أبعاد محاولة اغتيال الرئيس ترامب

بقلم: محمد فؤاد عيد
تداولت وكالات الأنباء في الأيام الماضية خبر محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي، حيث احتل الخبر العناوين الرئيسية لمعظم تلك الوكالات والصحف التي أفردت صفحاتها لتناول الحدث وصفاً وتقصياً وتحليلاً واستدلالاً، وذلك لما حمله الحدث من رمزية خطيرة. وأقصد هنا محاولة الاغتيال، حيث تنبري أسئلة تفرض نفسها وهي: هل يمكن تصنيف الاغتيال ضمن خانة أداة من أدوات التغيير السياسي نتيجة لتذمر فئة من المجتمع تجاه سياسة نظام معين؟ كذلك هل يمكن وصف ذلك النظام بالفشل؟ وهل يمكن لحادثة محاولة الاغتيال أن تغير موازين القوة؟ أم أن أنظمة الدول التي توصف بالكبرى باتت أكثر صلابة لامتصاص مثل تلك الحوادث والصدمات؟
بين الأمن والسياسة تظل الاغتيالات السياسية واحدة من أكثر الظواهر كشفاً لهشاشة وضعف وتآكل المجتمع الذي يبدو في الظاهر مستقراً.
أهداف الاغتيال
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتصاعد فيه حدة الاستقطاب، لم تعد محاولات الاغتيال -خاصة إذا كانت لاستهداف رئيس دولة- مجرد حدث استثنائي، بل مؤشر لاختلال في بنية الدولة أمنياً وسياسياً، حيث إنه وفي لحظة من عمر النظام قد تُختزل معادلات قوة الدولة بصوت رصاصة واحدة. والاغتيالات السياسية هدفها في الأساس تغيير خريطة الدولة سياسياً، فهي في الأساس ليست رد فعل لعنف عابر، وإنما مفترق طرق لقياس واختبار مدى تماسك النظام. لذا يتبادر السؤال: ماذا لو أصبح رأس الدولة هدفاً مشروعاً لأفراد أو جماعات مؤدلجة أو هدفاً بين دولٍ متنافسة؟
نظرية المؤامرة
وهذا بدوره يقودنا لسؤال: لماذا يجنح البعض إلى أسلوب الاغتيالات؟ هناك العديد من الأسباب، أهمها نظريات المؤامرة تجاه نظام معين أو شخص بذلك النظام. أضف لذلك الدوافع السياسية بهدف تغيير ذلك النظام، وليس بعيداً عن ذلك الدوافع الأيديولوجية والدينية، زيادة عليه الصراعات الداخلية التي تعاني منها الدولة، وبدورها قد تخلق بيئة مستوفية الشروط للجوء لمثل هذا المسلك. وأخيراً قد يكون السبب الخلل النفسي لدى هذا الفرد أو هؤلاء المنفذين. ولعل نتائجها في الأغلب هو تغيير مسار الدولة تماماً أو إشعال الفتنة وأحياناً إخمادها. ولا ننسى أنها تصنع أحياناً الرموز السياسية باعتبار أن الذي اغتيل أصبح شهيداً في نظر البعض، خاصة إذا اشتهر برأي أو يود تطبيق قرار لا يروق للبعض تحويله لواقع ملموس.
حادثة السبت
ما حدث الأيام القليلة الماضية جعلني أغوص في تاريخ الاغتيالات السياسية في العالم، الذي شهد حوادث عديدة راح ضحيتها رؤساء دول. والتاريخ لا ينسى ما تعرض له الرئيس المصري محمد أنور السادات، وكذلك أنديرا غاندي، إلى جانب رئيسة وزراء باكستان بينظير بوتو. حتى في إسرائيل نجد أن الاغتيال السياسي موجود حيث اغتيل الرئيس إسحاق رابين. لذلك نجد أن الاغتيال السياسي ظاهرة سياسية وإعلامية في آن واحد، ويأتي نتيجة لعوامل عدة أهمها الصراع حول السلطة أو التطرف، وأيضاً كنوع من الاحتجاج السياسي.
تاريخ الاغتيالات
أما ظاهرة الاغتيالات داخل الولايات المتحدة -وهي الدولة التي وضعت نفسها سيدة العالم رغم أنف الجميع- نجد أنه لا يوجد رقم محدد لعدد محاولات اغتيال الرؤساء الأمريكيين. ولعل السبب يعود في ذلك إلى أن بعض هذه المحاولات قد أُجهضت وهي ما زالت في مرحلة التخطيط المبكر، وبعضها كانت بالفعل قد اكتملت نضجاً وأصابت هدفها. وأبرز تلك الحوادث والتي يمكن وصفها بأنها كانت محاولة مكتملة الأركان والنتائج هي اغتيال كل من الرئيس أبراهام لينكولن، وجيمس غارفيلد، ووليام ماكينلي… وأشهرها من الاغتيالات الرئاسية حادثة الرئيس جون كينيدي.
كما أن هناك من المحاولات ما كانت قد فشلت ونجا منها رؤساء، مثل الحادثة المشهورة التي استهدفت الرئيس رونالد ريغان. ولعل مسرحها كان نفس الفندق الذي حدثت فيه المحاولة الفاشلة التي تعرض لها الرئيس الأمريكي منذ أيام قليلة، حيث تعرض ريغان لمحاولة خطيرة كادت أن تفقده حياته وكان ذلك في العام 1981. كذلك ثيودور روزفلت والذي كان قد أصيب قبل ترشحه للرئاسة. وهناك محاولات كُتب لها الفشل تعرض لها جورج بوش وبيل كلينتون وباراك أوباما. ولعل هذا يقودنا لسؤال مهم وهو: هل كل تلك الحوادث التي كُتب لها النجاح والتي فشلت تقف وراءها ما يعرف بنظريات المؤامرة؟
دوافع الاغتيال
المعروف أن دواوين السياسة الأمريكية لا تزيح كامل الستار لإبراز الدوافع التي تقف خلف مرتكبي هذه الأفعال، حيث لا توجد أي أدلة رسمية موثوقة تثبت أن محاولات الاغتيال هذه كانت جزءاً من مؤامرة كبيرة ومنظمة تقف وراءها قوى خفية أو جهات ذات أجندة، بالرغم من أنه ما زالت هناك سوابق تاريخية مثيرة للجدل، مثال ذلك ما تعرض له الرئيس جون كينيدي، فحادثته ما زالت محل نقاش حتى اليوم.
وأغلب مزاعم التحقيقات الفيدرالية وما تردده مكاتب الخدمة السرية وما تذهب إليه هو: لا يوجد دليل على مؤامرة، ومعظم المحاولات أتت من أفراد منفردين، وأن الدوافع أغلبها شخصية أو نفسية أو سياسية، وأنها ليست من مخطط كبير، ولا يوجد دليل على وجود مؤامرة عامة أو خفية. وتتكتم هذه الأجهزة عن سرد الوقائع والدوافع، لذلك بعض هذه المحاولات خاصة التاريخية تظل محل جدل ونقاش بسبب الغموض ونقص الأدلة.
الإيجابيات المتوقعة
هل هناك إفرازات إيجابية لمثل تلك المحاولات بعد فشلها في شخص الرئيس؟ إذا أخذنا الحوادث المتكررة التي وقعت في فترات الرئيس دونالد ترامب كنموذج، يمكننا القول بأنه من المؤكد أن الرئيس قد يستفيد من مثل تلك الحوادث، سواء إن كانت حوادث حقيقية أو كما يذهب البعض بأنها مدبرة ونوع من التمثيليات التي يقف الكسب السياسي من خلفها. حيث تتحول إلى مكسب حينما يتجلى التعاطف الشعبي، وطبيعة البشر في الغالب تميل لدعم الضحية. كما أنها تجعل من الرئيس أسطورة وتضعه مقام القائد القوي الذي يظهر بثبات بعد فشل الحادثة، فهي نوع من تعزيز ورفع مقدار هيبته أمام ناخبيه. وهذا يذكرني بالمؤتمر الصحفي الذي عقده بعد نصف ساعة من الحادثة. فمثل تلك الحوادث تزيد من حجم الولاء والحشد داخل وعائه السياسي وتعمل على توحيد أنصاره، وبالطبع يأتي دور الإعلام في تفخيم وتضخيم شخص الرئيس ووضعه في مراكز الاهتمام الإعلامي والاجتماعي.
ولعل ما يعزز هذه الفرضية هو ارتفاع شعبية رونالد ريغان بعد نجاته عام 1981، الذي أصبح محبوباً لطبقات متنوعة في المجتمع الأمريكي. كذلك نرى ارتفاع أسهم الرئيس الأمريكي الحالي ترامب بعد تعرضه لحادثة إطلاق النار عام 2024، والتي كان لها أثر واضح في خطابه السياسي. أضف لذلك أن بعض خصومه حينذاك أبدوا نوعاً من التعاطف معه، ولقد حظي بتغطية إعلامية منقطعة النظير وتصدر المشهد بالكامل لعدد من الأيام، وعززت الحادثة من صورته باعتباره القائد الصلب، خاصة بعد ظهوره السريع بعد الإصابة، وهو ما يعرف سياسياً بـ”الالتفاف حول القائد عند الأزمات”.
محاولة الاغتيال والانتخابات
من كل ما سبق هل يمكن أن تؤثر مثل تلك الحوادث على قواعده الانتخابية؟ وهذا هو لب ما بحثت عنه وبذلت الجهد في تحليله ومعرفة النتائج التي يمكن أن تفرزها مثل تلك الحوادث، التي جنح فيها البعض بالوصف بأنها مرتبة ومدبرة، بل كان البعض أكثر تطرفاً حين وصفها بالتمثيلية جيدة الإخراج.
نعم.. إذا أخذنا ما سبقها من حوادث كمثال يُبنى عليه، نجد أنصار ترامب أصبحوا أكثر حماساً وتعبئة، والحادثة اعتبرها البعض بأنها نوع من الاستهداف، فهو بالفعل مستهدف سياسياً بسبب حجته الانتخابية، فزاد عليه الإقبال وكان هناك دعم شعبي قوي يؤازره في الفترة التالية والتي سبقت الانتخابات.
لكن مع الوضع في الاعتبار بأن بعض الناخبين المتأرجحين كان تعاطفهم مؤقتاً، كما أن الانقسام السياسي في المجتمع الأمريكي جعل التأثير محدوداً على المدى البعيد، بالرغم من سرديات الصمود والاستهداف والمواجهة.
نعم.. بالفعل ما حدث كان بالنسبة له دفعة قوية على المدى القصير، والذي سرعان ما بدأ يخف ويتضاءل تدريجياً، فهي دولة تُحكم بحجم الأداء أولاً والاقتصاد ثانياً، وهذان العاملان هما الأساس والذي من خلاله يختار الناخب مرشحه. ولا يخفى على الكثيرين ما وصل إليه اليوم الحال بالولايات المتحدة إذا نظرنا إلى هذين العنصرين.
لذلك يمكن القول بأن مثل تلك الحوادث أياً كانت واقعيتها قد تمنح الرئيس الأمريكي دفعة سياسية قوية لكنها ربما تكون مؤقتة، لأن عامل الحسم ومعيار الاختيار سيكون دائماً مرتبطاً بالتأثير الاقتصادي والأداء السياسي. لذلك حادثة محاولة الاغتيال من منظوري سوف لن يكون لها تأثير على تغيير المسار الانتخابي المقبل هذا العام، إذا افترضنا أن مثل تلك الحوادث ووقوعها في مثل هذا التوقيت ربما لفائدة مرجوة، وقد تحدث في انتخابات نوفمبر المقبلة نوعاً من التأثيرات والمفاجآت، خاصة بعد تراجع شعبية الرئيس.
ومثل محاولات الاغتيال هذه قد تعطي دفعة نفسية وإعلامية مؤقتة، وهي بالطبع ستمر بعدد من المراحل، حيث إنه عقب حدوث المحاولة بساعات ستكون هناك صدمة وتعاطف، يعقبها ارتفاع مؤقت في الشعبية وتوقف هجمات من الخصوم، وهنا بالطبع المكسب السياسي سيكون في القمة من حيث المستوى، يعقبها استعمال الحادثة في الحملات ومحاولات الاستقطاب. ولكن سياسات المرشح ستكون هي الفيصل، ولعل هذا ما حدث مع الرئيس السابق رونالد ريغان، والحادثة التي تعرض لها لم تكن العامل الوحيد الحاسم في الانتخابات بقدر أداء المرشح نفسه وإدارة البلاد اقتصادياً.



