من تونكين إلى هرمز: حين يعيد التاريخ إنتاج ذرائع الحروب الأمريكية

البعد الخامس..
الجزء الثاني..
من قائمة ويسلي كلارك إلى إيران: خريطة التفكيك لا ترسمها المصادفة
بقلم: صباح المكي
bitalmakki@gmail.com
من صناعة الخوف إلى التصعيد الاستراتيجي
في الجزء الأول، لم تكن المقارنة بين خليج تونكين ومضيق هرمز مقارنة جغرافية، بل مقارنة منهجية. ففي فيتنام، استخدمت واشنطن حادث خليج تونكين لتحويل صراع بعيد إلى قضية طارئة في الوعي السياسي الأمريكي. غير أن الخوف الأعمق لم يكن الحادث البحري نفسه، بل الشيوعية: أي الاعتقاد بأن فيتنام قد تسقط داخل المدار السوفيتي الصيني، وأن ذلك سيضعف موقع الولايات المتحدة في نظام الحرب الباردة.
والمنطق نفسه يلقي بظلاله اليوم على المواجهة مع إيران. فهرمز ليس جوهر الصراع، بل المسرح الذي يمكن أن يُعرض عليه التصعيد ويُمنح صفة الضرورة. أما الخوف الأعمق، فيكمن في الملف النووي الإيراني. وكما كانت الشيوعية عنوان التعبئة في فيتنام، بات التهديد النووي اليوم العنوان الناظم للمواجهة مع إيران: وسيلة لتضخيم الخطر، وتحويل الاحتمال إلى يقين، وتقديم التصعيد بوصفه دفاعًا عن العالم، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش.
ليست الحجة هنا أن الخطر غير موجود، بل أن الخطر قد يُضخّم خارج حدود الأدلة، ثم يُمنح قوة الضرورة. فالملف النووي يمنح الحرب لغة الأمن، وهرمز يمنحها لغة الاقتصاد، وإسرائيل تمنحها لغة النظام الإقليمي والضرورة الاستراتيجية. ومعًا، تتشكل حول إيران بنية كاملة من الخوف، تُعيد تصويرها كتهديد شامل لا يُقابَل إلا بالقوة.
لكن السؤال الأهم يبدأ بعد بناء الذريعة: ماذا يحدث حين تكتمل هندسة الخوف؟ هل تُشن الحرب فعلًا لمواجهة تهديد محدد، أم يتحول التهديد المزعوم إلى مدخل لمشروع أكبر؟
ويسلي كلارك وخريطة التفكيك
تكتسب شهادة الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك وزنًا خاصًا في هذا السياق. فكلارك لم يكن ناقدًا من خارج المؤسسة، ولا صوتًا هامشيًا، ولا معلقًا تلفزيونيًا عابرًا. كان جنرالًا من فئة الأربع نجوم، شغل منصب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا خلال حرب كوسوفو عام 1999، ما وضعه داخل أعلى دوائر التخطيط العسكري الغربي. وبعد تقاعده، دخل السياسة وخاض سباق الترشح الرئاسي عن الحزب الديمقراطي عام 2004. ولذلك، لم تكن شهادته مجرد رأي شخصي، بل صدرت عن شخصية عسكرية وسياسية عرفت، من الداخل، كيف تفكر المؤسسة الأمريكية في الحرب والقوة وإعادة رسم الخرائط.
ولهذا لا تزال تصريحاته ذات دلالة. ففي عام 2007، ذكر كلارك أنه، بعد وقت قصير من هجمات 11 سبتمبر 2001، زار البنتاغون، حيث أخبره ضابط عسكري كبير أن الولايات المتحدة ذاهبة إلى الحرب مع العراق. وحين عاد بعد أسابيع، قال له الضابط نفسه إن الخطة توسعت إلى حملة مدتها خمس سنوات تشمل سبع دول: العراق، وسوريا، ولبنان، وليبيا، والصومال، والسودان، وأخيرًا إيران. ولا تكمن أهمية هذه الشهادة في القائمة وحدها، بل في المنطق الذي كشفته: لم تكن الحرب تُعامل بوصفها ردًا اضطراريًا على خطر، بل كمشروع مسبق ينتظر الذريعة المناسبة.
لم يعد ممكنًا التعامل مع تلك القائمة كحكاية عابرة. فكل الدول المذكورة لاحقًا مرّت، بدرجات مختلفة، عبر الغزو، أو الحرب، أو الانهيار، أو الوصاية الخارجية، أو حكم الميليشيات، أو التفكك المؤسسي، أو الهشاشة المزمنة، أو الضغط الخارجي المستمر. ولا يعني ذلك وجود سيناريو آلي واحد يفسر كل شيء، لكنه يطرح سؤالًا خطيرًا: لماذا انتهت كل دولة ورد اسمها في تلك الرؤية الاستراتيجية إلى الضعف، أو التفكك، أو الحرب، أو التقييد السياسي، أو الخضوع لضغط خارجي طويل؟
ومن هنا يجب قراءة إيران داخل هذه الخريطة الأوسع. فالمواجهة معها ليست نزاعًا معزولًا حول ملف واحد، بل جزء من تاريخ إقليمي أوسع استُهدفت فيه دول بعينها في الشرق الأوسط وأفريقيا، إما بالاحتواء، أو التفكيك، أو الاستنزاف، أو تحويلها إلى دول تابعة سياسيًا.
سبع دول لا تنهار بالمصادفة: إيران بوصفها الحلقة التي تأخر كسرها
قد تفسر المصادفة أزمة واحدة، لكنها لا تفسر نمطًا متكررًا عبر الجغرافيا نفسها، وبأنواع متشابهة من الدول، وبنتائج متقاربة. فالعراق دُمّر بعد الغزو، وليبيا فُككت بعد التدخل، وسوريا أُنهكت في حرب إقليمية ودولية مفتوحة، والصومال تُركت في هشاشة مزمنة، والسودان دُفع إلى حرب تستهدف دولته وجيشه ونسيجه الوطني، ولبنان بقي عالقًا في حالة تعليق سياسي دائم، مكشوفًا أمام توازنات الخارج. أما إيران، فتبدو اليوم الحلقة المؤجلة في هذه السلسلة؛ الدولة التي قاومت العقوبات والاحتواء والعزلة والحصار أطول مما كان متوقعًا.
القاسم المشترك ليس الفوضى وحدها، بل إضعاف الدول التي لا تنسجم مع خرائط الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية: دول تملك موقعًا استراتيجيًا، أو موارد، أو جيوشًا، أو ذاكرة سياسية، أو عمقًا مؤسسيًا، أو قابلية للتحول إلى مراكز قوة مستقلة. والهدف لا يكون دائمًا الاحتلال المباشر؛ ففي أحيان كثيرة، يكون أكثر كفاءة وأقل كلفة: جعل الدولة غير قابلة للحكم من داخلها.
فالدولة المفككة لا تحتاج إلى استعمار مباشر. إنها تصبح أسيرة حروبها الداخلية، وميليشياتها، وانقساماتها الطائفية، وعقوباتها، وحدودها المحترقة، واقتصادها المنهار. تبقى على الخريطة، لكنها تفقد جوهر الدولة: لا قرار موحد، لا مركز سيادي، لا جيش وطني قادر على الإمساك بالكل، ولا طريق واضح نحو نفوذ إقليمي مستقل.
وهذا هو جوهر التفكيك المنهجي: تحويل الدول الكبيرة، ذات الموقع والموارد والجيش والذاكرة السياسية، إلى مساحات رخوة قابلة للاختراق، أو سلطات متنازعة، أو كيانات بلا قرار سيادي موحد. فالدولة القوية تفاوض، أما الدولة المفككة فتُدار. والدولة صاحبة الجيش والمؤسسات تستطيع أن ترفض، أما الدولة الممزقة بين الميليشيات والطوائف والرعاة الأجانب والتبعية الاقتصادية، فلا تملك إلا طلب الوساطة والتمويل والحماية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو إيران مجرد دولة أخرى على الخريطة. فهي تمتلك عمقًا استراتيجيًا، وموارد، وذاكرة حضارية، ومؤسسات أمنية، وشبكات إقليمية، وقدرة على تعطيل الترتيبات التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرضها. وإذا كانت دول أخرى في القائمة قد دخلت مسارات مختلفة من الإنهاك والتفكيك، فإن إيران لم تنهَر تحت العقوبات، ولم تتراجع تحت الاحتواء، ولم تقبل بالموقع الهامشي الذي أُريد لها داخل النظام الإقليمي المفروض.
بعد ما يقارب خمسة عقود من الضغط الأمريكي، وسّعت إيران قدراتها العسكرية، وفرضت نفسها كقوة إقليمية لا يمكن إنكارها. لذلك تصبح المسألة أكبر من الملف النووي. إنها مسألة وجود دولة لا يمكن إدخالها بسهولة في نظام إقليمي قائم على الطاعة.
لهذا يتحول الملف النووي من قضية أمنية إلى أداة لتبرير حملة أوسع. فالسؤال ليس فقط ما إذا كانت إيران قد تمتلك يومًا قدرة نووية، بل ما إذا كانت قادرة على بناء ردع مستقل، وحماية قرارها السياسي، والحفاظ على شبكات إقليمية تعقّد الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية.
في هذه القراءة، لا تبدو الحرب على إيران حربًا ضد قنبلة لم تُثبت كواقع عسكري جاهز فحسب، بل حربًا ضد موقع إيران نفسه في ميزان القوة: ضد قدرتها على الردع، وحماية قرارها السياسي، والتحول إلى مركز قوة مستقل. فالمطلوب ليس نزع القنبلة وحدها، بل نزع شروط القوة التي تجعل إيران دولة عصيّة على الإخضاع.
*من الذريعة إلى المستنقع: ترامب ووهم الحرب القصيرة*
لكن أخطر ما في هذه الحروب أن من يشعلها غالبًا يظن أنه يستطيع التحكم في مسارها. تبدأ الحرب كخيار سياسي محسوب، ثم تتحول تدريجيًا إلى فخ، وتصبح اختبارًا لصانع القرار نفسه، لا مجرد وسيلة لتحقيق هدفه.
في فيتنام، دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تعتقد أن تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي كافٍ لحسم المعركة. ظنت أن القصف، والتفوق الجوي، والدعم اللوجستي، والضغط العسكري، سيكسر إرادة فيتنام الشمالية والفيت كونغ. كانت واشنطن تتعامل مع الحرب كمسألة قوة، لا كمسألة تاريخ، وأرض، وهوية، وإرادة شعبية.
لكنها اكتشفت، بعد سنوات طويلة، أن التفوق العسكري لا يساوي بالضرورة انتصارًا سياسيًا. لم تكن أمريكا ضعيفة في فيتنام؛ كانت تملك الطائرات، والقنابل، والقواعد، والجيوش، والتكنولوجيا. لكنها لم تكن تملك القدرة على إجبار فيتنام على قبول النتيجة التي تريدها واشنطن. استطاعت أن تدمّر، لكنها لم تستطع أن تُخضع. استطاعت أن تقصف، لكنها لم تستطع أن تنتصر سياسيًا.
الوهم نفسه يخيم اليوم على المواجهة مع إيران. ففي خطاب دونالد ترامب، كثيرًا ما بدت الحرب كتمرين في القوة المركزة: ضربات مكثفة، ضغط اقتصادي، تهديدات بحرية، تفوق جوي، ثم إما خضوع إيراني أو تفاوض من موقع الإذلال. الصراع المتخيل حاد وقابل للتسويق داخليًا: عرض للحسم السريع، ووهم بأن القوة تستطيع أن تحقق مكسبًا سياسيًا بلا عواقب استراتيجية.
وهنا يكتمل مأزق الحروب الإمبراطورية: تدخلها القوة الكبرى وهي تسأل كيف تحقق هدفها، ثم تجد نفسها لاحقًا تسأل كيف تخرج من دون أن تعترف بالهزيمة. في فيتنام، كان السؤال الأول: كيف نمنع الشيوعية من التمدد؟ ثم صار السؤال بعد سنوات: كيف ننسحب من دون أن نبدو مهزومين؟ وفي إيران، بدأ السؤال الأمريكي من: كيف نمنع إيران من امتلاك قوة ردع مستقلة؟ ثم أخذ يتحول تدريجيًا إلى سؤال أشد قسوة: كيف نخرج من حرب لم تحقق الحسم، من دون أن نبدو كمن فشل أمام إيران؟
لكن الحروب لا تطيع لغة الحملات الانتخابية. إيران ليست هدفًا صغيرًا ولا دولة بلا عمق؛ إنها دولة كبيرة، ذات خبرة طويلة تحت العقوبات والضغط والحصار، وقادرة على امتصاص الضربات وتحويلها إلى سردية صمود. يمكن ضرب إيران، ويمكن إلحاق الضرر بها، لكن ضرب الدولة ليس كسرًا لإرادتها.
هنا تظهر المقارنة مع فيتنام بأوضح صورها. فقد اعتقدت واشنطن أن خصمها سينهار تحت الضغط، لكنه لم يفعل. ومع إيران، قد يتكرر الخطأ نفسه إذا افترضت واشنطن أن الضربات، والعقوبات، والتهديدات قادرة على إنتاج استسلام سريع. فالخصوم الذين يعيشون الحرب كمعركة وجود لا يتصرفون كأطراف تسعى فقط إلى تقليل خسائرها؛ إنهم يحولون المعاناة إلى مقاومة، والضغط الخارجي إلى تعبئة داخلية، والصمود إلى جزء من ساحة المعركة نفسها.
لذلك، فإن السؤال الحاسم ليس كم تستطيع أمريكا أن تضرب، بل هل تستطيع أن تفرض النتيجة السياسية التي تريدها؟ والتاريخ يثبت أن الإجابة لا تكون دائمًا في صالح القوة الأكبر. قد تهدم الضربة مبنى، لكنها لا تهدم بالضرورة فكرة. وقد تعطل منشأة، لكنها لا تمحو إرادة دولة. وقد ترفع كلفة المواجهة، لكنها لا تضمن الخضوع.
وهنا تصبح فانتازيا الحرب القصيرة خطيرة. فقد تجد واشنطن نفسها أمام خصم لا ينهار وفق الجدول المتخيل، وممرات بحرية تحت الضغط، وأسواق طاقة على حافة القلق، وحلفاء مرتبكين، وداخل أمريكي منقسم، ومعركة قانونية حول صلاحيات الحرب. عندها لا تعود الحرب عرضًا للقوة، بل عبئًا. إن صعّد ترامب، غرق أعمق. وإن تراجع، بدا كمن هُزم. وإن فاوض، أقر ضمنيًا بأن إيران لم تُكسر.
ذلك هو كابوس القائد الذي يدخل الحرب معتقدًا أنها ستكون قصيرة: أن يكتشف، بعد الضربة الأولى، أن الضربة ليست استراتيجية، وأن القوة التي تبدأ الحرب لا تملك دائمًا القدرة على إنهائها بالشروط التي تريدها. هذا ما فشلت واشنطن في فهمه في فيتنام، ويبدو أنها مهيأة لتكراره مع إيران.
*الخاتمة: حين تصبح الحرب أكبر من ذريعة إشعالها*
إيران ليست فيتنام بالمعنى الحرفي. فحرب فيتنام كانت حربًا برية طويلة تشكلت داخل سياق الحرب الباردة، أما إيران فتطرح مواجهة إقليمية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الطاقة، والملاحة، والملف النووي، وإسرائيل، والخليج، والعقوبات، والأسواق العالمية، وشبكات الوكلاء. لكن التشابه لا يكمن في الشكل العسكري للحرب، بل في العقل الذي يصنعها: الاعتقاد بأن الخوف يكفي لصناعة الشرعية، وأن التفوق العسكري يكفي لصناعة النصر، وأن الخصم الأضعف في ميزان القوة التقليدي سيستسلم في النهاية.
في فيتنام، فتح الخوف من الشيوعية الباب. وفي العراق، فعل الخوف من أسلحة الدمار الشامل الشيء نفسه. أما في إيران، فيؤدي الخوف من الملف النووي، معزّزًا بقلق هرمز والطاقة والملاحة، وظيفة مشابهة: يتحول الاحتمال إلى تهديد، والتهديد إلى ذريعة، والذريعة إلى حرب تُقدّم بوصفها دفاعية لا عدوانية.
لكن التاريخ يقدم درسًا أشد قسوة: الضعف العسكري النسبي لا يعني الهزيمة السياسية. فالحرب ليست حسابًا للنيران وحدها، بل حساب للإرادة، والزمن، والشرعية، والقدرة على الاحتمال. وليست المقارنة هنا أن التاريخ يكرر نفسه حرفيًا، بل أن واشنطن تكرر أنماطها لأنها ترفض التعلم منها. فهي تصنع الخوف، وتكسوه بغطاء أخلاقي ملحّ، وتقدمه كتهديد عالمي، ثم تدخل حربًا تعتقد أنها قادرة على إدارتها، قبل أن تكتشف أن الحرب، متى بدأت، لا تبقى ملكًا كاملًا لمن أشعلها.
هنا تصبح إيران، كما كانت فيتنام ذات يوم، مرآة قاسية للغطرسة الأمريكية. ليست كل حرب تبدأها قوة عظمى تنتهي بانتصارها. وليست كل دولة تُقصف تُهزم. وليست كل ذريعة تصنع شرعية. فسبع دول لا تنهار بالمصادفة نفسها، والنمط لا يشير إلى حادث عابر، بل إلى منطق تفكيكي ممنهج: إضعاف الدولة، استنزاف مؤسساتها، تفتيت سيادتها، ودفعها إلى الارتهان للوساطة والتمويل والحماية الخارجية، حتى تفقد قدرتها على المقاومة.
فالحرب لا تبدأ دائمًا من الخطر ذاته. كثيرًا ما تبدأ من صناعة الخوف حول الخطر. وأحيانًا، تصبح الحرب التي تُشعل باسم منع الخطر هي الخطر الذي ادّعت أنها جاءت لتمنعه.



