سراج الدين مصطفى يكتب : مدني النخلي.. واقف براك والهم عصف !!

نقر الأصابع..
تفرد التجربة:
يمثل الشاعر مدني النخلي حالة خاصة فى مسيرة الأغنية السودانية لأنه لم يكن مجرد كاتب يبحث عن القافية أو العبارات السهلة بل كان صاحب مشروع شعري مختلف استطاع من خلاله إدخال مفردات جديدة وصور مبتكرة جعلت النص الغنائي ينتقل من البساطة التقليدية إلى فضاءات أكثر عمقا وتأملا ويكفى التأمل فى نص واقف براك حتى نكتشف حجم العبقرية الكامنة فى تجربة هذا الشاعر المتفرد.
دهشة الصورة:
منذ المطلع يضعنا مدني النخلي أمام صورة شعرية مدهشة حين يقول واقف براك والهم عصف ريحا كسح زهرة صباك فهنا لا يتحدث عن الحزن بطريقة مباشرة بل يحوله إلى ريح عاتية تقتلع زهرة الصبا وهذه القدرة على تحويل المشاعر إلى مشاهد بصرية متحركة تكشف عن شاعر يمتلك خيالا مختلفا وحسا دراميا عاليا كما أن استخدامه لمفردة شرفة وجع وقمرا رحل فارق سماك.
مناخ الحزن:
عبقرية مدني النخلي تظهر أيضا فى طريقته الخاصة فى صناعة الحزن فهو لا يقدم البكاء بشكل مباشر وإنما يصنع مناخا كاملا للحزن عبر الأرصفة والمصابيح والمطر والليل والمشاوير الطويلة وهنا يتحول النص إلى لوحة سينمائية متكاملة التفاصيل وهذا ما جعل تجربة مصطفى سيد أحمد مع نصوصه تبدو مختلفة لأن مصطفى وجد أمامه نصوصا تملك كثافة شعرية وفكرية قادرة على إنتاج حالة غنائية جديدة ومغايرة.
لغة التكثيف:
ويلاحظ أن مدني النخلي أدخل إلى الأغنية السودانية لغة تعتمد على التكثيف والإيحاء أكثر من الحكى المباشر فهو يقول والباقي من كل الغنا سيل الكتابة الما نضب وهى جملة تحمل أبعادا فلسفية وإنسانية عميقة إذ يجعل الغناء نفسه نهرا لا يتوقف من الكتابة والوجع والحنين كما أن عبارة عطر الصبابة الما انسكب تعكس قدرة مذهلة على ابتكار صور شعرية رقيقة وغير مسبوقة فى الوجدان الغنائي السوداني.
سر التفرد:
إن سر تفرد مدني النخلي يكمن فى أنه لم يكتب الأغنية باعتبارها كلاما يردد فقط بل تعامل معها كنص شعري كامل الدهشة لذلك استطاع أن يفتح بابا جديدا فى الكتابة الغنائية السودانية وأن يمنح الأغنية مفردات وأفكارا أكثر عمقا وحداثة وجمالا وهو ما جعله واحدا من أهم المجددين فى تاريخ الشعر الغنائي السوداني.



