أنطونيو غوتيريش .. مقعد “كبير” ومهام “صغيرة” في ملف السودان

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
واعتبارًا من الأول من شهر يناير ٢٠٢٧م سيعرف مبنى السكرتارية العامة للأمم المتحدة، المكوَّن من ٣٩ طابقًا بمدينة نيويورك “مانهاتن”، دخول أمين عام جديد خلفًا للمنتهية ولايته “البرتغالي” أنطونيو غوتيريش، والذي سيكمل دورته الثانية كأمين عام للمنظمة الدولية منذ أول دخول له لهذا المبنى كأمين عام في الأول من يناير ٢٠١٧م.
المنظمة الدولية لديها أعراف وتقاليد راسخة في إدارة عملية الاختيار لأهم منصب، تشارك فيه الآن ١٩٣ دولة، إضافة إلى مجموعة منظمات مجتمع مدني وشخصيات من كل أنحاء العالم، ووفقًا لهذا التقليد يتم الاختيار بناءً على معايير تم الاتفاق عليها.
“ملف السودان” لم يغب على الإطلاق ومنذ زمن بعيد عن الأجندة اليومية للأمين العام للأمم المتحدة، ونحن هنا بصدد “جرد الحساب” لأداء الأمين العام الحالي والمتابع لملف السودان منذ ولايته الأولى في يناير ٢٠١٧م، ومن ثم ما هو المتوقع والمأمول من المنظمة الدولية بعد دخول توقيت الولاية الجديدة لأحد المرشحين الجدد للمنصب.
وهذا التقييم بالضرورة لا ينفصل عن الملاحظات العامة على الأداء العام للمنظمة الدولية، والتي لا تعمل بشكل منفصل عن خطوط العرض والطول في حروبات العالم وتقاطعات مصالحه واختلافاتها، والتي تصنع التحديات أمام المنظمة الدولية وموظفيها ووكالاتها العاملة في المجالات المختلفة. والأمين العام الذي يجمع أوراقه الآن لتسليم عهدته لأمين عام جديد لم يكن الاستثناء بانتخابه لولايتين متتاليتين امتدتا لعشر سنوات، شهدت السنوات الأخيرة من ولايته الثانية أعنف الهزات والاختبارات لقدرة المنظمة في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.
(*) معايير تقييم الأداء لأنطونيو غوتيريش في الملف السوداني …
وهنا لن نخرج من المحددات الموجودة في الوصف الوظيفي له كأمين عام للأمم المتحدة، التي تضطلع بمهام محددة موكولة إليه كأمين عام، ويستخدم في تنفيذها الأدوات المتعارف عليها والمتاحة للأمم المتحدة، ابتداءً من الوكالات المتخصصة باهتماماتها المتعددة وانتهاءً بآليات وعصا الأمم المتحدة الغليظة في مجلس الأمن.
ولعل المعيار الأول والمهم في تقييم أنطونيو غوتيريش كأمين عام في السودان يتعلق بمسألة القدرة على منع النزاعات أو السيطرة عليها، وهي منذ توليه المنصب في بدايات العام ٢٠١٧م، أي قبل عام بالضبط من اندلاع ثورة ديسمبر ٢٠١٨م في السودان، وهي التغيير الكبير في بلد مثل السودان الذي يُعد مؤثرًا على مستوى الأمن والسلام الدوليين، وصاحب الملف المثقل بجرائم الحرب والانتهاكات في مجال حقوق الإنسان والمجاعة. وهذا المعيار يعتبر المقياس الحقيقي لأداء البرتغالي في ملف بالغ التعقيد كملف السودان.
في فترة ما قبل اندلاع حرب أبريل ٢٠٢٣م في السودان، كانت المهمة المطلوبة بشكل عاجل من مكتب الأمين العام والمنظمة الدولية هي مهمة “دعم الانتقال” في بلد غابت عنه الديمقراطية لثلاثة عقود، فكان أن قامت المنظمة الدولية بابتعاث بعثة متكاملة لدعم الانتقال في السودان “يونيتامس”.
وهنا يأتي السؤال: هل كانت الأمم المتحدة تمتلك رؤيتها المتكاملة لهذا الملف المعقد في السودان؟ وهل كانت قد أسست بعثتها وفقًا للاحتياجات الحقيقية لمرحلة الانتقال بعد ثورة قام بها الشعب السوداني وعلّق الآمال العراض عليها بأنها ستكون نقطة الأساس لاستعادة هذا البلد لمكانته بين الأمم، وأن المنظمة الدولية ستمد يدها لانتشاله وشعبه من الأوضاع التي كان فيها؟ أم أنها كانت تقوم بالواجب “الروتيني” بإدارة الأزمات بشكل مؤقت دون نتائج حقيقية على الأرض؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أن الأمين العام ومنظمته كانوا قد اكتفوا بروتين العمل الإداري واختيار مجموعة موظفين كان الواقع السوداني أكبر بكثير من قدراتهم وتصوراتهم، ووقفت المنظمة الدولية وأمينها العام موقف المتفرج، والانتقال في السودان يبدأ بمجزرة فض الاعتصام، وعثرات كتابة الوثيقة الدستورية، وغياب الرؤية الأممية في بناء مؤسسات الانتقال في السودان.
لم تُظهر البعثة المتكاملة ما يفيد بقدرتها على دعم ملف السودان على أيام مناقشات قضايا الانتقال، خاصة في ما يخص “العدالة” وبناء مؤسساتها ومساعدتها، إضافة إلى ملف “السلام” الذي أُدير على النسق القديم في جوبا، بينما لم يحقق أي نتائج يمكن البناء عليها مستقبلًا، وغابت أطراف أصيلة عن مشروع السلام الشامل في السودان، ربما لاستعجال الأطراف، بما فيها الطرف الدولي، لتقديم إنجاز ضعيف وغير مكتمل الأركان.
فشلت البعثة المتكاملة والمنظمة الدولية في دعم الانتقال في السودان وهو يتعرض لأكبر هزاته بقرارات الخامس والعشرين من أكتوبر، واكتفت المنظمة الدولية وأمينها العام ببيانات الشجب والإدانة والمطالبات الإنشائية، بل تعدى الأمر لدخولها طرفًا في الصراع السياسي السوداني، إلى الحد الذي دفع سلطة الانقلاب وقتها لإصدار قرار بطرد البعثة وإعلان عدم رغبتها في استمرارها. وكل الذي فعله مكتب الأمين العام أنطونيو غوتيريش هو الانحناء لعاصفة قرارات السلطات السودانية وحفظ ماء وجه المنظمة الدولية بقبول استقالة السيد/ فولكر بيرتس، رئيس البعثة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان “يونيتامس”، واللجوء لحيلة الضعيف بترشيح “مبعوث خاص” للأمين العام توهمًا بقدرته على إنجاز مهام عجزت عن أدائها بعثة كاملة.
اندلاع الحرب في ٢٠٢٣م كان هو السطر الأخير في فشل المنظمة الدولية في إدارة ملف السودان، والنهاية الطبيعية للعقم المصاحب لتبنيها لإطار العملية السياسية دون فهم واسع لتعقيدات المشهد السياسي السوداني.
بعد اندلاع الحرب في أبريل، كانت هناك مساحات للحركة أمام المنظمة الدولية وأمينها العام لتدارك الكارثة والاضطلاع بالواجبات، لكنه حبس قدرات وإمكانات المنظمة الدولية في حدود بيانات الشجب والإدانة والدعوات الفاترة لدبلوماسية البيانات لوقف إطلاق النار، دون أي تأثير للأدوات الفاعلة التي تمتلكها المنظمة الدولية.
معيار التقييم المهم أيضًا لأدوار المنظمة الدولية وأمينها العام أنطونيو غوتيريش هو جانب الأوضاع الإنسانية التي خلقتها الحرب في السودان؛ فعلى لسان الأمين العام نفسه تم توصيف الأحوال الإنسانية في السودان بعد الحرب بأنها الأسوأ إنسانيًا في العالم، بينما يقول الجانب الآخر من وجه الكارثة بأنها الاستجابة الأقل والأسوأ من جانب المنظمة الدولية في ما يخص المساعدات الإنسانية وفتح الممرات الآمنة لقوافل المساعدات، إذا ما قارنا ذلك بحالات مشابهة لأزمة حرب السودان في مناطق أخرى.
فشل أنطونيو في تسويق الأزمة السودانية وعرضها بالشكل الذي يحرك قدرات المجتمع الدولي لإنقاذ الشعب السوداني والضحايا المدنيين وتقديم المساعدات المرجوة.
ولا يوجد دليل على فشل الأمين العام في ملف السودان أبلغ من ضعف وكارثية اختياره لمبعوثه الخاص الجزائري “رمطان لعمامرة”، إذ لم يقنع الفاعلين في القرار الدولي بمعايير اختياره المعترض عليها ابتداءً، فاختار مبعوثًا لم يقدم للأزمة الإنسانية الأسوأ في العالم أكثر من لقاءات وزيارات علاقات عامة وتقديم إفادات لا تعبر عن الدور المطلوب من “وسيط دولي” يمثل مكتب الأمين العام، أضاع على السودان وقتًا طويلًا تفاقمت فيه الانتهاكات وزادت الحالة الإنسانية سوءًا.
لم يتعلم غوتيريش من درس فشل رمطان لعمامرة، وانتهت فترة مبعوثه الخاص دون تقديم تقرير عن المهام التي أنجزها في ملف السودان، والفشل هنا بالضرورة يُحسب على الأمين العام لأنه هو الذي اختار من هو دون القدرات المطلوبة لإدارة ملف السودان.
داخل مكاتبه في نيويورك لم يستطع أنطونيو غوتيريش أن يتعامل مع التباينات في المواقف الدولية تجاه حرب السودان، ولم يتمكن من تنسيق الجهد الدولي لتحقيق الأهداف المرسومة للمنظمة الدولية في مثل حالات السودان، ولم يقم حتى بدور “المنسق” لجملة المبادرات الإقليمية والدولية المقدمة على طاولة الحل، وبقي محصورًا بمقعده “الكبير” في أدوار “صغيرة” في السودان لا تتجاوز بيانات الترحيب والدعوات الخجولة بوقف إطلاق النار ورجاءات فتح الممرات لإدخال المساعدات الإنسانية.
والمقاربة بين أدوار المنظمة الدولية في عهد أنطونيو غوتيريش في ملف السودان وما جرى في حرب روسيا وأوكرانيا والحرب في غزة والجنوب اللبناني تكشف مفارقات كبيرة لصالح ضعف التعامل الأممي مع أزمة السودان.
ونجد أن التوصيف البليغ لحرب السودان بأنها الحرب “المنسية” هو بمثابة التوصيف الدقيق لفشل الأمم المتحدة وأمينها العام في التعامل مع أزمة سجل الأمين العام نفسه اعترافًا بأنها الأسوأ إنسانيًا من بين كل الأزمات في العصر الحالي، دون تقديم أي حلول على الأرض لأزمة تجاوزت ثلاثة سنوات من عمر ولايته الثانية المحددة بخمس سنوات.
بالتأكيد فإن الحلول في الأزمات المتفاقمة في ملف السودان لن تنتظر بعشم كبير الوافد الجديد لمكاتب المنظمة الدولية في الحي الأمريكي الراقي في “مانهاتن”، فالمعايير التي تم بها اختيار أنطونيو غوتيريش هي نفسها التي سيتم بها اختيار الأمين العام الجديد لمنظمة الأمم المتحدة، والخلل أقرب لأن يكون في المعايير نفسها وفي نظام المنظمة الدولية التي تحتاج كلها لمراجعات وانقلاب حقيقي أكثر من تغيير الوجوه والأشخاص.



