب في مثل هذه القرارات و”النَّفَس” السلطوي الواضح فيه.

قبل الطعن في مشروعية القرار، تجب علينا المراجعة القانونية للسند القانوني الذي اعتمد عليه المسجل العام لاستخدام صلاحياته في الإلغاء والتفويض، وهو قانون “2010م”، والذي يمكننا الجزم بأنه قانون معيب ولا يعبر عن الروح المطلوبة وقيم العمل النقابي.

لم يكلف مسجل عام تنظيمات العمل نفسه بمراجعة الاتفاقيات الحاكمة للعمل النقابي دوليًا ومدى اتساق قانون 2010م السوداني معها، مكتفيًا باستخدام صلاحياته في المادة “14”، دون الرجوع للمادة “2” في اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 لعام 1949م، والتي تنص بالآتي: “حظر تدخل السلطات أو أصحاب العمل في تشكيل النقابات أو إدارتها”.

وعلى الرغم من كل الذي حدث للوثيقة الدستورية في السودان، فإنها لا تزال المرجعية الدستورية لأي قرار قانوني تصدره السلطات التنفيذية، إلا أننا لو أقمنا ميزان القانون على قرار المسجل، سنجد المخالفة الصريحة فيه لمبدأ أصيل مذكور فيها، وهو المبدأ الثاني “سيادة حكم القانون”، الفقرة الثانية: “عدم جواز استخدام السلطات الإدارية لتقييد الحقوق الأساسية”، وتطبيقًا للمبدأ القانوني فإن أي قرار يستند إلى قانون مخالف للوثيقة الدستورية يُعتبر غير دستوري عند التطبيق.

(*) قرار إداري أم إعادة هندسة سياسية؟

القرار رقم “9” يتكون من شقين: الأول أعطى به المسجل نفسه حق إلغاء الصلاحيات التنفيذية للنقابات، والشق الثاني تحدث فيه عن نقل السلطات إلى لجان تمهيدية بصلاحيات إدارة العضوية وحفظ الأصول وإدارة العمل اليومي والأعمال التكافلية والاجتماعية للعضوية والتحضير للانتخابات، وقيد بقية الإجراءات بقرار مباشر منه.

بهذه الصيغة نجد أن المسجل، وبقراره هذا، يريد أن يقول بأنه له الولاية على النقابات، وأنه يمتلك الحق المطلق في هندسة المشهد النقابي حسب الموجهات السلطوية التي يأتمر بها، دون الفهم الدقيق لحزمة المطلوبات النقابية من أي جسم يمثل نقابة محددة.

مثل هذه القرارات التي تهدم قيمة استقلالية العمل النقابي وتعزز من سيطرة وتدخلات اليد السلطوية في ما لا يجوز التدخل فيه، من شأنها أن تزيد من الانقسامات والانشقاقات التي تخصم من فعالية تكوين الأجسام النقابية، وبالتالي تضيع الحقوق في غمرة الصراعات بين الأجسام التي تنشأ بالقرار السلطوي والأجسام صاحبة التمثيل الحقيقي.

ويبقى السؤال عن ماهية الأهداف التي تحققها مثل هذه القرارات، وهل فعلًا تعالج خللًا موجودًا، أم أنها في الحقيقة تفرض وصاية سياسية على العمل النقابي؟

اللجان “التمهيدية” التي أشار إليها قرار المسجل العام، هل هي تعبير وتوصيف لمرحلة انتقالية، أم هي في الحقيقة تكريس لأوضاع دائمة كما عرف المشهد النقابي في السابق؟

تنظيم العمل النقابي إداريًا أمر مطلوب بالضرورة، وتاريخ العمل النقابي يقول بإرث كبير ومحترم في هذا الاتجاه من النقابيين والكوادر النقابية، وفي هذا الوقت الذي تحتاج فيه الدولة السودانية لتماسك الجبهة الداخلية، فإن مثل هذه القرارات غير المدروسة تعزز من روح الانقسامات وتخلق واقعًا محتقنًا، وتشير لاهتمام السلطة بهندسة المشهد العام سياسيًا لمصلحة أجندات لا علاقة لها بالحق النقابي وحرية التنظيم.

الحرب، وعلى المصائب التي جرتها على الشعب السوداني، فإنها جرت عليه المظالم من أصحاب العمل والجهات الحكومية المشغلة، حيث تُهضم الحقوق، وتم تضييق المساحات التي تتحرك فيها الأجسام النقابية.

قانونيًا، هنالك حاجة ماسة لإجراء مراجعات قانونية تفضي إلى قانون جديد للحركة النقابية، بخلاف قانون 2010م المعيب، والذي لا يحقق أهداف القيم النقابية ويفتقر للحساسية اللازمة التي تتعامل مع مطلوبات العمل النقابي وما جاء في الاتفاقيات الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى