منى ابوزيد تكتب : طبيعة الأشياء..!

هناك فرق..
“التحولات الكبرى ما هي إلا لحظات شك كبيرة، تبدو بعدها الأشياء على حقيقتها”.. الكاتبة..!
يوم أمس أعلنت دولة الإمارات انسحابها من منظمة أوبك، وجاء الإعلان مبستراً كعادته، ومعززاً بالحديث عن الاستراتيجية الوطنية والمرونة الإنتاجية، وتقدير الشركاء والوعد بالالتزام والمسئولية .. إلخ.. وهي كما ترى كلمات تصلح لأن تُعلق على جدار شركة، لا على جدار لحظة تاريخية..!
لكن الحقيقة التي لا تُكتب عادةً بمثل هذه الأناقة تقول إن الدول – مثل الأشخاص – لا تنسحب عندما تكتشف نفسها، بل عندما تشعر أن المكان لم يعد يتسع لطموحها، أو لم يعد يحمي قلقها..!
الإمارات لم تغادر “أوبك” لأنها تريد فقط أن تنتج أكثر، بل لأنها لم تعد تحتمل أن تُدار ضمن إيقاع غيرها، وأن تقف في الصف بعد أن صارت ترى نفسها صفاً كاملاً. هو انسحاب من فكرة التنسيق إذن إلى فكرة التحكم، ومن طمأنينة الجماعة إلى قلق الفرد الذي يفضل أن يخسر وحده على أن يربح بقيود الآخرين..!
قبل أيام وفي مكان آخر من هذا العالم – يذكر فيه اسم الإمارات على نحو أكثر تعقيداً ومأساوية – حيث لا تُكتب البيانات بل تُطلق القذائف والمسيرات، انشق النور القبة عن ما تبقى من مليشيا الدعم السريع، وانضم إلى صفوف الجيش السوداني..!
وفي الخرطوم أيضاً كان هنالك خطاب منمق يتحدث عن الوطن، وعن إعادة الاصطفاف، وعن اكتشاف متأخر لمعنى الدولة. وكأن الحقيقة يمكن أن تتأخر كل هذا الوقت ثم تأتي فجوة، فتجمع ألسنة الأحوال على أن ذلك خير من أن لا تأتي أبداً..!
لكن الحقيقة في حال هذا الإنشقاق – شأنها شأن الحقيقة في ذاك الانسحاب – أقل مثاليةً وأكثر براغماتيةً. في أوقات الحروب لا تنسحب الدول من المنظمات، ولا ينشق الناس من المليشيات لأنهم قد فهموا فجأة، بل لأنهم قد شعروا فجأة. شعروا بماذا؟. شعزوا بأن الأرض تميل، وأن الوقوف في المكان نفسه لم يعد بطولة، بل مجازفة..!
النور القبة لم ينتقل من اللا دولة إلى الدولة لأنه قد أصبح فيلسوفًا، بل لأنه – مثل كثيرين – قد بدأ يطرح السؤال الأخطر الذي تطرحه الدول ويطرحه الأشخاص في الحروب “مع من يمكن أن أبقى”. وهو كما ترى ذات السؤال الذي أجابت عليه الإمارات بالتودد إلى حلفائها الغربيين الذي لا يحبون أوبك..!
وربما أيضاً – وهذه الفكرة لا تظهر في التصريحات الرسمية – قررت الإمارات الخروج من منظمة أوبك نكايةً في مركز ثقل لم تعد تقبل أن تدور حوله، أو نكاية في السعودية تحديداً. والمعنى نفسه قد لا يكون انشقاق النور القبة عن مليشيا الدعم السريع مجرد حسابات بقاء، بل نكايةً أيضاً في قيادتها، أو في لحظة شعر فيها بانعدام التقدير وبأن البقاء قد صار نوعاً من الخسارة المعنوية..!
والنكاية هنا ليست دافعاً سطحياً كما قد نظن، بل شكل بدائي من أشكال إعادة التوازن، حين يعجز الفاعل عن تغيير اللعبة من داخلها فيختار أن يكسرها من الخارج. وللمفارقة، وربما للسخرية أن الحدثين على اختلافهما يتحدثان اللغة نفسها. “لغة الانسحاب”..!
والانسحاب لا يتمظهر هنا بوصفه هروباً بل بوصفه إعادة تموضع حين يتغير ميزان الطمأنينة. هناك نفط وهنا دم، لكن فلسفة القلق واحدة
لكن القلق واحد.
لا الإمارات كانت تبحث فقط عن حرية الإنتاج، ولا النور القبة كان يبحث فقط عن الوطن. كلاهما كان يبحث – بطريقته – عن موقع أقل خطورة في عالمٍ يزداد خطورة. وهذه ليست تهمة، هذه هي فقط طبيعة الأشياء..!
munaabuzaid2@gmail.com



