حرب “السلوپاغاندا” الإيرانية

الجزء الأول: حين تستخدم طهران الثقافة الأمريكية ضد واشنطن وتل أبيب

بقلم: صباح المكي

تجاوزت الدعاية الإيرانية حدود الخطاب الرسمي التقليدي. فلم تعد، في زمن الحرب وزمن الخوارزميات، تتحرك داخل القوالب القديمة: شعار يُرفع، أو خطبة تُلقى، أو بيان يُبث عبر التلفزيون الرسمي. لقد انتقلت إلى فضاء رقمي أكثر سيولة وسرعة، حيث لا تُصنع السردية بالتصريح السياسي وحده، بل بالميمز، والسخرية، والأصوات المولّدة بالذكاء الاصطناعي، والمقاطع القصيرة، وبكل ما تكافئه المنصات من صدمة، واختزال بصري، وقابلية فورية للتداول.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن المعركة لم تعد تدور حول وسيلة إعلامية بعينها، ولا حول شعار دعائي محدد، بل حول القدرة على تحويل الحرب إلى سردية مرنة قابلة لإعادة الصياغة والتدوير داخل فضاء رقمي شديد الحركة. هنا لا تُقدَّم الدعاية دائمًا بوصفها دعاية، بل بوصفها محتوى: مشهدًا ساخرًا، أو أغنية قصيرة، أو لقطة كرتونية، أو تعليقًا بصريًا يختصر موقفًا سياسيًا معقدًا في صورة واحدة قابلة للانتشار.

ومن هذا المنظور، لا تبدو السلوپاغاندا الإيرانية مجرد أداة لتبرير الموقف الإيراني، بل محاولة لإعادة تعريف إيران ذاتها داخل الحرب: دولة ذات سيادة تحت الحصار، والحرس الثوري الإسلامي درعها، والولايات المتحدة وإسرائيل قوتان معتديتان يمكن ردّ ادعاءاتهما الأخلاقية عليهما. فالمقصود ليس ترميم الشرعية الداخلية فحسب، بل ضرب الشرعية الأخلاقية للخصم، وتفكيك خطابه من داخله، وتحويل تناقضاته إلى مادة هجومية مضادة.

*ضبط المصطلحات*

قبل تفكيك هذا النموذج، لا بد من ضبط بعض مفرداته. “فـالميمز”، أو المحتوى الساخر المتداول، هي وحدات بصرية أو لغوية قصيرة تنتشر عبر الإنترنت، وتستمد قوتها من قابليتها للتكرار، والتعديل، والتداول السريع. أما “السلوپاغاندا”، فهي مصطلح يجمع بين ” slop”، بما يحمله في الاستخدام الرقمي الحديث من معنى المحتوى منخفض الجودة، كثيف الإنتاج، سريع الصنع، والمصمّم غالبًا لاستدراج الانتباه وتحويله إلى تفاعل سريع، و”propaganda”، أي الدعاية. ويُقصد بها هنا نمط من الدعاية الرقمية السريعة ومنخفضة الكلفة، يوظّف أدوات الإنترنت البصرية والإيقاعية، من الميمز والسخرية إلى الأصوات الاصطناعية والمقاطع القصيرة، لصناعة تأثير سياسي أو عاطفي واسع.

أما “الليغو”، فلا يُقصد به اللعبة التجارية في ذاتها، بل الأسلوب البصري القائم على شخصيات بلاستيكية مكعّبة شبيهة بألعاب الأطفال، تُستخدم لتبسيط الرسالة السياسية وإلباسها شكلًا طفوليًا أو ساخرًا، حتى حين يكون مضمونها شديد الحدة.

*السلوپاغاندا بوصفها يوميات حرب*

أهم ما يميز هذا النموذج أنه لا يتعامل مع الحرب كحدث كبير يُعلَّق عليه بعد وقوعه، بل كمسلسل يومي مفتوح، تُلتقط حلقاته من الجبهة العسكرية، ومن واشنطن، ومن تل أبيب، ومن اضطرابات السياسة الداخلية لدى الخصوم. بهذا المعنى، تصبح السلوپاغاندا الإيرانية نوعًا من اليوميات الرقمية للحرب: سريعة، انتقائية، ساخرة، ومصممة للتحرك مع الخبر قبل أن تستقر روايته الرسمية.

في هذا السجل الرقمي، لا تُروى الحرب من خلال الصواريخ والضربات وحدها، بل من خلال ما يحدث داخل السياسة الأمريكية والإسرائيلية أيضًا. إدارة ترامب، ارتباكاتها، خطابها، فضائحها، وصورتها أمام الداخل الأمريكي، كلها تتحول إلى جزء من المسرح الدعائي الإيراني. وكذلك الحال مع إسرائيل: أزماتها السياسية، انقساماتها الداخلية، صورتها الأخلاقية، وعلاقتها المتوترة بالرأي العام الغربي، تصبح مواد قابلة لإعادة التدوير في محتوى سريع ومكثف.

هنا تكمن إحدى أكثر نقاط القوة حساسية في هذه الحملة: إنها لا تحاول أن تفرض على الجمهور الغربي لغة إيرانية خالصة، بل تستخدم الثقافة الأمريكية نفسها لتمرير الرسالة الإيرانية. تبدأ من فضائح يعرفها الأمريكيون، ومن رموز يفهمها جمهور المنصات، ومن أنماط سخرية مألوفة لجيل Z، ثم تقلبها ضد المؤسسة السياسية الأمريكية والإسرائيلية. وبدل أن تقول للجمهور: صدّق إيران، تقول له: انظر إلى حكومتك، وإعلامك، وحلفائك، وتناقضاتهم.

ولم يقتصر الأمر على مجموعات رقمية شابة أو حسابات شبه مستقلة؛ فقد انخرطت بعض الحسابات الدبلوماسية الإيرانية في هذا المسار، بما فيها حسابات لسفارات وقنصليات إيرانية، لتشارك في تدوير الميمز، والسخرية السياسية، والردود القائمة على الكوميديا السوداء. وبذلك لم تعد السلوپاغاندا حكرًا على هوامش الإنترنت، بل امتدت إلى فضاء دبلوماسي رسمي أو شبه رسمي، حيث باتت لغة السفارة تقترب أحيانًا من لغة المنصة: ساخرة، حادة، سريعة، ومصممة لإحراج الخصم لا لمخاطبته بالبروتوكول التقليدي.

ولهذا السبب يبدو التصدي لها معقدًا. فالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان الرد على بيان رسمي ببيان مضاد، وعلى اتهام سياسي بتفنيد دبلوماسي، وعلى رواية إعلامية بتحقيق أو تقرير. لكنهما تواجهان صعوبة أكبر أمام محتوى سريع، ساخر، متحوّل، ينتشر قبل أن يُفحص، ويتبدل قبل أن يُدحض، ويصل إلى جمهور لا ينتظر النشرة الرسمية ولا يثق أصلًا في لغة المؤسسات.

*حين يصبح المحتوى بديلًا عن البيان*

إذا كانت الرموز والبيانات تضغط الأيديولوجيا في لغة رسمية مباشرة، فإن الميمز والمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي يحولان هذه الأيديولوجيا إلى حرب عاطفية سريعة الحركة. ومن هنا، لا تعود الرسالة السياسية محتاجة دائمًا إلى مؤسسة إعلامية كبرى أو منبر رسمي؛ يكفي أن تتحول إلى مقطع قصير، أو صوت اصطناعي، أو مشهد ساخر، أو صورة قابلة لإعادة التداول.

لقد انتقل الفاعلون المؤيدون لإيران إلى أشكال رقمية أصيلة في بيئة الإنترنت، أكثر قدرة على العبور بين المنصات: مقاطع قصيرة، وجماليات الميمز، وسخرية سياسية، وأصوات إنجليزية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وإيقاعات موسيقية سريعة تستعير لغة الترفيه الرقمي، ورسائل مشحونة بثقافة الاستقطاب ومصممة للانتشار. هذه المواد لا تدخل إلى الجمهور من باب السياسة الثقيلة، بل من باب الترفيه، والفضول، والتهكم، والإحساس بأن وراء السردية الرسمية شيئًا مخفيًا يستحق الكشف.

وتكمن خطورة هذا التحول في أن المحتوى لا يطلب من المتلقي أن يتعامل معه كدعاية. إنه يطلب منه أن يضحك، أو يشارك، أو يشك، أو يغضب. وهذا الفارق جوهري. فالانتباه الرقمي لا يُكسب عبر السلطة المؤسسية وحدها، بل عبر الألفة، والإيقاع، والصدمة، والشحنة العاطفية، والطلاقة الثقافية. وبدل أن تكتفي هذه البيئة بترجمة الخطاب الإيراني إلى الجمهور الغربي، فإنها تعيد توظيف لغة الغرب الرمزية وعاداته الإعلامية ضده، وتحول مفرداته الثقافية إلى أدوات تشويش وسخرية ونزع شرعية.

*معادلة الليغو والراب*

تكمن السمة الأكثر لفتًا في هذه الحملة في مزجها بين الجماليات الطفولية والعدوان السياسي الحاد. وتكشف مقاطع الفيديو المصممة بأسلوب الليغو عن هذا التناقض بوضوح، إذ تستخدم البراءة البصرية، والحنين الطفولي، والبساطة الشكلية، لحمل رسائل سياسية قاسية ومباشرة.

استخدمت إنتاجات مؤيدة لإيران رسومًا متحركة شبيهة بالليغو، وحبكات ساخرة، وأصواتًا إنجليزية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، لمهاجمة ترامب، وإدارته، وإسرائيل، والسرديات الغربية للحرب. وكان جيفري إبستين أحد أكثر الموضوعات المتكررة إثارة للانتباه، لا لأنه يرتبط مباشرة بالموقع العسكري لإيران في ساحة المعركة، بل لأن الحرب نفسها جرى تصويرها بوصفها محاولة لصرف الأنظار عن فضيحة ملفات إبستين داخل الحياة السياسية الأمريكية.

هنا لا تبدأ الرسالة من المظلومية الإيرانية وحدها، بل من فضائح الخصم، وتصدعاته، وهواجسه غير المحسومة. إنها تقول للجمهور الأمريكي بلغته: إن من يطالبك بتصديق روايته عن الحرب لم يحسم روايته عن نفسه. ومن هنا تأتي قوة هذا النوع من الدعاية، لأنه لا يخاطب الغرب ككتلة خارجية، بل يدخل إلى شقوقه الداخلية، ويتحدث عبرها.

ويؤدي استخدام الراب، أو الإيقاع الشبيه بالراب، الوظيفة ذاتها. فهو سريع، وقابل للتكرار، ومألوف لجمهور المنصات، ولا سيما الأجيال الأصغر سنًا. وحتى حين يكون الصوت اصطناعيًا، فإن الإيقاع يمنح الرسالة طابعًا معاصرًا، لا مؤسسيًا. فالدعائيون المؤيدون لإيران لا يقدمون خطابًا إيرانيًا مترجمًا إلى الإنجليزية فحسب، بل يستعيرون القواعد الترفيهية للخصم، ويعيدون توظيفها كسلاح لتعطيل سردياته. ومن هنا تكتسب هذه المواد قدرتها على الانتشار.

*جيل Z بوصفه جمهورًا وساحة*

لا يمكن فهم فاعلية هذه السلوپاغاندا من دون فهم جمهورها غير المباشر: “جيلZ ” وما بعده. ويُقصد بـجيل Z هنا الفئة المولودة تقريبًا بين عامي 1997 و2012، وهي جيل رقمي تشكّل وعيه داخل عالم المنصات، حيث تُستهلك السياسة والأخبار غالبًا عبر المقاطع القصيرة، والميمز، والتعليقات الساخرة، والفكاهة السوداء، أكثر مما تُستهلك عبر النشرات الرسمية أو الصحف التقليدية. أما عبارة جيل Z وما بعده، فتشير إلى جمهور رقمي أوسع تشكّل داخل منطق المنصات وسرعتها.

ولهذا السبب لا تبدو الرسالة الإيرانية هنا وكأنها آتية من جهاز دولة ثقيل، بل كأنها جزء من تيار الإنترنت نفسه. إنها تتحدث بلغة السخرية لا بلغة البروتوكول، وبلغة الفضيحة لا بلغة المذكرة الدبلوماسية، وبلغة المشهد القصير لا لغة البيان المطول. وهذا ما يمنحها قدرة على العبور إلى مساحات يصعب على الدعاية الرسمية الوصول إليها.

في هذا السياق، يصبح إخراج “الغسيل القذر” للسياسة الأمريكية والإسرائيلية جزءًا من هندسة الرسالة. فليست الغاية مهاجمة ترامب أو إدارته أو إسرائيل فحسب، بل إظهار أن الخطاب الغربي عن الأخلاق، والقانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، يقف على أرضية متصدعة. لذلك، حين تُصاغ هذه الرسالة في قالب يفهمه هذا الجمهور، تصبح أقدر على الحركة من أي بيان رسمي.

*المنطقة الرمادية خلف المحتوى*

يتحرك الفاعلون الذين يقفون خلف هذا المحتوى في منطقة رمادية ذات قيمة استراتيجية، تقع بين الاستقلال الظاهر والاصطفاف الفعلي مع الدولة.

ومن الأمثلة على ذلك “أخبار انفجاري”، التي أشارت إليها بعض التغطيات الإنجليزية باسم Explosive Media أو Explosive News Team؛ وهي مجموعة شابة، تتراوح أعمار أعضائها بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، وتقدّم نفسها بوصفها مستقلة، لكنها تنتج من داخل إيران محتوى مؤيدًا لطهران بدرجة عالية من الصقل، وبحس رقمي أقرب إلى ثقافة المنصات منه إلى لغة الإعلام الرسمي. ورغم أنها تطرح نفسها كتحدٍّ للهيمنة الإعلامية الغربية، فإن مستوى إنتاجها وبيئة عملها يوحيان، في الحد الأدنى، بوجود دعم غير مباشر، أو حماية، أو تغاضٍ من جانب الدولة.

وهذا الغموض ليس نقطة ضعف في النموذج، بل أحد مصادر قوته. فالدولة لا تحتاج دائمًا إلى أن تمسك الميكروفون بيدها، ما دام فاعلون مصطفون معها قادرين على تدوير الرسالة بسرعة وبقدر كافٍ من المعقولية والانتشار. والنتيجة هي شكل من الاصطفاف القابل للإنكار: رسائل تخدم مصالح الدولة عن قرب، لكنها تحتفظ بطاقة الإبداع المستقل، ومرونته، ونسيجه الثقافي الأقل تيبسًا من الخطاب الرسمي.

*خاتمة الجزء الأول*

وهكذا لا تبدو السلوپاغاندا الإيرانية مجرد دعاية رقمية عابرة، بل بنية اتصالية كاملة تتحرك بسرعة المنصات، وتستعير من الثقافة الأمريكية رموزها وفضائحها وحساسياتها، ثم تعيد توجيهها ضد واشنطن وتل أبيب. إنها لا تواجه الخصم من خارجه فقط، بل تدخل إلى لغته، ومزاجه، وخلافاته الداخلية، وتحوّلها إلى مادة قابلة للتداول والسخرية والتأويل.

غير أن الأثر الأعمق لهذا النموذج لا يقف عند حدود المحتوى الساخر، أو الميمز الرائجة، أو الأصوات الاصطناعية، أو الإيقاعات السريعة المصممة للانتشار. فالسؤال الأعمق هو: ماذا يحدث حين تتحول هذه الأدوات من مجرد تشويش رقمي إلى آلية لإعادة تشكيل رموز الحرب ومعانيها؟ وكيف تصبح الذاكرة، والهوية، وصورة الحرس الثوري، وحدود الرد الرسمي، والدروس المستخلصة من هذا النمط الجديد من التأثير، جزءًا من معركة أوسع على الشرعية والتأويل؟

ذلك هو ما يتناوله الجزء الثاني من سلسلة حرب «السلوپاغاندا» الإيرانية، تحت عنوان: من الميمز إلى المعنى: معركة الرموز والتأويل.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى