المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: أوهام ترامب الصبيانية

* “الولايات المتحدة الشرق أوسطية”: مناورة ترامب الاسفيرية للهروب من فخ طهران.
* هل تعكس تغريدة ترامب استعراضاً للقوة أم محاولة للتغطية على تراجع استراتيجي؟
* كيف تحولت السيطرة على مضيق هرمز إلى أداة إيرانية لفرض شروط “المنتصر” في المفاوضات؟
يمر المشهد السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران بواحدة من أكثر مراحلها تعقيداً وضبابية، حيث تتداخل لغة التهديد العسكري العنيف مع كواليس المفاوضات العسيرة. في قلب هذا التناقض، تأتي التغريدة السريالية الغريبة للرئيس دونالد ترامب عبر منصته Truth Social، والتي نشر فيها خريطة للشرق الأوسط مصممة بالذكاء الاصطناعي يغطي فيها العلم الأمريكي خارطة إيران بالكامل والدول المحيطة بها، واضعاً عبارة مقتضبة تسخر من الجغرافيا والسياسة: “الولايات المتحدة الشرق أوسطية؟”. هذه الصورة الصادمة، التي تبدو للوهلة الأولى كإعلان هيمنة إمبراطوري مطلق، لا يمكن قراءتها بمعزل عن الواقع الميداني المأزوم؛ فهي تمثل حماقة صبيانية ومحاولة غير ناضجة لشن “حرب نفسية بروباغاندية” بهدف خلق صورة ذهنية من الانتصار الساحق أمام ناخبيه، بينما تشير المعطيات على الأرض إلى أن واشنطن تبحث بجدية عن “مخرج آمن” يحفظ ماء وجهها بعد ثلاثة أشهر من الصراع غير الحاسم ضمن عملية “Epic Fury”.
وجاء تحليل المعلق السياسي البارز روبرت كاغان في مجلة “ذي أتلانتك” ليفكك الشفرة الكامنة وراء هذا السلوك الرقمي الاستعراضي، واصفاً “نهاية اللعبة” في إيران بالنسبة لترامب بأنها أقرب إلى الاستسلام المقنع الذي يحاول التغطية عليه ببالونات اختبار بصرية. كاغان يرى أن تراجع ترامب عن استهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية بعد الضربات المتبادلة (والتي شملت حقل بارس ومنشآت الغاز في قطر)، كان بمثابة نقطة التحول التي أنهت الحرب فعلياً لصالح طهران. الدعوة الحالية لـ “خطاب نوايا” ووقف إطلاق نار لمدة 30 يوماً ليست في نظر المراقبين سوى اعتراف ضمني بالعجز عن حسم المعركة عسكرياً، خاصة وأن الاستراتيجية الأمريكية المتمثلة في فرض شروط صارمة قد تحطمت أمام صمود النظام الإيراني الذي لم يقدم أي تنازل جوهري رغم الخسائر المادية التي تكبدها.
وتكشف كواليس الأيام الأخيرة عن حجم المأزق الذي يعيشه البيت الأبيض؛ فالتغريدة الطفولية جاءت مباشرة بعد اعتراف ترامب علناً بإلغاء ضربة عسكرية واسعة النطاق كانت مجدولة ضد إيران، تزامناً مع رفض طهران القاطع للشروط الأمريكية التعجيزية، مثل تسليم 400 كغم من اليورانيوم المخصب والتخلي عن طلب تعويضات الحرب. وفي المقابل، وبينما ينشغل ترامب برسم سيادته الافتراضية بالذكاء الاصطناعي، أعلنت الخارجية الإيرانية ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن حدوث “تقدم ملموس” في المحادثات السرية الجارية عبر الوسيط الباكستاني لصياغة مذكرة تفاهم وشيكة. هذا التناقض الصارخ يعكس أسلوب ترامب التجاري القديم القائم على سياسة حافة الهاوية (Bluffing)، حيث يضغط بأقصى قوة بصرية ونفسية في نفس اللحظة التي يوشك فيها على توقيع اتفاق تنازلي.
الورطة الحقيقية لترامب تكمن في أن طهران بدأت تتصرف ميدانياً من موقع “المنتصر”، مستغلة فترة الهدوء لتكريس “أمر واقع” جديد وشديد الخطورة في مضيق هرمز؛ فبدلاً من التراجع، نجحت إيران في “تطبيع” سيادتها على هذا الممر الملاحي الحيوي عبر فرض رسوم عبور وإجبار الدول المستوردة على توقيع اتفاقيات ثنائية تمنح الأولوية لحلفائها الاستراتيجيين مثل روسيا والصين. هذا التحول الاستراتيجي دفع دولاً حليفة تاريخياً لواشنطن، أو تعتمد على نفط الخليج، للهروب نحو طهران لتأمين اقتصاداتها المنهكة، مما يعني عملياً الانهيار التدريجي لمنظومة العقوبات الدولية التي فرضتها أمريكا لسنوات طويلة، وتحول طهران إلى مركز الثقل الأمني والاقتصادي الجديد في المنطقة.
هذا التراجع الاستراتيجي، الذي يغطيه ترامب بقنابل دخانية رقمية خرائطية كعاداته السابقة مع فنزويلا وكندا وجزيرة غرينلاند، أثار غضباً عارماً في تل أبيب؛ إذ تشير التقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش حالة إحباط شديد بعد مكالمته الأخيرة مع ترامب. ويرى الحلفاء أن قبول واشنطن بنظام المضيق الجديد يمثل الضربة الأقوى لأمن إسرائيل، حيث ستخرج إيران من هذا الصراع أقوى وأكثر نفوذاً، مما يمنح حلفاءها الإقليميين في لبنان وغزة حياة جديدة، ويعلن رسمياً نهاية “اتفاقيات إبراهيم” بعد أن تجد دول الخليج نفسها مضطرة لعقد سلام منفرد مع طهران لضمان تدفق النفط وإنقاذ أسواقها المالية.
بناءً على هذه المعطيات، فإن الأحداث تتجه نحو مسارين؛ إما أن يبتلع ترامب كبرياءه ويمرر هذا الاتفاق الذي يمنح طهران نفوذاً غير مسبوق مقابل تهدئة مؤقتة يحتاجها بشدة للداخل الأمريكي، محاولاً توجيه أنظار الإعلام نحو جبهات أخرى مثل كوبا لشغل الرأي العام؛ أو أن يندفع – مدفوعاً بحساسيته المفرطة تجاه الظهور بمظهر “الخاسر” – نحو شن ضربة عسكرية استعراضية خاطفة ومحدودة جداً لا تهدف لتغيير المعادلات بقدر ما تهدف لتلبية مطالب صقور الحرب وتغذية بروباغندا “الولايات المتحدة الشرق أوسطية”. لكن خطورة السيناريو الأخير هي أن قادة طهران باتوا يدركون تماماً حدود القوة الأمريكية، وأي تصعيد متبادل لن يغير من حقيقة أن معادلة الردع في الخليج قد صُيغت مجدداً بمداد إيراني، وأن الاستعراض الرقمي على منصة Truth Social لا يمكنه إعادة ترتيب الخرائط الواقعية.




