القيادي بحركة العدل والمساواة د. إدريس محمود لقمة في حوار مع العودة(1-2)

(المال العام خارج ولاية المالية وهذه هي الحقيقة المخفية)

في خضم الجدل المتصاعد حول أداء وزارة المالية، وما تتعرض له حركة العدل والمساواة من انتقادات متزايدة على رأسها وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، يطرح القيادي بالحركة الدكتور إدريس محمود لقمة زاوية مغايرة للنقاش، كاشفاً عن جانب يراه غائباً عن إدراك الرأي العام، يتمثل في أن المال العام لا يخضع بالكامل لولاية الوزارة كما يُفترض، في ظل وجود مؤسسات وشركات تعمل خارج مظلتها.

وفي هذا الحوار مع صحيفة العودة، يضع لقمة هذا الواقع في قلب تقييمه للأداء الاقتصادي، معتبراً أن إدارة اقتصاد محدود الموارد، في ظل حرب مفتوحة وتعقيدات هيكلية، تفرض قراءة أكثر اتساعاً من تلك التي تختزل النقاش في شخص الوزير، أو تحوّله إلى ساحة تجاذب سياسي بعيداً عن معايير التقييم المهني.

حاورته: نشوة أحمد الطيب

. الهجوم على جبريل ليس اقتصاداً بل صراع نفوذ

. نحن كتلة سياسية وعسكرية مقاتلة

. من يهاجم وزارة المالية يحن إلى امتيازات ما قبل الحرب

. الدولة تُدار بنحو 15% فقط من مواردها

.  ما يحدث في الميدان هو الدمج الحقيقي للجيش الواحد

. حملات التضليل تدار لكسر التحالف بين القوات المسلحة والمشتركة 

. الاستقرار في السودان يُصنع تحت نيران الحرب لا بعيداً عنها

.  معركة الشائعات أخطر من صوت الرصاص

.  استهداف المالية محاولة لإعادة السيطرة على مفاصل الدولة

 

س: كيف تعرّفون موقع حركة العدل والمساواة اليوم: فاعل عسكري أم شريك سياسي أم كلاهما؟

 

حسناً، بعد أن تخلينا عن موقف الحياد وتدخلنا في المعارك العسكرية، أعدنا التوازن في العاصمة، وفي المصفى، وفي ولاية الجزيرة. وكانت هنالك اليد الطولى للقوات المشتركة، بما في ذلك حركة العدل والمساواة السودانية، وهذه تُعتبر إنجازات للشعب السوداني بأكمله، وليس إنجازاً للحركات أو المجموعات المقاتلة فحسب؛ لأن كل شبر من هذا الوطن الكبير يخصنا، ولا بد أن ندافع عنه، وهذا ما حدث بالفعل.

 

س: ما طبيعة العلاقة مع الجيش: تنسيق مرحلي أم اندماج استراتيجي؟

 

كما تعلمين جيداً عند توقيع اتفاق جوبا للسلام، كان هناك بند كبير جداً ومن أهم البنود الموجودة في الاتفاقية، ألا وهو بند الترتيبات الأمنية. يهدف هذا البند على الأقل إلى تصحيح وضع المجموعات المقاتلة التي خاضت صراعات لفترة طويلة جداً، ويكون تصحيح وضعهم إما بدمجهم في القوات المسلحة الموجودة، أو بتسريح المجموعات غير القادرة على الاستمرار، أو التي لم تعد لديها النية للاستمرار في العمل العسكري.

 

وهذه تُعرف بعملية إعادة الدمج والتسريح، وهي برنامج متبع تتدخل فيه الأمم المتحدة وجهات كثيرة جداً.وفقاً لاتفاقية الترتيبات الأمنية، فإن قوات الحركات المقاتلة الموقعة على الاتفاقية ستكون جزءاً من القوات المسلحة السودانية، وفي النهاية ستكون هنالك قيادة عسكرية واحدة. نحن ومن معنا جميعاً نسعى ونؤمن إيماناً تاماً بأنه لا بد أن يكون هناك جيش وطني واحد، تنضم إليه كل المجموعات المقاتلة وكل المجموعات التي عملت مع الأجهزة الأمنية وغيرها في أي اتجاه. فلا توجد معالجة إلا عن طريق الترتيبات الأمنية، ولذا نحن رضينا بها ووقعنا عليها بكل بنودها، وكوّنا لجاناً مشتركة بين المجموعات الموقعة على اتفاق جوبا وبين القوات المسلحة السودانية.

كانت هناك آمال كبيرة جداً بدأت منذ عام 2021؛ إذ كان يُفترض أن تبدأ هذه العملية في غضون شهور قليلة من توقيع الاتفاقية. لكنها تأخرت نتيجة لوجود تلكؤ كبير جداً، فميليشيات الدعم السريع كانت ترى من جانبها أن قوات الحركات المقاتلة تحاول الانضمام إليها، وهذا كان أمراً غريباً جداً. كذلك، كانت هناك مجموعات داخل القوات المسلحة السودانية ليس لديها حماس كبير لدمج القوات.

ولو تم دمج قوات الحركات المقاتلة حينها -والتي توجد الآن كقوة مشتركة- في القوات المسلحة في ذلك الوقت، لاعتقدتُ أن الحرب القائمة لم تكن لتكون بهذه الشراسة منذ بدايتها ومن نقطتها الأولى. ولكن نتيجة لذلك التلكؤ، كان ذلك التلكؤ من أسباب اندلاع الظاهرة.

 

عملية الترتيبات الأمنية أُخذ لها مقر ولجان موجودة من كلا الطرفين بعد عام 2021، وكانت مستمرة، وتم رفع القوائم وغيرها استعداداً لدمج القوات. لكن عندما جاءت الحرب، قطعت كل شيء وأعادت كل شيء إلى نقطة الصفر. ونحن بعد أن أنهينا الحياد ودخلنا في الحرب، لم ندخلها بصفتنا حركات مقاتلة منفصلة، بل نحن موقعون على هذا الاتفاق وموجودون وفق اتفاق جوبا باعتبارنا جزءاً من المكون العسكري في الدولة السودانية.

 

وهذا ما دعانا للمطالبة بأرقام عسكرية للمجموعات؛ أي أن يتم إعطاء هذه الأرقام العسكرية للقوات المشتركة المقاتلة قبل دمجهم. لأنه يجب على كل عسكري ومقاتل في الميدان الآن أن يمتلك رقماً عسكرياً؛ أما إذا كان الشخص مستنفراً يقاتل، فهذا أمر آخر، ويمكن أن يكون مثل قوات الاحتياط التي تذهب متى دعت الحاجة.

 

أما هؤلاء القوات، فقد جاءوا وفق اتفاق السلام لبرنامج الترتيبات الأمنية، لذا فلا مشكلة في أن يحاولوا أخذ أرقام عسكرية. لأنه إذا لم يأخذوها، فإن هؤلاء القادة والمقاتلين الذين استشهد المئات منهم الآن، سيكونون بلا وضعية رسمية تحفظ حقوق أبنائهم وحقوقهم على الدولة السودانية.

 

لذلك، فإن القيادة العسكرية وقيادات الحركات المقاتلة في القوات المشتركة جميعهم اتفقوا على أن يتم إعطاء أرقام عسكرية للقوات الموجودة، حفظاً لمكانتهم وحقوقهم. وبناءً على ذلك، فإن أغلب العسكريين والمقاتلين الموجودين الآن أخذوا أرقاماً عسكرية، والباقون أيضاً في طريقهم لأخذ أرقامهم. فالشخص الذي يقاتل ويضحي بروحه ويموت، لن يأتي أحد ليسأله لماذا أخذت الرقم، فتضحيته أهم من الرقم وأهم من أي شيء آخر، وهذا هو المسار الذي نمضي فيه.

 

وبناءً على ذلك، فنحن جزء من المؤسسة العسكرية، وعلاقتنا ليست مجرد علاقة تنسيقية، بل هي علاقة عمل مشتركة بيننا وبين القوات المسلحة. وتتجلى هذه العلاقة أولاً في حماية هذه الدولة، وثانياً في تنفيذ مخرجات اتفاق السلام، وثالثاً لحفظ أمن المواطن الذي فُرضت عليه الآن حرب داخلياً وخارجياً.

 

وهذا القتال المشترك يُعتبر الدمج الحقيقي، وهو يمثل الخطوات الحقيقية للدمج. الدمج ليس بأن تُرسل قوات لمعسكرات مثل “جبيت” وغيرها لتقول إن هذا هو الدمج، ولكن الدمج الحقيقي هو عندما يقاتل العسكري في القوة المشتركة جنباً إلى جنب مع إخوانه في القوات المسلحة، في خندق واحد وفي عملية عسكرية واحدة؛ فهذه هي نقطة انطلاق الدمج الحقيقي.

 

ولدينا برنامج استراتيجي مرحلي لعملية الترتيبات الأمنية، وما يجري الآن هو الخطوة الحقيقية الأولى لتلك الترتيبات. وبعد أن تتوقف الحرب وتضع أوزارها، سنصل إلى مرحلة إدخال هؤلاء الضباط من القوات المشتركة في دورات متخصصة في القيادة والإدارة، ليكونوا في النهاية جزءاً أصيلاً من الجيش الوطني الواحد الذي نؤمن به ونسعى إليه.

 

س: هل للحركة قرار مستقل في القضايا العسكرية والسياسية؟

 

بالطبع، نحن كتلة سياسية وعسكرية مقاتلة، ولدينا كامل الاستقلالية في قراراتنا السياسية والعسكرية، لكن تحرك القوات يتم وفق رؤية القيادة المشتركة. هذه القيادة المشتركة تديرها غرفة عسكرية تضم القوات المسلحة وممثلين من الجبهة الثورية، والجميع يتحرك ضمن منظور واحد.

 

لكن نحن كحركة العدل والمساواة لدينا برنامجنا ورؤيتنا السياسية، ونحن مقبلون مستقبلاً على عمل حزبي. والتحول إلى عمل حزبي يتطلب مشروعاً نقدمه للدولة السودانية، فإن قبل به الشعب نُفّذ، وإن لم يقبله يُرفض، وهذا هو المحك الحقيقي.

 

نحن طرحنا رؤية “الدولة الخدمية” منذ سنوات. والآن لدينا نماذج لقيادات سياسية نعتبرها ذات كفاءة ورؤية، مثل وزارة المالية ووزارة الموارد البشرية، والتي تعمل بشكل كبير داخل الدولة السودانية.

 

س: تتحدثون عن “استقرار الدولة”، كيف يستقيم هذا مع استمرار الحرب؟

 

لا يوجد استقرار كامل في العالم. الاستقرار مفهوم نسبي وفضفاض. إذا عدنا إلى ما قبل الحرب، كانت العاصمة محتلة والمدن مشلولة والناس تهاجر بكثافة، وهذا كان عدم استقرار كبير.

 

نحن نقارن بين فترتين، فحتى ما قبل الحرب لم يكن استقراراً حقيقياً، وكانت الدولة معطلة. الآن رغم الحرب، هناك عودة للمواطنين إلى مدنهم، وتستمر الحياة. وجود المواطن نفسه يعني وجود الاستقرار.

 

العاصمة كانت على وشك الانهيار لو استمرت الحرب دون عودة السكان. لكن الآن هناك حركة حياة وتعمير، وهذا هو الاستقرار النسبي الذي نقصده.

 

س: هل الاستقرار الذي تشيرون إليه مؤسسي أم هشّ وقابل للانهيار؟

 

الاستقرار في مناطق الحرب بطبيعته هش، لكننا نعمل على تحويله إلى استقرار متماسك عبر استمرار الحياة: الزراعة، العمل، الحركة الاقتصادية، ودور القوات.

 

التهديدات تأتي من الشائعات، والطابور الخامس، ومحاولات بث الإحباط لإجبار الناس على النزوح مجدداً. كما أن خطاب الكراهية والتضليل يمثل خطراً كبيراً.

 

لكن هناك أيضاً تهديدات مرتبطة بغياب البرنامج السياسي القوي، وضرورة وجود مؤسسات تشريعية ورقابية. هذه كلها عناصر تحدد قوة الاستقرار أو هشاشته.

 

س: ما أبرز التهديدات الفعلية لهذا الاستقرار اليوم؟

 

التهديدات الأساسية تتمثل في الشائعات وبث الإحباط والطابور الخامس وخطاب الكراهية بجانب الخلافات بين المكونات الداعمة للدولة والتضليل الإعلامي.

كل هذه العناصر تُستخدم لإضعاف الروح المعنوية وخلق فجوات داخل الصف الوطني.

 

س: من هي الجهات التي تقف وراء ما تصفونه بحملات التضليل؟

 

المستفيد الأساسي والمتضرر الأكبر من فشل حملات التضليل هو متمردو الدعم السريع. فكلما حدث تقارب بين القوات المسلحة والقوات المشتركة والمجموعات المساندة، تضعف قدرتهم على الاستمرار، لذلك يعملون على تفكيك هذا التحالف عبر بث الشكوك وإثارة الخلافات.

 

كما أن هناك مجموعات أخرى تشارك في هذا المسار، أبرزها مجموعات ذات نزعات جهوية وعنصرية، ومجموعات سياسية فقدت مواقعها بعد التغيير، إلى جانب مجموعات في الخارج والداخل تعمل على إعادة إنتاج خطاب الفوضى.

 

هذه الجهات جميعها تستثمر في خلق حالة عدم ثقة بين المكونات العسكرية والسياسية، لأن أي وحدة داخلية تعني خسارتها الميدانية والسياسية.

س: هل تملكون أدلة موثقة أم أن الأمر تقدير سياسي؟

 

ما يجري ليس مجرد تقدير سياسي، بل هو قراءة لمجريات الواقع على الأرض. الشواهد واضحة في تزامن الحملات الإعلامية مع أي تقدم عسكري أو تقارب سياسي بين المكونات الوطنية.

نحن لا نتحدث عن اتهامات عشوائية، بل عن أنماط متكررة: كلما حدثت خطوة إلى الأمام، تتصاعد حملات التضليل بشكل منظم. وهذا بحد ذاته مؤشر على وجود غرف إدارة وتوجيه.

 

س: لماذا يتصاعد هذا الخطاب الآن تحديداً؟

 

يتصاعد الخطاب لأن الميدان العسكري والسياسي بدأ يميل لصالح القوات الوطنية. ومع تراجع الميليشيات، تصبح الحرب الإعلامية بديلاً لتعويض الخسارة الميدانية.

 

كلما ضاقت مساحة المناورة العسكرية، اتسعت مساحة التشويش الإعلامي، بهدف إرباك الداخل وإضعاف الروح المعنوية للمجتمع والقوات.

 

س: هل أصبح الإعلام ساحة صراع بديلة بين مكونات المشهد السياسي؟

 

نعم، الإعلام اليوم جزء من معركة أوسع. فبينما تدور المواجهات في الميدان، تُدار معركة موازية في الفضاء الإعلامي.

لكن الفارق أن الإعلام الموجّه للتضليل يعتمد على الشائعة والاصطناع، بينما الإعلام المسؤول دوره كشف الحقيقة وتثبيت الوعي العام.

 

س: من تقصدون بـ“المتضررين من استقرار الدولة”؟

 

المتضررون من استقرار الدولة هم أولئك الذين يستفيدون من حالة الفوضى. في مقدمتهم الميليشيات المسلحة، وبعض المجموعات السياسية المرتبطة بها، إلى جانب مجموعات ذات نزعات جهوية أو عنصرية.

كما تشمل القائمة أطرافاً سياسية ترى أن انهيار الدولة أو ضعفها يمنحها فرصة للعودة أو إعادة التموضع.

 

س: هل هم قوى سياسية، مراكز نفوذ، أم أطراف داخل الدولة نفسها؟

 

هم خليط من كل ذلك. هناك قوى سياسية خارج السلطة، وهناك مراكز نفوذ اقتصادية، وهناك أيضاً عناصر داخل بعض المؤسسات تستفيد من غياب الاستقرار.

هذا التشابك يجعل المشهد أكثر تعقيداً، لكنه في النهاية يدور حول فكرة واحدة: تعطيل الاستقرار لمنع قيام دولة قوية.

 

س: إلى أي مدى يمكن أن يتحول هذا التوصيف إلى اتهام فضفاض؟

 

نحن لا نتعامل مع الاتهام كأداة، بل مع قراءة للواقع. لكن في كل الأحوال، يبقى معيار التمييز هو السلوك لا الانتماء.

أي جهة تعمل على نشر الفوضى أو تضليل الرأي العام أو تعطيل مؤسسات الدولة، تُقاس بأفعالها لا بهويتها، وهذا ما يجعل التوصيف مرتبطاً بالفعل لا بالشخص.

 

س: هل دفاعكم عن وزير المالية مبني على تقييم أدائه أم على انتماء سياسي؟

 

الدفاع هنا ليس عن شخص، بل عن مؤسسة الدولة. وزارة المالية ليست ملكاً لفرد، بل جزء من بنية الدولة.

نحن ننظر إلى الأداء: إدارة الموارد المحدودة، استمرار دفع المرتبات، وتحريك عجلة الاقتصاد في ظل حرب شاملة. هذه معايير تقييم، وليست اعتبارات سياسية أو قبلية.

 

س: كيف تقيّمون الأداء الاقتصادي في ظل الأزمة الحالية؟

 

الاقتصاد يعمل في ظروف بالغة الصعوبة. الدولة فقدت جزءاً كبيراً من مواردها، ومع ذلك استمرت في الحد الأدنى من الالتزامات: الرواتب، الاستيراد الضروري، وبعض الخدمات الأساسية.

هذا الأداء لا يُقاس بمعايير الاستقرار الطبيعي، بل بمعايير اقتصاد يعمل تحت الضغط والحرب.

 

س: هل ترون أن الوزير بمنأى عن النقد أو المحاسبة؟

 

لا، أبداً النقد والمحاسبة جزء أساسي من تطوير الأداء العام.

لكن النقد يجب أن يكون موضوعياً، موجهاً للأداء لا للهوية. من حق الجميع تقييم العمل الاقتصادي، ومن حق الدولة أن تُسائل أي مسؤول، لكن بعيداً عن التشويه أو الاستهداف القائم على اعتبارات غير مهنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى