المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: مزاد الوصاية الناعمة ٢-٢

نحو تفكيك أوهام الوصاية ومواجهة “الشر المطلق”

السودان ليس شركة للتصفية ولا ساحة لتجارب مسعد بولس

​تطل علينا اليوم دعوات تحاول “تجميل” وجه الوصاية الدولية، بزعم أن السودان لم يفشل لأنه خضع للفصل السابع سابقاً، بل لأنه لم يخضع له “بالقدر الكافي”. إن هذا المنطق الذي يروج له البعض، ومن بينهم مسعد بولس بتصريحاته المتقلبة، ليس سوى دعوة صريحة لإلغاء الدولة السودانية وتسليم مفاتيحها لتحالف دولي يديرها بالوكالة. إن محاولة تصوير التدخل الدولي كحل سحري هي مغالطة تاريخية؛ فالسودان ليس دولة منهارة المؤسسات، بل دولة تملك جيشاً قومياً صامداً، وما ينقصه ليس “الوصاية”، بل كف أيدي القوى الخارجية التي تغذي التمرد ثم تدعي القلق على “الأمن القومي الأمريكي” لتبرير تدخلها.

​إن “النموذج” الذي يبشر به دعاة التدخل، والقائم على توزيع السودان كحصص (غطاء أمريكي، تمويل إقليمي، إدارة سنغافورية)، هو مشروع “تصفية أصول” لا بناء دولة. هذا المنطق يحول السودان من دولة ذات سيادة إلى “شركة مفلسة” يتم تقاسم أرباحها المستقبلية بين الممول والمدير والراعي السياسي. إن افتراض أن الحل يأتي عبر شراكة مركبة تخضع لرقابة دولية هو اعتراف بانتهاء عهد الاستقلال، وتحويل البلاد إلى “محمية” تفتقر للإرادة، وهو وهم كذبه الواقع؛ حيث لم يورث التدويل إلا تعقيد الصراع أو تحويله إلى نزاع صفري يخدم أجندات الممولين فقط.

​يجب التوضيح بقوة أن القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة الشرعية الوحيدة المنوط بها حماية الأرض، وليست “طرفاً في صراع مليشياوي” كما يحاول الإعلام الغربي تصويره. إن محاولة شيطنة الجيش بدمغه بصفات حزبية أو “فزاعة” الحركة الإسلامية هي محض تمهيد لنزع الشرعية عنه واستبداله بـ “قوات هجين” أو جيوش أجنبية. الجيش اليوم هو صمام الأمان الوحيد ضد الفوضى التي يمهد لها دعاة الوصاية، الذين يضيقون ذرعاً بوجود مؤسسة وطنية ترفض أن تكون مجرد أداة في يد “المهندسين” الدوليين و أذنابهم من الساسة الخانعين ، الذين يخططون لمستقبل السودان خلف الأبواب المغلقة.

​من المثير للسخرية أن يأتي الحديث عن “الإنقاذ الدولي” من بوابة الولايات المتحدة، التي تمثل “الشر المطلق” في سياستها الخارجية؛ فهي الراعي الرسمي لأكبر نظام عنصري في العصر الحديث، والداعمة لآلة القتل في غزة، والمحرضة على الصراعات الإقليمية. إن الدولة التي فشلت في فيتنام، والعراق، وليبيا، و الصومال، وأفغانستان، وتتخبط اليوم في ملفات إيران وأوكرانيا، لا تملك الحق الأخلاقي ولا الكفاءة السياسية لتقديم “وصفات نجاح” للسودانيين. إن تاريخ التدخلات الأمريكية هو تاريخ من “الأرض المحروقة” والأنظمة الهشة التي تنهار بمجرد رحيل آخر جندي أمريكي.

​إن الربط بين “التمويل الإقليمي” والحل السياسي يضع سيادة السودان في مزاد علني، حيث يتم رهن مستقبل الأجيال القادمة مقابل “رافعة مالية” مشروطة بتبعية سياسية كاملة. إن أي دعم لإعادة الإعمار أو للمساعدات الإنسانية يجب أن يكون بلا شروط تمس ثوابت الدولة، وإلا تحول إلى أداة لفرض واقع يخدم الممول لا تطلعات الشعب. السيادة الوطنية تعني أن السودان هو من يحدد أولوياته ويدير موارده بعقول أبنائه، لا أن يكون “متلقياً للتعليمات” من عواصم إقليمية ترى في السودان مجرد ساحة لتجارب “الوصاية الناعمة” أو عمقاً استراتيجياً يتم التلاعب به.

​إن ما يقوم به البعض من استجداء للتدخل تحت مبرر “الكارثة الإنسانية” هو قمة الانفصام عن الواقع؛ فالشعب يدرك أن المليشيا هي من تسببت في الدمار، وأن أي تدخل دولي “متساوي الأطراف” يعني مساواة الضحية بالجلاد. السودان لا يحتاج إلى “وصاية” أثبتت فشلها الذريع في دول أفريقيا التي مرت بتجارب مماثلة، بل يحتاج إلى “اصطفاف وطني” يعيد الاعتبار للسيادة. اصطفاف وطني صادق يرفض الاقصاء و الاقصاء المضاد ، حوار وطني داخلي لا يستثنى منه أحد الا من يبعده القانون الجنائي ، إننا نرفض أن يكون السودان حقل تجارب لخيالات “مسعد بولس” أو غيره، ونؤكد أن الدولة ستبقى حرة بجيشها وشعبها، بعيداً عن أوهام “الوصاية” التي لا تأتي إلا بالخراب المغلف بوعود الاستقرار الزائفة.

​ختاماً، إن المشهد المخزي لبعض السياسيين وهم يطوفون على البرلمانات الأوروبية ويحجون إلى عواصم الغرب، هو الدليل الأكبر على حالة “الإفلاس الوطني” التي تعيشها هذه القوى. فبدلاً من الالتحام بنبض الشعب السوداني في معركته من أجل البقاء، نراهم يستجدون اعترافاً دولياً أو تدخلاً أجنبياً يضعهم على كراسي الحكم فوق أشلاء الدولة ومؤسساتها. إن هؤلاء “الطوافين” في ردهات السياسة الخارجية يبحثون عن شرعية “مستوردة” لأنهم يدركون تماماً أنهم لا يملكون قواعد شعبية في الداخل ، وأن المواطن السوداني لم يعد يثق فيمن يقدم تقارير “الاعتماد” للسفارات والمنظمات الدولية بينما يئن وطنه تحت وطأة التمرد. إن الشرعية الحقيقية تُنتزع من ثقة الشعب والوقوف خلف مؤسساته الوطنية في أوقات المحن، لا عبر الخطابات الممنهجة في أروقة الاتحاد الأوروبي التي لا تهدف إلا لشرعنة “الوصاية” وتثبيت أقدام “الوكلاء” على حساب السيادة السودانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى