مصلحة الأراضي: سنواجه والي الخرطوم بالقانون
بعد رفض مدراء الإدارات للقرار.. تصعيد غير مسبوق داخل مصلحة أراضي الخرطوم

(اجتماع ساخن بالأراضي: القرار لن يُنفذ وسنواجهه قانونياً)
. مصدر إداري رفيع بمصلحة الأراضي لـ“العودة”
. «الكشف ده ما حيتنفذ.. وحيناهضوه لأعلى مستوى قانوني»
. «ما يجري محاولة لتذويب مصلحة الأراضي»
. «الولاية على الأرض من سلطات مصلحة الأراضي»
. «أي زول عنده كاريزما وقوة قرار ودوه حتة ما فيها قرار»
. «الكشف ده فيه تشفّي وقصد لتحطيم الأراضي»
. “العاملون بالأراضي طالبوا مراراً بفصل الميزانية والتسيير بصورة مستقلة”
. «الفساد الحقيقي بيجي من التدخلات السلطوية ما من الموظفين »
. «الوزراء بيجوا مليانين ضد الأراضي.. وبعدها يكتشفوا الحقيقة»
. “موظف الأراضي ما بعمل حاجة برا اللوائح”
. موظف بالمصلحة: “والي الخرطوم طلب حصر الأراضي الفارغة”
العودة: نشوة أحمد الطيب
دخلت أزمة مصلحة الأراضي بولاية الخرطوم مرحلة جديدة من التصعيد، عقب اجتماع موسع ضم مدراء الإدارات بالمصلحة برئاسة المدير العام، انتهى إلى رفض كشف التنقلات الأخير الصادر من وزارة التخطيط العمراني، والتوافق على مناهضة القرار رسمياً عبر مخاطبة والي الخرطوم والوزيرة المكلفة، في خطوة تعكس اتساع الأزمة داخل واحدة من أكثر المؤسسات الحكومية حساسية بالولاية.
ويأتي هذا التطور بعد ساعات من نشر “العودة” تفاصيل الصراع المتصاعد داخل مصلحة الأراضي، على خلفية كشف نقل شمل 44 موظفاً وعاملاً، وهي القضية التي أعادت إلى الواجهة ملف الصلاحيات والتداخل الإداري بين الوزارة والمصلحة، وسط حديث متصاعد عن محاولة لتقليص استقلالية الأراضي.

إجماع على الرفض
كشف مصدر إداري رفيع بمصلحة الأراضي لـ“العودة” أن اجتماع الخميس ١٤ مايو خرج بإجماع واضح على رفض الكشف وعدم تنفيذه، مع الاتجاه للتصعيد القانوني والإداري ضد القرار.
وقال المصدر إن المجتمعين اعتبروا أن القضية “ليست قضية تنقلات عادية”، وإنما معركة تتعلق بمستقبل مصلحة الأراضي نفسها، مضيفاً أن العاملين بالمصلحة يرون أن ما يجري يمثل محاولة لتذويب المؤسسة وتحويلها إلى إدارة تتبع مباشرة للوزارة.
وأوضح أن النقاش داخل الاجتماع تناول كذلك “كل التدخلات السابقة” التي حدثت داخل الأراضي، بما في ذلك التعيينات واللجان والقرارات التي اعتبرها العاملون تجاوزاً لصلاحيات مدير عام المصلحة.
خلفية تاريخية
وقال المصدر إن الصراع بين الوزارة ومصلحة الأراضي “قديم ومتجدد”، موضحاً أن مصلحة الأراضي كانت في الأصل جهة مستقلة بالكامل قبل تطبيق نظام الحكم اللامركزي.
وأضاف أن القوانين اللاحقة، خاصة بعد عام 1994، أبقت على صلاحيات مدير عام الأراضي بصورة واسعة، بحيث أصبحت “الولاية على الأرض” بيد مصلحة الأراضي، بينما اقتصر دور الوزير بحسب وصفه على التنسيق والسياسات العامة والإشراف العام.
وأكد أن مدير عام الأراضي يتبع مباشرة لوالي الولاية، وليس للوزير أو مدير عام الوزارة، موضحاً أن الوزير لا يملك سلطة تعيينه أو إعفائه.
وأشار إلى أن قانون التخطيط العمراني منح سلطات واسعة لمدير عام الأراضي، معتبراً أن “الممارسة الفعلية للقانون” ظلت دائماً داخل مصلحة الأراضي وليس الوزارة.
من يملك الأرض؟
وأوضح المصدر أن كثيراً من الإدارات الفنية داخل الوزارة، مثل المساحة والتخطيط، تنظر إلى مصلحة الأراضي باعتبارها الجهة التي تمتلك “السلطة النهائية” على الأرض رغم أن العمل الفني والتنفيذي يتم عبر إدارات أخرى.
وقال إن إدارات التخطيط والمساحة تقوم بالأعمال الفنية المتعلقة بالتخطيط والرفع المساحي وتنفيذ المخططات، “لكن الولاية القانونية على الأرض تظل لمصلحة الأراضي”.
وأضاف أن حتى المحليات لا تستطيع إصدار عقود تمليك نهائية دون الرجوع لمصلحة الأراضي، ولذلك تلجأ غالباً إلى عقود إيجار مؤقتة.
وأشار إلى أن مصلحة الأراضي تمتلك سلطة قانونية واسعة تصل بحسب وصفه إلى إمكانية مطالبة الجهات الخدمية بإيجارات مقابل استخدام الأعمدة والمساحات داخل الشوارع.
احتواء الوزراء
واتهم المصدر بعض دوائر الوزارة بمحاولة تقليص صلاحيات مصلحة الأراضي عبر “التسلط الإداري”، قائلاً إن عدداً من الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة كانوا يصلون بمواقف سلبية تجاه الأراضي بعد التأثير عليهم من داخل الوزارة.
وأضاف:“أي وزير بيجي، خصوصاً لو كان مهندس، الناس بيلفوا حوله بسرعة وبيملوه ضد الأراضي، ويقولوا ليه الأراضي فيها فساد وفيها مشاكل، فيدخل وهو أصلاً شايل موقف ضد ناس الأراضي”.
لكنه قال إن الوزراء بحسب تجارب سابقة كانوا يكتشفون لاحقاً أن العاملين بالأراضي “الأكثر انضباطاً”، بسبب ارتباطهم المباشر بالقوانين والمنشورات واللوائح.
وأشار إلى أن مصلحة الأراضي تعمل وفق قوانين متعددة، بينها قانون الأراضي، وقانون النزع، وقانون التخطيط العمراني، مضيفاً أن أي إجراء داخل الأراضي “لا يتم بالمزاج وإنما وفق لوائح ومنشورات واضحة”.
سوابق قديمة
واستعاد المصدر تجربة الفريق حسن صالح، قائلاً إنه دخل في صدام مشابه مع مصلحة الأراضي ووصل الأمر إلى إعداد كشف تنقلات، لكنه لم يصدره بنفسه لأنه كان يعلم بحسب المصدر أن ذلك ليس من صلاحياته.
وأضاف أن مدير عام الأراضي وقتها أصدر القرار “بناءً على توجيه الوزير”، ثم تقدم باستقالته لاحقاً، قبل احتواء الأزمة.
وأشار كذلك إلى تجربة الوزير الراحل عبد الوهاب، قائلاً إنه جاء في البداية بموقف سلبي تجاه الأراضي، لكنه غادر الوزارة لاحقاً مقتنعاً بأن “أكثر الناس انضباطاً هم ناس الأراضي”.
الوزيرة المكلفة
وقال المصدر إن الأزمة الحالية تختلف لأن الوزيرة المكلفة جاءت من داخل الوزارة نفسها، وكانت تشغل منصب مدير عام الوزارة قبل تكليفها بالحقيبة الوزارية.
وأضاف أن قربها من دوائر الصراع داخل الوزارة جعلها بحسب تعبيره “تتبنى رواية الوزارة بالكامل” ضد مصلحة الأراضي.
وأشار إلى أن العاملين بالمصلحة كانوا طوال الفترة الماضية يحاولون تجنب الصدام بسبب ظروف الحرب والظروف العامة بالبلاد، لكن الوزارة وفق قوله “استغلت هذا الهدوء للمضي أبعد في التدخلات”.
تغول مالي
وكشف المصدر عن خلافات ممتدة تتعلق بالتسيير المالي، قائلاً إن مخصصات مصلحة الأراضي كانت تصل ضمن مخصصات الوزارة في “شيك واحد”، قبل أن يتم اقتطاع أجزاء منها لصالح الوزارة.
وأضاف أن العاملين بالأراضي طالبوا مراراً بفصل الميزانية والتسيير بصورة مستقلة، باعتبار أن للمصلحة وضعاً مالياً منفصلاً.
وقال إن الصراع بدأ مالياً، ثم تحول لاحقاً إلى صراع على التعيينات والنقل والتصرفات الإدارية.
لجان موازية
وأشار المصدر إلى أن الأزمة تصاعدت بعد تعيين مديرين داخل إدارات تتبع للأراضي دون الرجوع للمصلحة، إضافة إلى تشكيل لجنة مزادات بواسطة الوزارة رغم وجود لجنة قائمة بالفعل شكلها مدير عام الأراضي.
وأوضح أن لجنة المزادات تُعد من أهم اللجان داخل مصلحة الأراضي، لأن الأصل في منح الأراضي بحسب القانون يتم عبر المزاد العلني، بينما تُعتبر الخطط الإسكانية والاستثناءات الأخرى مجرد استثناءات قانونية.
وقال إن ما جرى خلق حالة من “التداخل والفوضى الإدارية”، مضيفاً أن بعض العاملين باتوا يصفون ما يحدث داخل المؤسسة بأنه “صراع أطفال” بسبب القرارات والقرارات المضادة.
كشف للتشفي
وذهب المصدر إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن كشف التنقلات الأخير حمل “روح تشفٍ واستهداف”.
وقال إن عدداً من القيادات المؤثرة داخل الأراضي جرى نقلهم إلى مواقع وصفها بـ“الهامشية”، بينما تم الدفع بأشخاص ليست لديهم الخبرة الكافية إلى مواقع حساسة.
وأشار بصورة خاصة إلى نقل مدير الشؤون المالية والإدارية، الذي وصفه بأنه الرجل الثاني فعلياً داخل المصلحة، إلى وظيفة “مدير تنمية ريفية”.
وأضاف أن هذا المسؤول يُعد وفق الهيكل الإداري الأقرب لتولي مهام المدير العام حال غيابه، كما يُنظر إليه باعتباره المرشح الأبرز لخلافته بعد اقتراب المدير الحالي من المعاش.
وقال:“لما تجيب زول بالموقع ده وتنقله بعيد من مركز اتخاذ القرار، معناتها عندك قصد تكسر الزول وتحطم المؤسسة”.
إبعاد الكفاءات
وتحدث المصدر عن حالات أخرى، بينها مسؤولون أشرفوا على إعادة تشغيل مكاتب مدمرة بسبب الحرب، خاصة في شرق النيل، قبل أن يتم نقلهم إلى مواقع وصفها بأنها “غير مؤثرة”.
وأشار إلى أن بعض الموظفين الذين تم الدفع بهم إلى مواقع قيادية جديدة “لا يمتلكون خبرة كافية” في الملفات المعقدة التي تتعامل معها مصلحة الأراضي.
وتوقف عند ملف الخطة الإسكانية، قائلاً إن بعض المسؤولين الذين كانوا يديرون ملفات “الحقوق التاريخية” وتنظيم الأراضي حول الخرطوم جرى إبعادهم رغم امتلاكهم خبرات طويلة في هذا المجال.
فتوى ملزمة
وأكد المصدر أن العاملين بالمصلحة يستندون إلى فتوى قانونية صادرة عام 2000 من وزارة العدل، اعتبرت بحسب قوله أن مصلحة الأراضي مستقلة مالياً وإدارياً، وأن هذه الفتوى “لا يراجعها إلا رئيس الجمهورية”.
وأضاف أن العاملين يعتبرون أي تدخل في صلاحيات المصلحة مخالفة مباشرة للقانون.
صدام مع الولاية
وقال المصدر إن الأزمة الحالية دفعت العاملين للدخول في “صدام مباشر” مع الوزارة وربما مع الولاية نفسها.
واتهم والي الخرطوم بالتسبب سابقاً في تعطيل العمل داخل الأراضي لفترة طويلة، بذريعة وجود تجاوزات وتزوير.
وأضاف أن قرار إيقاف العمل ألحق أضراراً واسعة بالمواطنين، خاصة في ملفات التسويات والتعويضات والتحسينات المرتبطة بالأراضي الزراعية والسكنية.
عودة قضية سلمى
وأعاد المصدر التذكير بالأزمة التي أطاحت بعضو مجلس السيادة السابقة الدكتورة سلمى عبد الجبار، قائلاً إن جذور تلك الأزمة تعود أيضاً إلى قرارات إيقاف العمل داخل مصلحة الأراضي.
وقال إن مدير أراضي الخرطوم وقتها أبلغ عضو مجلس السيادة بأن العمل متوقف بقرار من الوالي، قبل أن تتطور الأحداث لاحقاً بصورة حادة.
واتهم المصدر جهات داخل الولاية بالتعامل بصورة “مهينة” مع مدير الأراضي وقتها، مضيفاً أن الوزيرة المكلفة شكّلت لاحقاً لجنة تحقيق بحقه قبل التراجع عنها بعد تصاعد القضية للرأي العام.
منبع الفساد
وفي رد على الاتهامات المتكررة بوجود فساد داخل الأراضي، قال المصدر إن “الفساد الحقيقي يأتي من التدخلات السلطوية وليس من موظفي الأراضي”.
وأضاف أن معظم التجاوزات التي ارتبطت تاريخياً بملف الأراضي جاءت بحسب وصفه نتيجة تدخلات من مكاتب ولاة ومسؤولين نافذين سعوا لاستخدام الأراضي في صناعة الولاءات والمكاسب السياسية.
وقال: “موظف الأراضي ما بعمل حاجة برا اللوائح، لكن المشكلة في التوجيهات الفوقية والتدخلات السياسية”.
مزاعم تدخلات
وكشف موظف آخر داخل مصلحة الأراضي لـ“العودة” عن ما وصفه بملفات شديدة الحساسية ارتبطت بسياق التوتر القائم بين الولاية والمصلحة مشيراً إلى أن جذور الأزمة الحالية لا تنفصل عن تطورات سابقة داخل المؤسسة.
وأضاف المصدر أن من بين الوقائع التي ارتبطت بتلك الفترة ما جرى بشأن معاملات تخص أراضي خاصة، حيث واجهت إجراءاتها حالة من التعطيل الإداري، وهو ما ساهم بحسب قوله في تعقيد المشهد داخل المؤسسة، وفتح الباب أمام أزمة لاحقة ارتبطت بملف عضو مجلس السيادة السابقة الدكتورة سلمى عبد الجبار.
أراضٍ فارغة
وفي سياق متصل، قال المصدر إن من بين ما أثار جدلاً داخلياً ما وصفه بطلب صادر من الوالي بحصر الأراضي الفارغة داخل ولاية الخرطوم، موضحاً أن هذا التوجيه شمل تجميع بيانات عن المساحات غير المستغلة في مواقع مختلفة بالولاية.
وأضاف أن هذا الطلب قوبل داخل بعض الإدارات بتساؤلات حول طبيعة الجهة المختصة بإدارة هذا الملف، وما إذا كان يدخل ضمن الصلاحيات الفنية لمصلحة الأراضي أو في إطار تنسيق أوسع مع مستوى الولاية.
تصنيف الأراضي
وأوضح المصدر أن ملف الأراضي داخل ولاية الخرطوم ليس كتلة واحدة، بل يتوزع إلى أنواع متعددة تشمل أراضي استثمارية، وأراضي سكنية، وأراضي خدمات، إلى جانب مساحات فضاء وأراضٍ غير مطورة، مشيراً إلى أن لكل نوع من هذه الأنواع آليات مختلفة في الإدارة والتخصيص والتخطيط.
وقال إن هذا التنوع في طبيعة الأراضي يجعل مسألة الحصر والتصنيف عملية معقدة فنياً وإدارياً، وتتطلب بحسب تعبيره تنسيقاً دقيقاً بين الجهات الفنية المختصة، حتى لا يحدث تضارب في الاختصاصات أو في إدارة البيانات المرتبطة بالأرض.
تباين داخلي
وأشار المصدر إلى أن المؤسسة تشهد تبايناً في وجهات النظر حول طبيعة العلاقة بين مصلحة الأراضي والولاية والوزارة، وما إذا كانت بعض الإجراءات الأخيرة تمثل ممارسة طبيعية للصلاحيات الإدارية أم توسعاً في التدخل في اختصاصات المصلحة.
وأضاف أن هذا التباين انعكس على مستوى الإدارات الداخلية، وأسهم في تصاعد حدة النقاش حول مستقبل إدارة ملف الأراضي في الخرطوم، في ظل تصاعد الخلافات حول حدود السلطة الإدارية.





