السودان الجديد أم الطريق المسدود؟..(1-2)..

كيف تحولت أحلام السلطة إلى مأزق سياسي لقادة الحركات المتحالفين مع الدعم السريع؟

■ من القصر الجمهوري إلى خنادق الحرب.. الرحلة المعاكسة لقادة الحركات المسلحة..

■ سليمان صندل والطاهر حجر والهادي إدريس..كيف ابتلع الرهان الخاسر أصحابه؟؟!!

■ دارفور تدفع الثمن.. المتحالفون مع الدعم السريع يفقدون سندهم الإجتماعي..

■ السودان الجديد بين الشعارات والواقع.. أين المشروع وأين الدولة؟..

تقرير تحليلي/علم الدين عمر 

لم تكن التدوينة التي أرسلها سليمان صندل حقار..زاعماً فيها أن “السودان القديم انتهى ولن يعود مرة أخرى” مجرد تعليق سياسي عابر أطلقه الرجل..بقدر ما جاءت معبرة عن أزمة أعمق تعيشها مجموعة من القيادات السياسية التي اختارت الإنحياز لمليشيا الدعم السريع منذ الأيام الأولى لتمردها وإشعالها للحرب على أمل أن تقودها التحولات العسكرية المتوقعة إلى مواقع جديدة في السلطة والنفوذ..

فالحديث عن “السودان الجديد” ظل أحد أكثر الشعارات تداولاً داخل المعسكر السياسي المتحالف معها.. لكنه في الوقت ذاته ظل من أكثر الشعارات غموضاً من حيث المضمون والتفاصيل والقدرة على التحول إلى مشروع دولة حقيقي..

فالمؤسسات إنما تقوم علي القوانين والإقتصاد والرؤية الوطنية الجامعة..

ولذلك لابد من التوقف عند تجربة عدد من قادة الحركات المسلحة الذين انتقلوا من مواقع الشراكة في الدولة إلى مواقع الإرتباط بمشروع الدعم السريع.. وفي مقدمتهم سليمان صندل والطاهر حجر والهادي إدريس.. بوصفهم نماذج لمسار سياسي انتهى إلى تعقيدات أكبر بكثير مما توقع أصحابه..

من التمرد إلى السلطة.. ثم إلى الهامش من جديد..

لفهم هذا المشهد لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للحركات المسلحة في دارفور..

فمعظم هذه القيادات لم تنشأ داخل مؤسسات الحكم التقليدية.. بل خرجت من رحم حركات رفعت شعارات العدالة وإنصاف الهامش وتقاسم السلطة والثروة..

وخلال سنوات طويلة من العمل المسلح والمفاوضات..تمكنت تلك الحركات من فرض نفسها طرفاً رئيسياً في المعادلة السياسية السودانية.. وصولاً إلى اتفاق جوبا للسلام الذي منح عدداً من قادتها مواقع رفيعة داخل الدولة..

غير أن الوصول إلى السلطة كشف عن أزمة أخرى..

فالكثير من تلك الحركات نجحت في الحصول على المناصب.. لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء مشاريع سياسية متماسكة قادرة على إدارة الدولة أو إقناع الرأي العام بأنها تمثل بديلاً حقيقياً للمركز الذي ظلت تنتقده لعقود..

وعندما اندلعت حرب أبريل 2023..أعلنت الحركات الرئيسية الفاعلة في المشهد إلتزامها بالحياد الإيجابي..ريثما رتبت صفوفها وأمتصت الصدمة من داخل الصندوق المجتمعي والعسكري والأمني الخاص وعادت للإصطفاف وإعادة التموضع مع الدولة ومؤسساتها.. إلا أن بعض هذه القيادات وجدت نفسها بفعل الإضطراب الشخصي أمام مفترق طرق حاسم..

هل تتمسك بالدولة ومؤسساتها..أم تراهن على القوة العسكرية الصاعدة؟..

اختار بعضهم الخيار الثاني..

واليوم تبدو نتائج ذلك الخيار أكثر وضوحاً من أي وقت مضى..

 

حسابات النصر السريع..

 

يبدو أن جزءاً كبيراً من المواقف السياسية التي اتخذتها هذه القيادات بُني على تقدير أساسي مفاده أن الحرب لن تستمر طويلاً وأن الدعم السريع سيتمكن من فرض واقع جديد خلال فترة وجيزة..

في تلك الأجواء كان الحديث عن إعادة تشكيل الدولة وإقامة ترتيبات حكم جديدة يبدو لبعضهم مشروعاً قريب المنال..

لكن تطورات الحرب جاءت بعكس تلك الحسابات..

فلم يحدث الإنهيار السريع الذي توقعه كثيرون.. ولم تتفكك مؤسسات الدولة بالصورة التي راهن عليها البعض.. بل تحولت الحرب إلى صراع طويل ومعقد أعاد رسم التوازنات العسكرية والسياسية بصورة مختلفة..

ومع مرور الوقت تراجعت رهانات الحسم السريع.. بينما بدأت الكلفة السياسية للإنحياز لمشوع آل دقلو في الإرتفاع..

وهنا برزت المعضلة الحقيقية..

فالشخصيات التي غادرت مواقعها داخل الدولة أملاً في الوصول إلى سلطة أكبر وجدت نفسها بعد سنوات الحرب في وضع سياسي أكثر تعقيداً وأقل تأثيراً مما كانت عليه قبل اندلاعها..

 

سليمان صندل.. نموذج السياسي العالق..

 

تمثل تجربة سليمان صندل حقار واحدة من أكثر النماذج دلالة على هذا التحول..

فالرجل الذي عرفه السودانيون لسنوات كأحد قيادات حركة العدل والمساواة اختار الإنحياز لمليشيا الدعم السريع في بداية الحرب.. في خطوة فسرها كثيرون آنذاك باعتبارها رهاناً على انتصار سريع يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة..

لكن إستمرار الحرب وتغير مساراتها وضعه أمام واقع مختلف..

فمع اتساع رقعة المعاناة الإنسانية وتزايد الإستقطاب السياسي..وتوثيق الإنتهاكات الإنسانية وتصاعد حركة الكشف عن المشروع الإقصائي لآل دقلو..تقلصت خيارات العودة إلى الخلف.. وفي الوقت نفسه لم تتحقق التوقعات التي بُني عليها الإنحياز منذ البداية..

وبذلك أصبح الرجل سياسياً أقرب إلى أسير خياراته السابقة..

فهو لا يملك خيار العودة إلى موقعه القديم..كما لا يبدو أنه يمتلك التأثير الكافي لتغيير مسار التحالف الذي انخرط فيه..

الطاهر حجر والهادي إدريس.. مفارقة السلطة والحرب..

 

أما الطاهر حجر والهادي إدريس فتبدو تجربتهما أكثر تعقيداً من زاوية أخرى..

فالرجلان وصلا إلى مجلس السيادة عبر إتفاق السلام..وكانا جزءاً من أعلى مؤسسة سيادية في البلاد..

وكان من المفترض أن يشكل وجودهما داخل السلطة فرصة للدفاع عن مصالح المجتمعات التي يمثلانها داخل دارفور..

لكن الحرب دفعت بهما إلى موقع سياسي مختلف..

وهنا تبرز المفارقة الكبرى..

ففي الوقت الذي كانت فيه مناطق واسعة من دارفور تواجه أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة..وتتعرض لموجات واسعة من النزوح والتشريد والإنهيار الإقتصادي والمجتمعي.. وجدت هذه القيادات نفسها داخل معسكر سياسي يواجه إنتقادات واسعة بسبب إرتباطه بالحرب وتداعياتها..وبرامج التغيير الديموغرافي وحركة المرتزقة والجيوش العابرة للقارات..

ولذلك لم يعد السؤال المطروح حول مواقفهم السياسية وحدها..بل حول قدرتهم على تفسير تلك المواقف أمام المجتمعات التي منحتهم الشرعية السياسية في المقام الأول..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى