المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أسرار هزيمة الغرب (4-5)

“التنين الصيني يسعى لهدم الغرب بابتلاعه عبر طرق التجارة التي تربط القارات.”

“محور الأرض ينتقل من الأطلسي إلى أوراسيا، حيث مصنع العالم .”

“إن انبعاث الشرق إنما هو صحوة اقتصادية، و زلزال ينهي عصر المركزية الأوروبية الذي استمر خمسة قرون.”

​في الحلقات الثلاث الماضية، تتبعنا مسارات الانحدار الغربي؛ بدءاً من “الأيديولوجيا الصهيونية المسيحية”، مروراً بـ “التحلل السوسيولوجي” عند إيمانويل تود، وصولاً إلى “الانهيار العسكري والاستراتيجي” في شهادة ويلكرسون واليوم، نغوص في “العمق الآسيوي”، حيث ينتصب الشرق شامخا و هو يراقب تآكل الغرب، و يعمل بهدوء المهندس الذي يشيد هيكلاً جديداً على أنقاض قديم تداعى. إننا نشهد الآن ولادة “أوراسيا” كقلب نابض للعالم، وهو التحول الذي يضع المسمار الأخير في نعش الهيمنة القطبية الواحدة.

​ينطلق الانبعاث الآسيوي من رؤية صينية-روسية مشتركة تعتمد على “الجغرافيا السياسية الصلبة” بدلاً من “الهيمنة الافتراضية”. و الحقيقة الهندسية المطلقة تقول أن قوة أي منشأة تكمن في شبكة اتصالاتها، أرى أن مشروع “الحزام والطريق” هو أعظم عملية إعادة هندسة لكوكب الأرض. فالصين لا تكتفي ببيع السلع، بل تعيد إحياء “طرق الحرير” البرية التي تربط طشقند ودوشانبي بطهران وإسطنبول وصولاً إلى قلب أوروبا، مما يجعل الأساطيل الأمريكية في المحيطات “خارج السياق الجغرافي” للتجارة العالمية الجديدة، ويحول القوة من البحار المفتوحة إلى اليابسة العميقة.

​المحور الثاني لهذا الانطلاق يتجسد في “الاستقلال التقني والصناعي”. فبينما يغرق الغرب في اقتصاد الخدمات والفقاعات المالية، أصبحت آسيا “مصنع العالم” الحقيقي ومختبره العلمي الأكبر. إن التفوق الآسيوي في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والاتصالات من الجيل السادس، تجاوز حدود المنافسة التجارية، الى سحب البساط التقني من تحت أقدام الغرب. هذا الانفصال التكنولوجي يعني أن الغرب فقد أهم أوراق ضغطه، ولم يعد قادراً على فرض “عقوبات” فعالة على دول تملك مفاتيح التصنيع وسلاسل الإمداد العالمية.

​أما في البعد الجيوسياسي، فإن العمق الآسيوي يقدم اليوم نموذجاً “للسيادة الوطنية” يتصادم مع “العولمة الغربية” التي حاولت صهر الهويات. روسيا بصلابتها العسكرية والصين بنفوذها الاقتصادي، خلقتا قطباً جاذباً لدول “الجنوب العالمي” التي سئمت من الازدواجية الغربية. هذا التكتل (بريكس وشنغهاي) لا ننظر إليها باعتبارها مجرد تحالف اقتصادي، إنما يتحتم علينا أن ننظر إليها باعتبارها “نادي الرافضين” للهيمنة، حيث تُبحث فيه بدائل للنظام المالي العالمي ولعملة الدولار، مما يهدد السلاح الأقوى الذي استخدمه الغرب لعقود للسيطرة على مقدرات الشعوب.

​ختاماً، إن أثر هذا الانطلاق الآسيوي على “هزيمة الغرب” يتجاوز مجرد الأرقام؛ إنه زلزال نفسي ينهي أسطورة “الاستثناء الغربي”. فعندما يرى العالم أن مدينة مثل “شنغهاي” أو “طشقند” تصبح مراكز للقرار العالمي والتطور العمراني، تتلاشى الهيبة التي كانت تُستمد من واشنطن ولندن. إن الغرب اليوم يواجه “مرآة شرقية” تعكس له حجم ترهله، وتثبت أن التاريخ لم ينتهِ كما زعم فوكوياما، إنما يبدأ دورة جديدة من الشرق، حيث الإنتاج، والعمل، والسيادة هي المعايير الجديدة لقيادة العالم.

​في الحلقة الخامسة والأخيرة: سنرسم خارطة الطريق لعالم ما بعد الهيمنة، وكيف يمكن للسودان ومحيطنا العربي والإسلامي التموقع في هذا النظام الدولي الجديد المليء بالفرص والمخاطر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى