(بين الحمامتين موجة بتسرّح ضفافا)

بقلم/ د. أحمد يس

عندما تقرأُ نصاً شعرياً لشاعر عرفته وعايشته زمنا، يضعك أمام تجربةٍ دقيقةٍ بين رؤى علمية، وأخرى خفية تستدعيها معرفتك بنفس الشاعر وروحه.. ومن هنا تكتسب قراءة النص ورؤيتك له بعدا إضافيا عميقاً.. فملامح الشخصية التي عرفتها تتجلى لك من خلال النص، غير أن هذه المعرفة والمعايشة لاتكون دافعا للانطباع أو الانحياز، بل مدخلاً معتدلا حصيفا لفهم النص، وما ترمي إليه الصور التي رسمتها الكلمات.

قُدّر لي معرفة شاعرين أعدهما من أروع شعراء البلاد في هذه الفترة، أستاذنا الشاعر سعدالدين إبراهيم (رحمة الله عليه)، والصديق الدكتور أسامة تاج السر،أو أسامة (تاج الشعر) كما يحلو لزملائيه ومحبيه أن ينادوه. الشاعران كلاهما يتمتع بذكاءٍ فريدٍ، وذاكرةٍ حاضرةٍ، وروحٍ جميلةٍ، وسخريةٍ مستحبة ومقبولةٍ ليس فيها تجريجٌ أو نقصُ من الآخر،فالسخرية عندهما أعمق من كونها نزعةً هزليةً، بل هي موقفٌ جماليّ وفكريّ ينمُ عن يقظة ذهنٍ،وحدة ملاحظة،وهذه _والله_ الفِراسةُ بعينها.. والظاهر لي أن للحلفاويين حظا وافرا من سرعة البديهة والذكاء الفطري، ولهم قصص ونوادر عجيبة لم تلقَ نصيبها من ذياعة الصيت والانتشار.. فكلا الشاعرين من حلفا.. فأي مدينةٍ تلك التي جلبت لنا هذين النجمين!!على الرغم من أن سعد الدين نشأ وترعرع في أم درمان (الثورة الحارة السادسة) لكن حلفا مازالت ألقا وحبا وإنتماءً يزين ملامحه وعفويته.

الأديب الدكتور أسامة تاج السر شاعرٌ عبقريٌ فذ، له مكانةُ رفيعةٌ وسامية بين نظرائه من شعراء الفصيح في العصر الحديث،يعرف نقاد العصر وعلماؤه فضله وشاعريته، وقد أُُلفت في دواوينه أوراق علميّة كثيرة نشرت في مجلات محكّمة، لكن ماأدهشني جدا إبداعه في الشعر العاميّ الغنائيّ.. وقفت على احدى قصائده الجميلة التي وظّف فيها صورا من الطبيعة توظيفا يتعدى نقل الصورة الجمالية، ليصبح جسرا أخضر ينقل تجربة شعوريّة يُضفي عليها توازنه النفسي، وإحساسه العالي، فيصير التوظيف مرآةً لداخله الجميل.. حكى أسامة عن محبوبته في رائعته (نخلة وحمامة) قائلا:

وجاني صوتك مرتعش

أخضر ملان رقة ولطافة

قال بشوف نخلة وحمامة

وموجه بتسرّح ضفافا

وكنتِ في نص البحر زولة فنانة وقيافة

ومرة مرة النخلة تضحك

والحمامة تفلي ريشا

وفجاءة شفت الموجة طارت

وشايلة في المنقار غويشة

الحمامة بقت غمامة

وشتلة الحب في وشيشا

هذه الصورة الجمالية الفريدة ليست بعيدة عما قاله عمنا سعدالدين عندما حكى عن حبيبته بصورة مباشرة دون رمزيّة في رائعته التى غناها الأستاذ أبو عركي البخيت حين قال:

عن حبيبتي أنا بحكي ليكم، ضل ضفائرا ملتقانا

شدّوا أوتار الضلوع، أنا بحكي ليكم عن حنانا

مرة غنت عن هوانا، فرّحت كل الحزانى

مرة لاقت في المدينة، الحمامات الحزينة

قامت أدتا من حنانا

ولما طارت في الفضاء رددت أنغام رضا

كانت أول مرة في عمر المدينة، أنه نامت وما حزينة..

المتأمل الحصيف لهاتين اللوحتين، يلحظ أن توظيف الطبيعة ، وتشخيصها لم يقتصر على نقل صورة حسيّة فحسب، بل عكس حالة شعورية نبيلة ، وسلام داخلي جميل .فالحبيبة فاعلة مؤثرة غير لاهية منصرفة، تخرج بمفهوم الحب إلى رحابته المحمودة،فهي _عند سعد الدين_ تفّرح الحزانا ،وتعطي الحمامات الحزينة (برتكانة) فتصبح ملهمةً لإسعاد الحمائم التي بدورها رددت أنغام الرضا لتنام المدينة كلها بذلك سعيدة وماحزينة.وهي _عند أسامة_ من خلال صوتها أضحكت النخلة، وطارت الحمامة لتصبح غمامةّ ترسم شتلة الحب في (وشيشا)، ذلك السلام والحب الفياض جعل الموجة هادئة ساكنة وديعة تسرّح ضفافها. الشاعران جددا وأتيا بصورةٍ بديعة مبتكرةٍ،غير تلك التي راجت في الشعر قديما،حيث جعل الشعراء الحمام مبعثا للشجن والبكاء ،وهيجان لاعج الأشواق والذكرى كقول قيس:

ألا ياحمامي بطن ودّان هِجتما

عليّ الهوى لمّا تغنيتما لِيا

فأبكيتماني وسط أهلي ولم أكن

أبالي دموع العين لوكنت خاليا

وعوف الخزاعي حين قال:

وأرّقني بالريّ نوحُ حمامةٍ فنحتُ

وذو الشجو الغريبِ ينوحُ

على أنها ناحت ولم تُذرِ دمعة ً

ونحتُ وأسراب ُ الدموعِ سفوحُ

من ناحية أخرى نرى أن سعدالدين هو من تولى بنفسه الطيبّة الواضحة مهمة الحكاية عن حبيبته (عن حبيبتي أنا ح أحكي ليكم) وشوّق لذلك ملتمسا منّا أن نشدَّ أوتار الضلوع لما هو آت من جمال، بينما اكتفي أسامة برمزية صوتها المرتعش الأخضر الذي رأى الحمامة أصبحت غمامة، والموجة طارت لتحمل في منقارها غويشة عربون محبة وسلام،وربما تكون هذه الغويشة هي (البرتكانة) نفسها التي أهدتها حبيبة سعد للحمامات الحزينة لتخرجهامن ضيق الحزن إلى براح السعادة.

أما من ناحية السرد فالمشاهد عند_ سعد_ تبدو واضحة متسلسلة كأنها سردٌ قصصي بديع، لاغرو وهو من أميز كتاب القصة القصيرة، بينما يتدرج أسامة في جعل الحبيبة هي مصدر الرؤى لرسم تداعي صوري بديع ، ولوحة سريالية معبّرة يمكن لأي رسّام ماهر تجسيدها من خلال الكلمات.

رحم الله الأستاذ سعدالدين إبراهيم رحمة واسعة، وحفظ الله الدكتور المبدع أسامة تاج السر ومتعه بالصحة والعافية ليواصل إبداعه وتفرده، فما عنده أغلى وأثمن مما عرفناه وقرأناه من شعره.

////////////////

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى