بروفيسور مأمون حميدة يكتب: مبروك للاشقاء بمصر

أرتبط مرض البلهارسيا بمصر منذ الأزل ؛ فهي أرض الزراعة والخير وماء النيل الوفير .
دودة البلهارسيا جزء من تاريخ مصر . كانت وجوداً في مصر قبل الفي عام قبل الميلاد وظلت حاضره الى هذا العهد . لقد توثق اصابة الفراعنة وهم ملوك بمرض البلهارسيا وظهرت في التحليل من عينات اُخذت من الكلى مومياء الفراعنه نشاهد بويضات البلهارسيا المتحجره فيها وايضاً ظهرت حوائط المثانة بالتصوير الإشعاعي (x-ray) متحجره مما يدل على أن البلهارسيا البوليه (haematobium) كانت منتشره حتى يصاب بها الملوك.
وعند فتح مصر على يد الصحابي عمرو بن العاص كتب للخليفة الراشد عمر بن الخطاب يصف البلاد وأهلها – وجاء في خطابه عندما وصف المصريين أن رجالهم (يحيضون) اشاره الى الدم الذي يخرج مع البول في مرض البلهارسيا وهو تأكيد لما عرف زمن الفراعنه أن البلهارسيا هي من النوع الذي يصيب مثانة البول والى الآن في بعض مناطق افريقيا يعتقد الأهالي أن أبنهم قد بلغ مرحلة الرجوله عندما يخرج الدم مع بوله . وكلمة بلهارسيا BILHARZIA من إسم العالم الألماني (Theodor Bilarz) الذي كان يعمل في مصر في مستشفى قصر العيني ومكتشف دودة البلهارسيا البولية – وقد سمى معهد أبحاث في القاهرة بإسمه و به علماء اجلاء – معهد ثيودور بلهارز للأبحاث .
وفي التاريخ الفرنسي ثبت أن جنود نابليون بونابرت الذين حاربوا في مصر قد اُصيبوا بمرض البلهارسيا البوليه .
ليس غريباً أن تنتشر دودة البلهارسيا في مصر القنوات والحقول وقد عرف الفلاح المصري فنون الزراعة منذ الأزل .
البلهارسيا مرض يصيب المسالك البوليه والأجهزه التناسليه ونوع آخر يصيب الجهار الهضمي والكبد (mansoni) ومن عاش في الجزيرة بالسودان حيث تكثر الاصابة بدودة الجهاز الهضمي يعرف كيف يتحول المنزل الى دار عزاء عندما يكشف الطبيب أن الأب او الأبن قد أصيب بداء الطوحال لأن هذا معظمه يقود الى التقئ الدم – ونزيف الامعاء- وهو مرض قاتل .
وفي عام 1915 ميلادية اكتشف عالم آخر، أيضاً في مصر في محافظة القيلوبيه شمال القاهرة النوع الثاني الامعائي من البلهارسيا (mansoni).
وبرع الاطباء المصريين في علاج مضاعفات البلهارسيا البوليه سرطان المثانة ورأيت الاطباء البريطانيين يحّولون مرضى الى مصر للعلاج الجراحي لهذا السرطان.
تفرد السودان بإكتشاف اول عقار للبلهارسيا عام 1918 والذي حوّل المرض في مصر الى مرض يمكن علاجه وساعد السودان على انتداب علماء برطانيين وامريكان ليقودوا مكافحة البلهارسيا في مصر والتي أنتهت بالقضاء على المرض في مصر .
الطبيب البرطاني كريستفرسون وكان يعمل في مستشفى الخرطوم (مجلس التخصصات الآن) اثبت في تجارب علمية دقيقة أن عقار الأنتمون Antimonyتحديداً Tartarc emeticعن طريق الحقن الوريدي يمّكن من القضاء على البلهارسيا وكان علاجاً ثورياً ونشر كريستفرسون الورقة العلمية في اكبر مجلات علمية بريطانيه .
اعتمد المصريون على هذا العلاج والذي ظل سائداً لحقبة طويلة. وقد مات عظماء ومبدعين في مصر على أثر مضاعفات البلهارسيا وأشهرهم العندليب الاسمر عبد الحليم حافظ والذي توفي في عمر مبكر 47 عاماً في بريطانيا نتيجة تليف البلهارسيا الكبدي – رائعة نزار قباني والحان محمد الموجي خير ما صدح به ( رسالة من تحت الماء)
لوكنت أعرف أن البحر عميقٌ جداً ما أبحرت
لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت
توفي عبد الحليم حافظ عام 1977 في مستشفى كنكز كولج Kings college :hospital تحت اشراف أخصائي الكبد المشهور روجرز ويليم والذي تدرب معه الاخ برفسورعبد القادر الكدرو ونال درجة الدكتوراه في الكبد من جامعة لندن .
ومن المشاهير الذين اُصيبوا بالبلهارسيا أبن ميت ابوالكوم (محافظة المنوفيه) الرئيس السادات وطه حسين .
بعد مصالحة كامب ديفيد – مع اسرائيل دعمت أمريكا الصحة في مصر حتى يشعر كل مصري بفائدة السلام وكانت للبلهارسيا النصيب الاوفر – وبدأ مشروع ضخم للمكافحة وكان من المستشارين الأمريكان لهذا المشروع صديقي James l. Bennet والذي اختار فريق العمل لمكافحة البلهارسيا الذي نفذ مشروع النيل الأزرق الصحي بالسودان ومنهم البريطاني الآن فينيك Alan Fenick والذي قاد المشروع الأمريكي في مصر ومع الدعم الكبير ومقدرة الرجل المصري تنعم مصر ببلاد أختفى فيها أقدم مرض في التاريخ.
وقد قُدمت لي دعوة ضمن خبراء آخرين من هيئة الصحة العالمية لتأكيد استئصال البلهارسيا من مصر – ومراجعة دوسيهات الاستئصال التي حضرتها وزارة الصحة بمصر – مبروك للاشقاء بمصر.



