يا ليتنا لم نَكبُر ولم تكبرِ البَهمُ

مبنى ومعنى
بقلم/ عثمان الشيخ الأُسيد
كانت طفولتُنا ثريةً ومتنوعةً بحكم عمل الوالد في بوليس سكك حديد السودان. البوليس- وقتها- يعنى الهيبة والسلطة، يضبط الأمورَ ويضمن الحقوق، أينما كان بين الناس، يخشاهُ مجرمُهم ويأمن خائِفُهم، وينتصرُ لمظلومهم. كان الناس يستعينون به لأِصلاح ذاتِ بينهم، حتى في مشكلاتهم الاجتماعية، كانوا يرضون بحُكمه، فهو- بالنسبة لهم- سلطانٌ يمضي وقاض يقضي وزوجٌ يُرضي. أما نحن- أولادَ البوليس- كان يحترمنا الكبارُ ويهابنا الصغارُ ويتجنبنا الأشرار، كنا صورةً مصغرةً لتلك القمةِ الشاهقة التي يحاول الكلُ الوصول إليها.
تنقلنا مع الوالد في معظم اقاليم ومدن السودان، نشرِّق يوم ونغرِّب يوم، كما ردد أبوعركي البخيت في مقدمة مسلسل (قطر الهم) طفنا أرجاءَ الوطن، شماله ووسطه وشرقه وغربه وجنوبه. عن طريق هذا التنقل، فهمتُ كلَ أهلي في السودان فقد عشتُ في حواضرهم وبواديهم، قرأتُ في محاضرهم، و سمعتُ في نواديهم وشاهدتُ في مسارحهم، وطعمتُ من مطاعمهم.
في الخرطوم تشعلقنا في العربات، وكنا نسميها (يا عم بـ وراك) تحت شجر النيم لعبنا (البلي) تحت أعمدةِ النور لعبنا (شَدَّت وحرينا وكديس من نطّاك) وبعيداً عن الاضواء، لعبنا (شليل وينوأكلوالدودو) شربنا حليب كافوري المبستر وأكلنا العنب والتفاح المستورد من لبنان وهتفنا مع الكبار في شارع القصر: لا ضلال ولا تضليل عاش الشعب مع اسماعيل( الرئيس اسماعيل الازهري) وكنتُ- في ذلك الوقت- أعتقد أن المقصود هو جارنا (اسماعيل الحلبي)
و في بورتسودان لعبنا بالأصداف على شاطئِ البحر الاحمر ودخلنا الملاهي الليلية واستمتعنا بالفرق الأجنبية، شاهدنا السيرك الهندي والإيطالي، واندهشنا من عجائبِ السحرةِ ورشاقة الأفيال ووداعةِ الأسود. أكلنا السلات والمخبازة مع الهدندوة في (حي العرب وتَرَب هدر وديم مدينة) سكنا في بيوتِ الخشب وأنكوَيْنا بصيف بورتسودان الحار وعشنا الأمطار في الشتاء..
في كسلا عشنا في غرب القاش مع الفلاتة ودرسنا في مدارسِهم وتعلمنا شيئًا من لغتهم. وكنا من مشجعي فريقهم فريق (القاش) ولعبنا في السواقي الجنوبية، وسرقنا الفواكه وسبحنا في نهر القاش الموسمي، تسلقنا جبلَ توتيل، وصلينا صلاة العيد في ساحة ضريح السيد الحسن الميرغني.. وفي إطار تنقلات بوليس السكة الحديد، توجهنا غربًا، حيث عروس الرمال، (الأبيض) وفيها دخلنا غابةَ الهشاب على صهوةِ الحصين التي كانت ترعى بالقرب من الغابة، وحفرنا في شجر الصمغ، وكان كل واحد يعرف شجرتَه، ثم نأتي بعد فترةٍ لنجني الصمغَ، ثم نرميه على أرض الغابةِ ليحصده الحاصدون لاحقاّ مع المحصول، لم نكن ناخذه إلى بيوتنا، فهو أداة جريمة يعرف بها الأهل اننا كنا في الغابة، وتلك جريمة عقوبتها الجلد (بسير الصفارة) وما أدراك ما سير الصفارة، هذا السير الذي لا يعرف مدى ألمه إلا أولاد البوليس. والصفارة هي صافرة عادية تُعلَّق بسيرٍ جلدي داخل جيبِ قميص البوليس كانت تصرف عهدة لكل بوليس يستخدمها عند الحاجة، ولكن لم تستخدم إلا قليلا، أما سيرُها- (القيطان) كما يحلو لبوليس اليوم- فقد كان يُستخدم عدةَ مرات لجلدنا به نحن- أولادَ البوليس- بغرض العقوبة والتأديب.
في الأبيض دخلنا سوق أبو جهل وأكلنا الــ قدو قدو والقُضيم والدَليب والجراد المحمَّر، كانت ارجلُنا تغوص في رمالِ سوق أبو جهل، فكنا نحبُ المطرَ في الأبيض لانَّ اللهَ يُثبت به الاقدام، وكنا نرى تحت السحبِ طيورَ السمبر المهاجرة بيضاءَ كلونِ السحاب، في الأبيض شاهدنا الصقر (كلنج أبصلعة) والضب المهندس.
وانتقلنا إلى سنار ذات التربة الطينية المشققة والزراعة المطرية، فزرعنا الذرة (بالسَلّوُكة) مع السكان الاصليين في مزارعهم المطرية التي يسمونها ا(لبِلاد) وشَرّكنا للطير. وفيها أكلنا الأقاشيه وتسللنا داخل القطارات البخارية وسافرنا إلى المحطات القريبة، جبل مويه وجبل دود وجبل بيوت، أما بقطار (الوحدة) يزيد حماسنا فنسافر حتى السوكي والدندر، مرورًا بكَسَّاب وحمدنا الله، وكنا نتزاحم على نافذة القطار لرؤية (كبوش) التي هي نسيجُ وحدها، فلا هي حيٌ من احياءِ سنار، ولا هي قريةٌ من قراها، هي كشجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية. كنا نشجع هلال كبوش، ذلك الفريق الانيق، ونستمتع بسرعة عبدالعزيز دبيبة وجسارة إبراهيم صخرة الدفاع. كان السفر خلسةً بين سنار الجديدة وسنار المدينة وسنار التقاطع لعبةً ممتعةً ومغامرةً جريئة، بالرغم من عقوبة سير الصفارة التي كانت تنتظرنا.
من سنار التقاطع غادرنا إلى نيالا بقطار نيالا الشهير، وما أشبه نيالا بكسلا! وما أشبه الوادي بالقاش! وما أشبه حي الوادي بالسواقي الجنوبية! كانت تحيةُ أهلِ نيالا لنا في الصباح(أصبحت؟) في النهار( قيلتو؟) في المساء( أمسيتو؟) عجبت لأهل دارفور! بساطةٌ في الحال تكسوها ثقةٌ في النفسِ واعتزازٌ بالأصل. موائدُ ملكيةٌ فاخرة يُقدِّمها لنا العمالُ البسطاء والمزارعين في منازلهم المتواضعة. قالوا لنا إنَّ السببَ هو أنَّ دارفورَ- كلَها- كانت ممالك. إذًا، أهلُ دارفور سلالةُ ملوكٍ وسلاطين، وهذه الموائدُ هي موائدُ الملوك والسلاطين، عجزت الظروفُ أن تغيَّرَ مواصفاتِهم. تعلمتُ من أهلِ دارفور أن الكرمَ والعزةَ والشرف، من قِبَلِ النفس لا المال، وأنَّ أزماتِهم ليست منهم، لكنها مستوردة، وعلى قدر أهل العزمِ تأتي العزائمُ. وكنا في العطلات المدرسية نسافر للبلد (مدينة الغابة) في شمال السودان، وهناك سرحنا بالبهائم وسبحنا في الحفير التحت وأكلنا (القلوق) أو البلح الأخضر، وأكلنا الحُمْبُك وفي رواية الهُمْبُك والبسكيت وحشينا البرسيم (فطّرنا البهائم وعشيناهم) واكلنا الـ جكه مسه وملاح الكداد والسبروك ولم نسلم من لسع النمتي ولدغ العقارب وحر السموم.
وخلال هذه الرحلةِ، إلتقينا بعددٍ من المشاهير الذين تعلمنا منهم- مثلً- المرحوم الفنان المبدع عبد القادر سالم، مدرس الجفرافية في مدرسة الشرقية(أ) الابتدائية في عروس الرمال، كان ينشد لنا بصوتِه الرخيم أناشيدَ الجفرافية، ونحن نردد خلفه بحماس ونضرب على الأدراج مشكلين أوركسترا رائعة متخيلين حقا اننا متوجهين إلى القولد، خلف القائدِ المبدع، ونردد خلفه:
فى القولدِ التقيت بالصديقِ.. أنعم به من فاضلٍ صديقِ.. خرجتُ أمشى معه للساقية.. ويا لها من ذكرياتٍ باقيــةٍ.. فكم أكلت معــه الكابيدا.. وكــم سمعت اورو والودا.. ثم ينتقل بنا إلى الجفيل، بسلاسةٍ ومتعةٍ رائعة نشدو معه:
ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻗﻤﺖ ﻟﻠﺠﻔﻴـﻞ..
ﺫﺍﺕ ﺍﻟﻬﺸﺎﺏ ﺍﻟﻨﻀﺮ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ..
وتستمر رحلتنا السعيدة من القولد إلى الجفيل إلى ود سلفاب إلى ريرة، نعيش الأجواءَ سعداءَ بالرحلة، يغمرنا الشوق لرؤية صديقنا (منقو زمبيري) لنقول له: أنت سوداني وسوداني أنا.. ضمنا الوادي فمن يفصلنا.. نحن روحان حللنا بدنا.. منقو قل لا عاش من يفصلنا.. قل معي لا عاش من يفصلنا… يتسلل إلى مسامعنا صوتُ الأستاذ عبد القادر سالم، ثم نرددُ خلفه: ﻣﺎ ﺯﻟﺖ ﻓﻰ ﺭﺣﻼتي ﺍﻟﺴﻌﻴﺪﺓ.. ﺣﺘﻰ ﻭﺻﻠﺖُ ﻳﺎﻣﺒﻴﻮ ﺍﻟﺒﻌﻴﺪﺓ.. ﻣﻨﻄﻘﺔٌ ﻏﺰﻳﺮﺓُ الأﺷﺠــﺎﺭ، ﻟﻤﺎ ﺑﻬﺎ ﻣﻦ ﻛﺜﺮﺓ ﺍﻷﻣﻄــﺎﺭ.. كيف ننسى، وهذه معانٍ محفورةٌ في الوجدان، و صورٌ مطبوعةٌ على الأعين لا يستطيع إنسانٌ أو قوةٌ في الوجودِ أن تمحوها تمامًا.. ثم ماذا؟ ثم كبرنا وكبُرت تحدياتُنا..
صغيريْن نرعى البَهمَ… يا ليت أننا إلى اليومِ لم نكْبُر ولم تكبرِ البَهمُ.. يا لها من معادلة عجيبة! الرحلة طويلةٌ والعمر قصير وهو يسير.. وللهِ أمرٌ في الغيب إنا إليه صائرون..
والله أعلى وأعلم..


