اجتماعات (الخماسية) في العاصمة الاثيوبية..

تناقضات في المواقف ومفآجات في الانتظار.. مقاطعة.. مشاركة

الكتلة الديمقراطية: لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح إذا قامت على مساواة الدولة ومؤسساتها الشرعية بمليشيا متمردة

مناوي: دور الآلية الخماسية والمجتمع الدولي ينبغي أن يكون مسانداً وميسراً للحوار لا بديلاً عنه

الدقير: “لقاء استكشافي” وليس انطلاقاً للعملية السياسية المنشودة

سمية سيد: اي حوار أو تفاوض يتجاوز الحكومة الشرعية يُعد مساساً بالسيادة الوطنية

الفحل: اثيوبيا دولة عدوان ومساندة للمليشيا لا يمكن انطلاق الحل من اراضيها

أديس أبابا – عماد النظيف 

على وقع الأزمة الإنسانية والسياسية المتفاقمة في السودان، تجد الآلية الخماسية نفسها أمام اختبار حاسم مع اقتراب موعد اجتماعاتها في أديس أبابا اليوم الأربعاء، حيث أعلنت قوى سياسية سودانية مشاركتها في اجتماع يُعقد يومي الأربعاء والخميس في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بشأن إطلاق حوار سوداني– سوداني وتضم الآلية الخماسية كل من: الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة إيغاد.. وربما يضم الاجتماع، للمرة الأولى، القوى السياسية الداعمة للحكومة السودانية والقوات المسلحة والأخرى الداعمة لمليشيا الدعم السريع، وتزعم أنها رافضة للحرب.. وكان المشاركون قد انخرطوا في اجتماعات تحضيرية امس الثلاثاء من اجل الإعداد لإطلاق الحوار السوداني– السوداني.. وقال المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود”، جعفر حسن، في منشور على “فيسبوك”، إن “المشاورات مع الخماسية اكتملت، وتم الاتفاق على كل النقاط التي كان حولها تباين، والآن يتوجه وفد صمود إلى أديس أبابا لحضور الاجتماع التشاوري”.

وكان جعفر حسن قد أعلن، في وقت سابق، أن مشاركة “صمود” في الاجتماعات مرهونة بالالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه بين الأطراف الثلاثة المشاركة في العملية السياسية، وهي “القوى الرافضة للحرب، بما في ذلك تحالف صمود، والقوى الداعمة للحكومة، والقوى الداعمة للمليشيا.

وأكد أن أي تعديل أو إخلال بما تم التوافق عليه مسبقاً من شأنه أن يدفع تحالف صمود إلى مقاطعة الاجتماعات وعدم المشاركة فيها، انطلاقاً من قناعته بأن مصداقية أي عملية سياسية وجديتها ترتكزان على احترام الاتفاقات والالتزام الصارم بما تم التوافق عليه بين الأطراف المعنية.

وأضاف: “عليه، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب التمسك بما أُقرّ سابقاً باعتباره الأساس الضروري لبناء الثقة وتهيئة المناخ الملائم لحوار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان”.

وعلى صعيد التحضيرات، أوضح رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير، أن الاجتماع المنعقد اليوم بأديس أبابا هو “لقاء استكشافي” بدعوة من الآلية الخماسية، وليس انطلاقاً للعملية السياسية المنشودة؛ إذ يهدف اللقاء لتبادل الرؤى حول تصميم العملية والجوانب المفاهيمية، تمهيداً لاجتماع ثانٍ مطلع يوليو القادم لتشكيل “لجنة تحضيرية”. ودعا الدقير المشاركين لاستحضار حجم المأساة الوطنية وتنحية “الشجون الصغرى”، مؤكداً أن العملية يجب أن تكون بـ “ملكية وقيادة سودانية”، مع ضرورة ترابط المسارات الثلاثة.

ويتسق هذا التوجه مع مواقف قوى أخرى؛ فقد أعلن حزب الأمة (قيادة مبارك الفاضل المهدي)، عبر تصريح صحفي لقطاعه السياسي، مشاركته في الاجتماع، مؤكداً على محورية الجهود الإقليمية لإنهاء الحرب، ومجدداً دعوته للوقف الفوري للعمليات العسكرية وتغليب الحلول السياسية عبر تسوية شاملة تؤسس لدولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة وسيادة القانون.

كما أكد حزب الأمة القومي مشاركته، مشدداً في بيان على أن تشكيل اللجنة التحضيرية يمثل ركيزة جوهرية لعملية سياسية ذات مصداقية، مع ضرورة الربط العضوي بين المسار السياسي وجهود وقف إطلاق النار ومعالجة الأوضاع الإنسانية، وهو النهج الذي ينضم إليه تحالف “صمود”، الذي أكد على لسان ناطقه الرسمي جعفر حسن، اكتمال مشاوراته مع الآلية الخماسية والتوجه إلى أديس أبابا.

وفي خضم هذا الجدل، أشارت لجان مقاومة الفاشر إلى مفارقة لافتة، حيث ذكرت أن مجموعة “صمود” لم تتعامل معهم بوصفهم “قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية” بل أسمتهم “الكتلة الداعمة لبورتسودان”، في الوقت الذي تمسكت فيه “صمود” بشروط واضحة للمشاركة. وترى اللجان أن توجه هذه القوى إلى طاولة المشاورات دون اعتراض على هذه التسمية يعكس تبايناً في الأهداف السياسية، مما يجعل من غير المتوقع أن تُفضي هذه المشاركة إلى جديد سوى منح مجموعة “تأسيس” شرعية سياسية وأخلاقية إضافية.

من جهته، قال رئيس اللجنة السياسية في تحالف الكتلة الديمقراطية، مني أركو مناوي، إن الكتلة ذهبت إلى اجتماعات أديس أبابا وهي تحمل موقفاً سياسياً يستند إلى رؤيتها لمستقبل السودان ووحدته واستقراره، ولم يكن بهدف البحث عن مكاسب سياسية آنية، وفق قوله.

وأضاف، في منشور على “فيسبوك”، أن “الحوار السوداني يجب أن يكون سودانياً خالصاً، وأن يُقام داخل السودان، باعتبار أن قضايا الوطن لا يمكن أن تُحل إلا بإرادة أبنائه، وأن دور الآلية الخماسية والمجتمع الدولي ينبغي أن يكون دوراً مسانداً وميسراً للحوار، لا بديلاً عنه. كما أن الحوار يجب أن ينطلق من معالجة القضايا الوطنية الكبرى ذات الطابع فوق الدستوري، وصولاً إلى وضع ملامح دستور دائم وتحديد الأطر اللازمة للفترة الانتقالية”.

وأكد رفض أي مساومة بين السلام والعدالة، مبيناً أن الكتلة الديمقراطية ترى أن منح قوات الدعم السريع أو تحالف “تأسيس” أي امتيازات سياسية تتجاوز استحقاقات العدالة والمحاسبة يمثل خطأً سياسياً وأخلاقياً ستكون له تداعيات خطيرة على مستقبل العملية السياسية.

ودعا مناوي الآلية الخماسية إلى تجنب أي خطوات يمكن أن تُفهم باعتبارها محاولة لإعادة تأهيل هذه الأطراف أو منحها شرعية سياسية على حساب حقوق الضحايا ومطالب العدالة.

وأكد أن قرار مشاركة الكتلة الديمقراطية في اجتماعات أديس أبابا كان قراراً مؤسسياً محسومًا داخل أجهزتها، موضحاً أن من تعذر حضوره لأسباب خاصة أو لاختلافات تنظيمية داخلية فهو شأن يخصه، دون أن يؤثر على الموقف الرسمي للكتلة أو يعبر عنه.

موقف مناوي

 

هذا الموقف يأتي وسط حالة من التجاذب الحاد حول معايير المشاركة؛ حيث ترتطم مساعي الآلية الخماسية بجدار من التعقيدات المرتبطة بـ “هيكلية التمثيل”، مما حول الاجتماع إلى بؤرة خلاف بين اتجاه يرى في “الكتلة الديمقراطية” ركيزة أساسية، وبين تيار آخر -يمثله ياسر عرمان- يرى في الترتيبات الحالية “عملية هشة” تفتقر للمعايير الأخلاقية والسياسية اللازمة.

 

الجدوى السياسية

 

في قراءة تحليلية للمشهد، يتضح أن الأزمة التي تضرب اجتماعات أديس أبابا تتجاوز كونها خلافاً على “قوائم المدعوين”، لتصل إلى جوهر الصراع حول “هوية المسار السياسي”.. فبينما تراهن الكتلة الديمقراطية على شرعية حضورها كضرورة استراتيجية لإنهاء سياسة الإقصاء، يضع ياسر عرمان “فيتو” أخلاقياً وسياسياً محذراً من “هشاشة التصميم”. وبناءً عليه، فإن الآلية الخماسية تقف أمام مفترق طرق: إما خلق “مساحة وسيطة” تستوعب التباينات دون التضحية بمعايير التصميم السياسي، أو الانزلاق نحو “لقاءات إجرائية” تزيد من حالة الجمود السياسي.

 

تناقضات الجناح الحكومي

تبدو تناقضات الجناح المشاركة في الحكومة تحت راية الكتلة الديمقراطية اكتر تناقضا في مشهد المشاركة في اجتماعات اليوم حيث صدر عن الكتلة بيانين كل واحد منهما يناقض الآخر ما بين المشاركة وعدمها وقد جاء البيان الذي حمل ١٤ توقيعا من الكيانات المكونة للكتلة على النحو التالي: (تتوجه الكتلة الديمقراطية بالشكر والتقدير للآلية الخماسية “الاتحاد الإفريقي، الأمم المتحدة، الجامعة العربية، الاتحاد الأوروبي، والإيقاد” على دعوتها للمشاركة في اجتماعات لحوار سوداني مزمع عقدها بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة 3 – 4 يونيو 2026، وتؤكد الكتلة حرصها على دعم كل جهد إقليمي أو دولي يسهم في إنهاء الحرب وتحقيق سلام عادل ومستدام يحفظ وحدة السودان وسيادته و استقلال قراره.. وفي هذا السياق، تعتذر الكتلة الديمقراطية عن المشاركة في الاجتماعات المذكورة بصيغتها الحالية لجملة من الاعتبارات الموضوعية والمبدئية المرتبطة بمنهج إدارة العملية السياسية وإجراءاتها، وذلك على النحو التالي: أولاً: غياب التوافق حول الترتيبات الإجرائية ومبدأ الملكية الوطنية للحوار، ترى الكتلة الديمقراطية أن أي عملية سياسية جادة ومستدامة ينبغي أن تقوم على مبدأ الملكية الوطنية السودانية للحوار، بما يشمل التوافق المسبق بين الأطراف السودانية حول مكان وزمان وأطراف وأجندة الحوار وآلياته، باعتبار أن هذه القضايا تمثل أساساً ضرورياً لبناء الثقة وضمان نجاح العملية السياسية.

غير أن الآلية الخماسية مضت بصورة منفردة في تحديد مكان انعقاد الاجتماعات ومراحلها الزمنية وأطرافها وأجندتها، دون الوصول إلى تفاهمات مسبقة مع القوى السودانية المعنية، وبالرغم من الرؤى والمقترحات التي سبق أن تقدمت بها الكتلة الديمقراطية للاتحاد الإفريقي والآلية الخماسية خلال الفترة الماضية، والتي أكدت فيها بوضوح ضرورة الاتفاق على الجوانب الإجرائية باعتبارها مدخلاً أساسياً لحوار سوداني سوداني حقيقي ومتوازن و مثمر.

كما تقدمت الكتلة بطلب لعقد لقاء تنسيقي مع الآلية الخماسية لمناقشة هذه القضايا، إلا أنها لم تتلق رداً لطلبها حتى الآن، الأمر الذي يثير مخاوف مشروعة بشأن منهج إدارة العملية السياسية وطبيعة الترتيبات الجارية.

ثانياً: الخلط بين المسار السياسي والمسار الأمني

تؤكد الكتلة الديمقراطية أن نجاح أي عملية سياسية يتطلب الفصل الواضح بين المسار السياسي والمسار الأمني، بحيث يختص المسار السياسي بالقوى المدنية والسياسية، بينما يناقش المسار الأمني عبر ترتيبات واضحة بين مؤسسات الدولة السودانية والقوات المسلحة السودانية من جهة، و مليشيا الدعم السريع من جهة أخرى، على أن يتم التنسيق بين المسارين في المراحل النهائية وفقا لتفاهمات وطنية يتم التوافق عليها.

وعليه، فإن دعوة ما يسمى بتحالف أو حكومة “تأسيس” ورئيسها إلى اجتماعات المسار السياسي في أديس أبابا بتاريخ 5 يونيو 2026 تمثل خلطاً بين المسارات السياسية والأمنية، كما تعكس تبنياً عملياً لرؤية سياسية مرتبطة بالدعم السريع وحلفائه، وهو ما يتعارض تماماً مع الموقف الإقليمي و الدولي الرافض للكيانات الموازية و يقدح في حيادية الآلية الخماسية كميسر للعملية السياسية.

وتشدد الكتلة الديمقراطية على أنه لا يمكن لأي عملية سياسية أن تنجح إذا قامت على مساواة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية بمليشيا متمردة متورطة في انتهاكات جسيمة بحق المواطنين والبنية التحتية المدنية للدولة.

ثالثاً: الحفاظ على وحدة السودان وسيادته

ترى الكتلة الديمقراطية أن قبول الالتقاء بكيانات موازية للدولة السودانية، تطرح رؤى تهدد وحدة البلاد أو تسعى إلى فرض واقع سياسي خارج مؤسسات الدولة الشرعية، و يمثل سابقة خطيرة تتعارض مع المبادئ التي يقوم عليها الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها.

كما تؤكد الكتلة أن الحفاظ على وحدة السودان وسيادته واستقرار مؤسساته الوطنية يجب أن يظل أساساً حاكماً لأي عملية سياسية أو مبادرة إقليمية أو دولية تتعلق بالأزمة السودانية.

ختاماً، تؤكد الكتلة الديمقراطية تمسكها برؤيتها القائمة على إطلاق حوار سوداني سوداني شامل لا يقتصر على النخب و تقوده لجنة وطنية مستقلة، بعد تهيئة البيئة بتحقيق السلام .و ينقسم الحوار المنشود إلى مرحلة تمهيدية يتم الاتفاق فيها على مكان انعقاد الحوار وآلياته بين الأطراف السودانية، ومرحلة نهائية تعقد داخل السودان بمشاركة واسعة تعبر عن كافة مكونات الشعب السوداني.

كما تدعو الكتلة الديمقراطية الآلية الخماسية والشركاء الإقليميين و الدوليين إلى مراجعة منهج إدارة العملية السياسية، و تجنب تكرار الأخطاء التي صاحبت مؤتمر برلين والتجارب السابقة و أفشلتها، بما في ذلك تغييب التوافق الوطني أو القفز فوق تعقيدات الواقع السوداني. و تؤكد الكتلة الديمقراطية أن أي تسوية مستدامة لن تتحقق إلا عبر عملية سياسية متوازنة تحترم إرادة السودانيين وتحفظ الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية.

الكتلة الديمقراطية

٢ يونيو ٢٠٢٦

1. السيد جعفر الصادق محمد عثمان الميرغني، رئيس الكتلة الديمقراطية ونائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل.

2. د. جبريل إبراهيم محمد، رئيس حركة العدل والمساواة السودانية.

3. الناظر محمد الأمين ترك، رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة.

4. الأستاذ عبد الله يحيى، رئيس تجمع قوى تحرير السودان.

5. الأستاذ صلاح الدين آدم تور، رئيس حركة تحرير السودان/المجلس الانتقالي.

6. الأستاذ التوم هجو، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي/الجبهة الثورية.

7. الأستاذ مصطفى تمبور، رئيس حركة تحرير السودان.

8. الشيخ موسى هلال، رئيس مجلس الصحوة الثوري.

9. المهندس علي شاكوش، رئيس حركة تحرير السودان/المجلس القيادي.

10. المهندس ميرغني موسى، ر ئسس المجتمع المدني – شرق السودان.

11. الدكتور حسن هلال، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي المسجل.

12. الأستاذ نبيل أديب.

13. الأمير عبد الرحمن الصادق المهدي.

14. الأستاذة سالي ذكي.

توضيح من الكتلة الديمقراطية

 

أما بيان الامين داوود رئيس قطاع في الكتلة الديمقراطية، فقد جاء داعما للمشاركة وجاء فيه: (انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والسياسية، والتزامها الراسخ بالتواصل مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالشأن السوداني، أجرت الكتلة الديمقراطية الاتصالات والمشاورات اللازمة بشأن المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، وتم التوافق بصورة واضحة على الحضور والمشاركة بهدف تقديم رؤيتها السياسية المستقلة والتعبير عن مواقفها المؤسسية المجازة، بما يعكس إرادة مؤسساتها وقراراتها، بعيدًا عن أي وصاية أو إملاءات من أي جهة كانت.

وتستند هذه المشاركة إلى الرؤية السياسية المعتمدة للكتلة الديمقراطية، والتي تقوم على الانفتاح المسؤول على المحيطين الإقليمي والدولي، والتفاعل الإيجابي مع كافة المبادرات والجهود الرامية إلى معالجة الأزمة السودانية، إيمانًا منها بأن الغياب عن المنابر المؤثرة لا يخدم القضايا الوطنية، وأن طرح الرؤى والمواقف الوطنية بصورة مباشرة يمثل واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يجوز التنصل منه.. وقد جاءت دعوة اللجنة الخماسية للكتلة الديمقراطية استنادًا إلى المشاورات التي جرت مسبقًا وإلى موافقتها الرسمية على المشاركة. وفي هذا السياق، اضطلع رئيس الكتلة بدور مباشر في إدارة الاتصالات والتنسيق مع الجهات المعنية، بما في ذلك استكمال الترتيبات الخاصة بالمشاركة مع رئيس القطاع السياسي والجهات ذات الصلة.

وفي إطار النهج المؤسسي الذي تلتزم به الكتلة الديمقراطية، تقدم رئيس القطاع السياسي بمقترح تشكيل الوفد المشارك، وأجرى رئيس الكتلة المراجعات والتعديلات النهائية اللازمة عليه قبل اعتماده وإحالته إلى اللجنة الخماسية، ليصبح بذلك الوفد المعتمد رسميًا والمعبر عن إرادة مؤسسات الكتلة وقراراتها التنظيمية.

وخلال الساعات الاثنتين والسبعين الماضية، طرأت مستجدات لم تتضح للكتلة الديمقراطية حتى الآن طبيعتها أو الجهات التي تقف وراءها، الأمر الذي ترتب عليه تراجع بعض الأطراف عن الموقف الذي التزمت به سابقًا بشأن المشاركة، وانتقالها إلى موقف مغاير بصورة مفاجئة. وإذ تسجل الكتلة هذه التطورات، فإنها تؤكد أن ما حدث لا يؤثر على شرعية الإجراءات التي تمت ولا على سلامة القرارات المؤسسية التي اتُخذت وفق الأطر التنظيمية المعتمدة.

وعليه، تؤكد الكتلة الديمقراطية بصورة قاطعة أن الوفد الموجود حاليًا في أديس أبابا، وفي مقر الاجتماعات، هو الوفد الرسمي والوحيد المفوض من مؤسساتها الشرعية لإدارة الحوار والتواصل مع اللجنة الخماسية وسائر الأطراف ذات الصلة، وهو الجهة الوحيدة المخولة بالتحدث باسم الكتلة الديمقراطية والتعبير عن مواقفها خلال هذه الاجتماعات.

كما تؤكد الكتلة الديمقراطية أن خيار التواصل والانخراط الإيجابي مع الإقليم والمجتمع الدولي سيظل نهجًا استراتيجيًا ثابتًا في عملها السياسي، انطلاقًا من قناعتها بأن معالجة الأزمة السودانية تتطلب حضورًا فاعلًا في مختلف المنابر ذات الصلة، مع الحفاظ الكامل على استقلالية القرار الوطني وعدم التفريط في الثوابت والمصالح العليا للوطن.

وبناءً على ما تقدم، فإن الكتلة الديمقراطية لا ترى أي ضرورة أو سند سياسي أو تنظيمي لعقد أو المشاركة في أي اجتماع موازٍ عبر تقنية «زووم» مع اللجنة الخماسية، طالما أن وفدها الرسمي موجود في مقر الاجتماعات ويباشر مهامه بصورة مباشرة. وعليه، فإن أي مشاركة تتم خارج هذا الإطار المؤسسي تعبر عن أصحابها وحدهم، ولا تمثل الكتلة الديمقراطية أو مؤسساتها أو مواقفها الرسمية بأي صورة من الصور..

مسار آخر لأسباب الرفض

من جانبه ذكر الأستاذ خالد الفحل، القيادي الاتحادي، غير المنتسب للكتلة الديمقراطية، أسبابا أخرى لرفض المشاركة في اجتماعات اديس حيث قال: إثيوبيا دولة عدوانية انطلقت منها طائرات مسيرة استراتيجية إستهدفت السودان، تشهد اليوم إجتماع ما يُسمى (بالمجموعة الخماسية)، التي تعلم يقيناً بوجود معسكرات لميليشيا الجنجويد المدعومة من الإمارات، وتُدرك تدخل إثيوبيا المباشر في الشؤون الداخلية للسودان عبر فتح الحدود وإنشاء معسكرات ومطارات عسكرية ولم تتخذ الخماسية موقف، ثم تساءل الفحل: كيف لدولة أن تكون طرفاً في الحرب وفى ذات الوقت تستضيف محادثات “سياسية” وهي ليست محايدة ؟

يجب على الحكومة السودانية رفض رعاية إثيوبيا لأي محادثات سياسية، لأن إثيوبيا دولة معتدية تخدم أهداف المليشيات وحواضنها السياسية ورعاتها فى الإقليم.

سمية سيد: مؤتمر أديس أبابا.. أزمة غياب التوافق السوداني

من جانبها ناقشت الأستاذة الكبيرة سمية سيد، جذور الأزمة السودانية وعدم التوافق على ضوء الخلافات التي تسيطر على أجواء المؤتمر حيث كتبت: (يواجه مؤتمر أديس أبابا إشكالية جوهرية تتعلق بغياب التوافق السوداني حول أطرافه وأجندته، إذ إن توسيع المشاركة دون مرجعية سياسية واضحة قد يؤدي إلى إنتاج مخرجات ضعيفة وغير قابلة للتنفيذ.

كما أن أي حوار لا يستند إلى تمثيل حقيقي للقوى المؤثرة على الأرض، ولا يأخذ في الاعتبار تعقيدات الحرب السودانية، سيظل أقرب إلى إطار نظري منه إلى مسار عملي قادر على إنهاء الحرب أو معالجة جذورها.

واضافت: لا يتعلق الإشكال بعدد المشاركين فحسب، بل بطبيعة العملية نفسها؛ فالسؤال المطروح هو: هل يمثل المؤتمر حواراً تأسيسياً حقيقياً أم مجرد إدارة دولية للأزمة عبر منصات متعددة؟ إن تعدد المبادرات دون تنسيق بينها يخلق حالة من التشظي السياسي الإضافي بدلاً من بناء أرضية مشتركة.

وتابعت: يكمن الخطر الأكبر في المسارات الحالية في محاولة فرض تصورات جاهزة للحل من الخارج، في وقت لا يزال فيه الداخل السوداني منقسماً حول تعريف الأزمة وأولويات معالجتها. فأي عملية سياسية لا تنطلق من الداخل وتستند إلى ميزان القوى الحقيقي ستظل عرضة للتعثر أو الانهيار عند أول اختبار جدي.

إن نجاح أي مبادرة دولية أو إقليمية يبقى مرهوناً بقدرتها على تجميع السودانيين لا إعادة توزيعهم في مسارات متوازية، لأن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من دفعها نحو تسوية شاملة.

ولا خلاف على أن الحوار السياسي لإنهاء الأزمة السودانية أمر مهم ومطلوب من جميع القوى السياسية والمدنية الفاعلة، لكن أي حوار أو تفاوض يتجاوز الحكومة الشرعية يُعد مساساً بالسيادة الوطنية، ولن يفضي إلى نتائج إيجابية مهما بلغت درجة الحشد الدولي الداعم له.

كما أن القوى الدولية الراعية للمبادرة الخماسية ظلت، في مختلف منابرها واجتماعاتها، تمارس نوعاً من العزل السياسي عبر التركيز على تيارات بعينها وإقصاء أخرى بحجج غير منطقية، وهو ما يجعل مخرجاتها عرضة للرفض من قبل قوى سياسية وجماعات مدنية وقيادات مجتمعية فاعلة في المشهد السوداني.

ومن ثم، فإن على القوى الخارجية إعادة النظر في المبادرة الخماسية التي ترفضها العديد من الكيانات، والعودة إلى منبر جدة الذي يحظى بشبه إجماع، باعتباره اتفاقاً تم التوقيع عليه في مايو 2023. فالبحث عن حلول للأزمة السودانية لن يحقق نتائج إيجابية إذا لم يركز على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها إبعاد مليشيا الدعم السريع عسكرياً وسياسياً من معادلة المستقبل السياسي للبلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى