الاقتصاد السوداني.. أزمة التفكير و”فقر” الحلول

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

ولم يعد من الغريب أن يكون المشهد الاقتصادي هو المسيطر في كل أخبار العالم، إن لم يكن هو المحدد لكل شيء في مشهد السياسة ومشاهد الحرب والسلم في العالم. أسعار النفط، وأرقام البورصة العالمية، والذهب، وسوق السلاح، وحركة الملاحة العالمية، والدولار، وصراع الشرق والغرب الذي لا ينتهي، واقتصاد العقار والتكنولوجيا؛ لم تعد عين العالم تغفل عن هذا المشهد على الإطلاق، وتظل أنفاس الحكومات لا تهدأ بحثًا عن الحلول لمشكلات متجددة بشكل يومي، جزء منها لا يزال يصارع من أجل مطلوبات الحياة في حدودها الدنيا، وجزء آخر يبني في اقتصاديات قائمة على رفاه الشعوب.

وفي بلد كحال السودان، لا نحتاج أن نعيد على القارئ حكاية “أم ضبيبينه” الاقتصاد السوداني بغناه بالموارد و”أسطورة” أنه سلة غذاء العالم، وأنه يملك مفاتيح الحل لكل مشكلات الجوع التي تضرب العالم. ليس “المخيف” أن تكون هنالك مشكلات على مستوى الاقتصاد، وأن تظهر المشكلات كنتيجة طبيعية للحروب التي لم تتوقف بنادقها منذ الاستقلال، ولكن المخيف على الدوام هو حالة “شح” التفكير والابتكار في التعامل مع هذه المشكلات، والتي—على وضوح التعقيدات فيها—إلا أن ممتلكي القرار السياسي والاقتصادي ظلوا على الدوام ينطلقون من منصة “استسهال” طرق الحل، وعدم الاقتناع بأن الفشل الذي لازم كل الحلول يستحق في كل مرة أن يُمنح فرصة أخرى ليؤكد فشله السابق في التعامل مع المشكل الاقتصادي في السودان.

(*) قائمة المحظورات “السوداء”

تم تداول قرار حكومي صادر عن وزارة الصناعة والتجارة بشكل تفاعلي كبير، يحمل إخطارًا بمنع استيراد بعض السلع، ولولا التاريخ المكتوب بعد التوقيع الرسمي، الذي يشير إلى ١٢ أبريل ٢٠٢٦م، لقلنا بأنها ورقة “قديمة” تمت استعادتها من أرشيف القرارات الحكومية، أو بالتحديد من “سلة” مهملاتها.

يأتي القرار من ضمن حزمة قرارات ظل المسؤولون السودانيون يظنون بأنها قد “تصادف” في يوم وتنجح في كبح جماح “الدولار” الذي أعجز التفكير الحكومي، وأظهر له فقرًا في الحلول لدرجة تكرار ذات الوسائل مع أحلام بنتائج متغيرة.

“المخيف” في مشكلات الاقتصاد السوداني هو أن “قائمة” المحظورات هي فصل من فصول “ارتجال” حكومي كالذي شاهدناه أمس الأول، والسيد الدكتور كامل إدريس، رئيس وزراء “الأمل”، يصدر القرارات من على منصة “الشارع العام”، متبعًا القاعدة التسويقية القديمة في البيع “من المنتج للمستهلك”، ليتنزل قراره بالإعفاء الضريبي والزكاة ورسوم المحليات والمواصفات مباشرة وفي آنٍ إلى أذن السيد والي ولاية الخرطوم والمدير التنفيذي للولاية، ومنها لآذان مجموع المهللين والمكبرين من المواطنين، في نموذج يعتبر “طفرة” في علم الإدارة الحكومية وعبقرية غير مسبوقة يُحسد عليها السودان المختلف في كل شيء حتى في أزماته.

ولعل هذه الطريقة التي أُلقيت بها القرارات هي التي تفسر قرارًا سابقًا كان قد أصدره السيد رئيس الوزراء بإلغاء إدارة التخطيط في وزارة المالية، على الأقل لأن قرارات من فصيلة “قائمة المحظورات” وقرارات “الإعفاء” التي تصدر في لحظات انفعال الخطابات الشعبوية لا تحتاج لإدارة تخطيط، أكثر من أنها تحتاج إلى شعب “مسكين” تكفيه في مشكلاته العظيمة “الوعود” في أفواه المسؤولين وخطاباتهم التي تهزم “آدم سميث” وكل نظرياته الاقتصادية.

ما من أحد يسأل، وفي كل مرة تظهر القوائم “الملعونة” هذه، عن جدواها في معركة “كسر عظم” الاقتصاد السوداني عن طريق “مرزبة” الدولار، والسقوط المستمر للعملة المحلية في امتحان الثبات في قيمتها، وعن هل هي نتاج رؤية اقتصادية متكاملة أم هي نتاج ظرف اضطراري يصنعه شح الدولار؟ وهل هي جزء من سياسة كلية (Macro Policy) أم هي لا تتعدى كونها قرارات إدارية معزولة عن غرف التخطيط؟

قدرة القرار الحكومي على الإدهاش تتجلى في صدور القائمة المشار إليها في الثاني عشر من أبريل، وكان السيد الدكتور كامل إدريس قد كوّن “فريق عمل” برئاسة الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية بحكومته، ووزراء القطاع الاقتصادي وبنك السودان والجمارك والأمن الاقتصادي واتحاد أصحاب العمل، وحدد مهام فريق العمل المكون من المذكورين بدراسة حلول عاجلة و”مبتكرة”.

الحلول التي قدمها رئيس الوزراء “على الهواء” أمام تجار سوق السجانة اختصرت لنا توصيف الأزمة الحقيقية التي يعيشها السودان في اقتصاده، ولكم أن تتخيلوا بأن السيد رئيس الوزراء قد ذهب في زيارات مماثلة لتجار “الكرين” في بحري وتجار “الخضر والفاكهة” و”الفريشة” والتشاشة بسوق “أم دفسو” وغيرهم من الذين يعانون ذات ما يعانيه التجار الذين خاطبهم وأجابوه مهللين مكبرين حجم القرارات التي سنسمعها في كل يوم، وكل هذا نتاج طبيعي لأن القرارات ليست نتاج تفكير مؤسسي بل تفكير فردي.

يمكننا إعادة شرح وتفسير ما جاء في القائمة الحكومية لحظر السلع بأنها إعادة تعريف “قسرية” لاحتياجات المواطنين، أكثر من أنها سياسة ترشيد حكومية تهدف إلى ضبط اقتصادي يعيد لعملة البلد هيبتها المفقودة.

قوائم الحظر هي عبارة عن حلول “كلاسيكية” لأزمات متكررة ومتجددة، وكان كلما صدرت قائمة حلت مصائبها على رؤوس السودانيين بفتحها الباب على مصراعيه أمام الاقتصاد الموازي في بلد فشلت فيه أيضًا مجهودات الحلول “الأمنية” في مقابل السوق السوداء ومكافحة التهريب والفساد الإداري.

(*) تناقضات حكومية ..

وفي عز هذا الهجير الاقتصادي، وحيرة القرار الحكومي، وعجزه أمام غول الدولار، وانفلات السوق، وعجز الميزان التجاري، والتضخم الذي ظل يأكل في القيمة الشرائية للنقود، حملت الأخبار بأن اجتماعًا قد ضم السيد رئيس الوزراء بالأمين العام للصندوق القومي للإسكان والتعمير د. الهادي عبدالله أبو ضفائر. وننوه هنا إلى أن الاجتماع هذه المرة لم يكن في الهواء الطلق والشمس الحارة مثل الذي حدث في “سوق السجانة”، ولذلك جاءت فكرة مشروع “المليون وحدة سكنية” للشباب، وناقش الطرفان توفير الموارد لهذا المشروع، وهواء تكييف المكاتب الحكومية محفز لمثل هذه الأحلام.

ويبدو اضطراب القرار واضحًا ولا يحتاج لأي اجتهاد لاكتشاف مواضع الخلل فيه، وأن القرار الحكومي لا يجد تناقضًا في التفكير بين الحالة السودانية والتفكير في ما يفكر فيه الصندوق القومي للإسكان والتعمير ببناء “مليون” وحدة سكنية، طالما أن سؤال: من أين للدولة بتمويل مثل هذه المشروعات؟ غير موجود في البال الحكومي، والخزانة العامة والموازنة عاجزة في ميزانها التجاري، وتقف عاجزة عن الوفاء بالبند الأول “مرتبات”، والشباب المستهدف بالإسكان في مشروع المليون وحدة يبحث عن فرص العمل، وأن ترفع الدولة يدها أولًا عنه عندما يقرر أن يتحرر من قيود الوظيفة الحكومية ويتجه للإنتاج، وألا تطارده بسياسات الجباية والضرائب.

“المستفز” بشكل أكثر من الحالة “الهتافية” التي يقابل بها المساكين الخطاب الرسمي، الذي يخاطب مشكلات مركبة ومعقدة في الدولة السودانية بتفكير “فطير”، هو أن الحكومة لديها اعتقاد تجزم فيه بقدرة مثل هذه الحلول في تقديم معالجات للاقتصاد السوداني، وأن الحالة الاقتصادية التي يعانيها السودان بسبب الحرب تسمح برفاهية مثل مشروع المليون وحدة سكنية.

أحلام تشجيع الإنتاج الوطني المحلي تهزمها سياسات الحكومة نفسها بتضييق فرص الاستثمار، واعتماد الخزانة القومية على الضرائب والجبايات، والعجز الحكومي عن توفير مطلوبات أساسية تدفع عجلة الإنتاج كالكهرباء والمياه والنقل وخفض تكاليفه، وحماية صغار المنتجين، الشيء الذي يبعد الإنتاج المحلي من سوق المنافسة ويضاعف من العبء الاقتصادي على المواطن.

الحلول الاقتصادية تتطلب تفكيرًا عميقًا بقدر حجم المشكلات التي يواجهها السودان، يقوم به أهل المعرفة والاختصاص، ومتحررون من القيد السياسي، ولديهم إدراك بحجم الفشل في الحلول السابقة، وأن الاقتصاد يحتاج ابتداءً لسياسات وليس قرارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى