بروفيسور مامون حميدة يكتب:عمالقة الأنجاز: بروفيسور معتمد أمين

شاب بريطاني حديث التخرج عديم الخبره – بدرجة جامعيه – العلوم – كيمياء جاء الى السودان بمنحه ويلكم بغرض إكمال دراسة الدكتوراه . من رعاه في بريطانيا (بروفيسور نيلسون ) تخرج على يديه أثنين من علماء البلهارسيا السودانيين ونالا درجه الدكتوراة معتمد أحمد الأمين وعبد الحميد سيدعمر ( اخصائي الباطنيه) ورأى بروفيسور نيلسون أن وجودهما في السودان يعطي هذا الشاب البريطاني فرصه لإكمال دراسته وتخصصه في البلهارسيا .
بترتيب من نيلسون تقابل مع معتمد أمين في أديس أبابا وعرض معتمد عليه العمل في السودان ليقضي فيه 17 عاماً (1971-1988) تدرب فيها في بايولوجية البلهارسيا وطفيلياتها بل أمتدت خبرته بكرم وأريحية السودانيين للتجارب الإكلينيكيه وسجل اسماً في المجلات العالميه . خرج من السودان بعلم ومهارات أهلته لأن يختاره صديق لى أمريكي الجنسيه ليقود مشروع كارتر الرئيس لمكافحة البلهارسيا في مصر ضمن حزمة السلام مع أسرائيل – وقضى ذلك الرجل 7 اعوام في مصر معظمها في جناح خاص بالهيلتون.
اسمه Alan Fenwick “الآن فينيك” – حصد علماً ومعرفه وعلاقات عالميه بوجوده وخبرته في السودان ويوم وداعه في نادي السودان “Sudan Club” كرّمته الملكه اليزابيث بوسام رفيع” ضابط في الامبراطوريه البريطانيه(OBE) ” Officer Of The British Empire “”.
بعد قضاء 7 اعوام بمصر أختاره بيل قيتس Gates مديراً لمنظمته لمكافحة البلهارسيا في أفريقيا بميزانيه تفوق المائه مليون دولار.
في أجتماع للأستشاريين في منظمة الصحة العالمية بجنيف كان يجلس الآن فينيك في الترابيزه الدائريه مقابل البروفيسور معتمد أمين – وبلا أستحياء خاطب هذا الخواجه معتمد أمين باستخفاف مقللاً من دور السودانيين في علم ومكافحة البلهارسيا . أنتفض معتمد أمين على مرأى من العالم والعلماء الذين كانوا حضورا “يا ألان نسيت أنى التقيتك فى أديس أبابا حسب توصيه بروفيسور نيلسون عرضتُ عليك أن تحضر للسودان لتتعلم مرض البلهارسيا ورتبنا مع نيلسون لك منحة من منظمة ويلكم وحينها ما كنت تدري شكل بويضة البلهارسيا “.
لأن كل الحضور يعلمون ذلك ويعلمون دور معتمد أمين في أبحاث البلهارسيا صمت الآن فينيك و لمعرفتي بالآن القديمة به في السودان وأبحاثى في مشروع النيل الأزرق الصحي زرته في أمبيريال كولج بلندن وقد علمتُ بمشروع منظمه قيتس Gates طالباً منه أن يضم السودان لمجموعة الدول الأفريقيه تحت رعايه قيتس ولكن الرجل تنكر للشعب الذي علمة ورفع من شأنه .
البروفيسور معتمد أمين من عمالقة الباحثين في مجال البلهارسيا ولو يعرّف مرض بشخص لكان معتمد أمين أب البلهارسيا .
يمثل معتمد أمين في ذهني قناعه ظلت معي لعقود أن الطب لا يطوّره الاطباء وحدهم . ولولا الفيزيائيين لما عرفنا الرنين المغناطيسي والموجات الصوتية والاشعة المقطعية. ولولا الكيميائيين لما كانت لنا أدويه كالتي ننعم بعلاجها للأمراض اليوم – وهذا التفكير ظل سجيناً لصعوبة تسويقه للأطباء .
تخرّج معتمد أحمد الأمين من جامعة الخرطوم بدرجة البكالوريوس في العلوم – علم الحيوان . والتحق بوزارة الصحة ليؤسس إدارة البلهارسيا وفي المعمل المركزي أسس وحدة أبحاث البلهارسيا ودفع بعدد من خريجي العلوم للعمل معه . وتدرب على يديه من له سبق في أبحاث ومكافحة البلهارسيا كعاصم دفع الله و سعاد سليمان وعبد العزيز عبد الرحيم ومن الاطباء عدد كبير منهم احمد بابكر وكردمان .
ألتحق معتمد أمين أستاذاً بكليه الطب – الخرطوم في قسم طب المجتمع (وهو أسم لا يتناسب مع ماهو متعارف أنه صحة المجتمع ) كان معتمد مفكراً وباحثاً . دخل بابحاثه الى المجلات العالمية الكبرى ولكنه حُرم أن يكون رئيساً لقسم طب المجتمع لأنه لم يكن طبيباً – هذا التفكير اخّر تقدم الصحه في السودان فالصحة علم وتخصص أشمل من أن يحُصر بين الاطباء .
ونذكر بالفخر أيضاً كيميائي من غير الأطباء خدم الطب كمّن لم يخدمه أي طبيب ، بروفيسور عبد الحميد ابراهيم وهو من أميز من درّس علم الأدويه و وضع أسس تسجيل الأدويه ومديراً مقتدراً اللامدادات الطبية .
عملتُ في عده لجان لهيئة الصحة العالمية وكثير من العلماء حولى كانوا من غير الأطباء كأخصائي الصحة العامه ، علم الحشرات الطبية ، علم الإجتماع والتمريض . سعينا لتطوير هذا المفهوم في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا بفتح مجال لنيل درجة الماجستير في الصحة العامة (Public Health ) لغير الاطباء ونشكر أن خرّجت الجامعه 22 دفعه من هؤلاء فاق عددهم الألف أخصائي نصفهم من غير الاطباء . وهؤلاء الأن يقودون منظمات طوعيه وأُمميه وأداؤهم متميز.
البروفيسور معتمد أمين من النيل الابيض ولد بالقطينه عام 1937 عندما استهواه العمل في مجال البلهارسيا كان من القلائل الذين رغبوا في العمل في البلهارسيا ومكافحتها لأن العمل فيها مع عدم وجود أدويه فعّاله يعتمد أساساً على الأبحاث .
لأنه كان عميق التفكير غير محصور كالأطباء في المرض وأعراضه – جاء بأفكار ومبادرات كثيره دعمت الأبحاث في البلهارسيا وتجربة الأدوية الجديدة في علاج البلهارسيا فتبوء منصب أول مدير لمجلس الأبحاث الطبية (1973- 1981) ولولا التشويش السياسي لحمدنا لنيميري مبادراته لإنشاء مجالس للبحوث كمجلس الأبحاث الزراعي والبيطري والهندسي – كما نحمد له الأستعانه بالعلماء كوزراء ، كبروفيسور أحمد محمد الحسن كأول وزير لوزارة التعليم العالي . خلّد معتمد أمين أسمه بفكرة مشروع النيل الأزرق الصحي لمكافحة البلهارسيا وكان مشروعاً رائداً ليس في السودان فحسب بل في العالم إذ كان يُشار اليه كأنجح مشروع للمكافحه وتخرج منه باحثون وعلماء . وقد أفدت من هذا المشروع أذ أدخلنا الموجات الصوتيه لأول مره لقياس حاله الإمراض من مرض البلهارسيا – الأبحاث التي وجدت طريقها للمجلات العالميه كأول قياس علمي لهذا الإمراض .
دعا معتمد أمين المنظمات العالميه والداعمين لهذا المشروع الذي استطاع أن يخفّض نسبه البلهارسيا من 54% في منطقه الجزيرة عام 1981 الى 2% بنهاية المشروع عام 1997 وللأسف عجزت الدوله أن تستمر في مرحلة الاستدامه ( Sustainability phase) لتعود البلهارسيا مره أخرى بل وتنتشر الى الخرطوم في شكل وبائى .
رأيت بنفسى لعلاقتى مع معتمد أمين العزيمه والأصرار وصفاء الذهن في والده المساعد الطبي الذي خدم بصدق ولعقود في منطقه النيل الأبيض وتوفى على المائه.
وهذا الفكر المتقدم ومنهج البحث العلمي هو الذي تفرد به معتمد أمين عندما كان وزيراً للصحة في الجزيرة في حكم الرئيس نيميري .
ليشكر له الأخوه الأطباء وغير الأطباء دعمهم والأستعانه بأصدقائه في بريطانيا ليجد لهم التدريب في مجالات البلهارسيا المختلفه .
فلينعم معتمد أ مين بذكرى طيبه ومكان في التاريخ ونسأل الله أن يختفي هذا المرض من السودان كما أختفى من دول أخرى.




