المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: ​تكريم عبد العال السيد.. وشجون الغربة

سنحت لي الفرصة أن أشاهد مقتطفات من حفل تكريم الأستاذ عبد العال السيد، الذي أقامه نجوم الشرقية بمدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية أمسية الخميس ٧ مايو ٢٠٢٦م، تكريما مستحقا لرجل يحاكي النسيم رقة، و قلوب الأطفال نقاء، شدني الحدث فللرجل عندي مكانة كبيرة، استمعت لكلمته التي القاها ناعتا نفسه بحياء ” شخصي الضعيف”، فهو من الذين يستحقون لقب د عبد الله علي ابراهيم الذي اطلقه على الطيب صالح (رجل بلا مزاعم) فمثلما كان الطيب صالح دوما يقول “أنا أكتب لأبني جسرا بيني وبين بيئة أفتقدها” ويقصد هنا كرمكول عند منحنى النيل، كذلك المبدع عبد العال يرى أنه لم يقدم شيئا يستحق التكريم ، فهو غنى غربته الممتدة لما يقارب أربعة عقود ظل فيها متنقلا في مختلف المدن حتى طاب له المقام في عروس البحر “جدة” تلك المدينة المحببة لقلوب السودانيين و التي على “رؤية المملكة ٢٠٣٠ م” ستكون ان شاء الله “جوهرة الساحل و درة البحر الأحمر” . وما جعلني اتماهى مع حروف قصائده التي القاها في الحفل انها حملتني حملا و سحبتني “حتف أنفي” من مكاني الفيزيائي لأجد نفسي مسافرا عبر الزمن الى فبراير من العام ١٩٩٩م وأنا أقود سيارتي ـ “بوكس دبل كاب” في مغترَبي البعيد بشمال المملكة العربية السعودية، في مدينة “سكاكا الجوف” التي كانت تعيش مخاض تحولها العمراني الكبير.. في ذلك الزمان، كنتُ مهندساً تستنزفه التفاصيل الإنشائية لمشروع تشييد مبنى فرع وزارة المالية بالجوف مقاولتنا، وتتوزع ساعات اليوم بين مواقع العمل التي كنت أشرف عليها ومن بينها فيلا و ضيافة مزارع الأمير سلمان السديري في ضواحي المدينة الممتدة من الشمال للجنوب لمسافة تزيد عن الخمسين كيلومترا . لم يكن الطريق بالنسبة لي مجرد مسافة جغرافية أقطعها، بل كان شريطاً زمنياً يمتد أمام ناظري؛ فبمجرد أن تذهب يدي بتلقائية نحو علبة الكاسيت وتختار شريطاً لـ “سيد الغناء” مصطفى سيد أحمد، تبدأ طقوس الانفصال عن واقع الإسمنت والحديد، والارتماء في أحضان عالمٍ تضاريسه الحزن النبيل والكلمة الرصينة التي صاغها عبد العال السيد بمدادٍ من وجع المنافي وشغاف القلب.

​ابدأ مشواري في الصباح الباكر ومع أولى خيوط الشمس التي تضرب رمال الشمال السعودي، كان صوت مصطفى ينساب مرددا *”من بعد ما عز المزار”* ، لتتحول الأغنية من مجرد نص شعري إلى “زادٍ” يومي في طريقي الى العمل صباحا باكر . لقد نجح عبد العال السيد في بناء صرحٍ من “الاشتياق”؛ حيث لم يعد “المزار” في مخيلتي مجرد مكانٍ بعيد، بل أصبح رمزاً لكل الأشياء الجميلة التي تركتها خلفي في السودان.

وبقيت أعاين فى الوجوه

وأسأل عليك وسط الزحام.. قُبـّال أتوه

يمكن ألاقى البشبهك

ما الليل براح

والشوق.. تعالى بيندهك

كانت الكلمات تتقاطع مع نبض المحرك وأزيز الإطارات، و إن كان كل ميل أقطعه يقربني من موقع العمل، لكنه يبعدني في الوقت ذاته ألف ميل عن “المزار” الذي تشتهيه الروح في بلاد النيل. بساطة التعبير وعمق الدلالة عند عبد العال جعلتني أرى نفسي في تلك “الخطى المرهقة”، و أرى القصيدة بوصلة وجدانية تخبرني أن الغربة، مهما طالت واستطالت، فإن للروح وطناً موازياً يسكن في الأغنيات والذكريات.

​وعندما يميل النهار نحو الغروب، وتبدأ سكاكا في ارتداء حلتها الماطرة و الشتاء يستأذن بالرحيل و غيوم الربيع و أزهار المتفتحة تملأ الحدائق .. كانت سكاكا و كأنها الحديقة الخلفية للمملكة و ما زالت .. كانت الأجواء تفرض قانوناً وجدانياً مختلفاً تماماً؛ فالمطر الذي ينقر على سقف العربة بانتظام، والليل الذي يزحف ليغطي الفيافي الصامتة، لم يكن يجد صدىً في روحي إلا في أغنية “الدنيا ليل.. غربة ومطر”. في تلك اللحظات، تتجلى عبقرية عبد العال السيد في قدرته المذهلة على تجسيد “برودة” الغربة وتكثيف لحظات الوحدة؛ حيث يتحول المطر من ظاهرة طبيعية إلى رسائل بريدية لم تصل، ويصبح الليل رفيقاً لمن لا رفيق له. كنتُ أقود عربتي وسط صمت “الجوف” المهيب و أنا عائد من العمل حاملا رهق يوم ممتد منذ شروق الشمس و اغنيات مصطفى تغذي الروح لتعين الجسد على حمل الرهق ، ينساب الحزن النبيل من مسجلة الكاسيت ليختلط برائحة الأرض المبتلة، فيخلق حالة من السلوى التي تداوي جراح الفراق، وكأن مطر الشمال السعودي ليس سوى دموعٍ تفيض من عيون الذكريات السودانية التي لا تبرح المخيلة و الصوت يأتيني من جوف الأمنيات ..

قولى للنيل ضفة.. ضفة

و العشيات لما تصفى

والنسيمات البتاخد

من عفاف ريدتنا عفة

إنو شوقى يفيض بحر

شوقى شوق إنسان معذب

ضيعو الليل والسفر

​إن رؤية عبد العال السيد مكرماً اليوم، أعادت لي هيبة تلك اللحظات و هو يردد أن قصائده تبنى بها سيد الغناء مصطفى سيد أحمد رغم أن ذلك يمكن أن يغضب عشاق اهراماتنا الغنائية الكبرى (وردي ، ود الامين، كابلي، ابوعفان، ابراهيم عوض ) و غيرهم و لكن الحقيقة تقول أن مصطفى و من بعده محمود عبد العزيز وضعوا الأساس لحقبة جديدة في الغناء السوداني انهما ظواهر فريدة في وجداننا؛ فقد كانوا يحملون شعلة “الغناء المختلف” الذي يرفض القوالب النمطية. و كان لشاعرنا عبد العال السيد هاتين الالياذتين في غناء مصطفى ، الياذتان كانتا مظلتنا في هجير الغربة و مأوانا من برودتها و أمطارها ، و كان مصطفى هو “صوت النور” الذي أضاء تلك الأيام بنبراته الشجية. انتهى حفل التكريم على الشاشة، لكنني ما زلتُ هناك.. في كبينة الـ “البوكس”، أسمع أزيز الشريط وهو ينتهي، وأستعيد ملامح تلك الأيام التي حولت فيها الكلمةُ الغربةَ إلى وطنٍ من الشجن الجميل، سلامٌ على “عبد العال السيد” الذي جعل من آهاتنا ألحاناً خالدة، ومن “سكاكا الجوف” مسرحاً لذاكرة هندسية بروحٍ شاعرية لا تنسى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى