الجبهة الداخلية.. الضغط يولد الانفجار..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

والحرب، في عموم أسبابها وعموم نتائجها، هي واحدة من أكثر المحددات في إعادة هندسة المجتمعات وإعادة بنائها من جديد، إما على صورة تُحدث التغيير الذي استدعى المرور بمحنة الحرب واحتمال تكاليفها، أو العكس بإنتاج مجتمعات ما بعد الحرب، والتي تُبنى تلقائيًا بمنطق المنتصر والمهزوم، وبمعايير ومنطق الحرب نفسها، بحيث تحافظ على وجود واستمرار محركات الحرب وبقائها في المجتمع الجديد.

ما تراه العين المجردة، من أي انحيازات تُحدث اختلالًا في معايير الحكم، يقول بأنه ومنذ الطلقة الأولى في منتصف أبريل من العام 2023م، هنالك واقع جديد أصبح يتشكل وفقًا لأحكام الحرب وشروطها، حيث تحكم شروط الانتماء القبلي والجهوي، وتعلو على أي قيمة حداثوية أخرى يحكمها الوعي بالتعدد والتنوع، والذي كان المطلوب منه أن يكون مصدر قوة في المجتمع السوداني، وليس مصدر ضعف.

الانفصال بمعناه السياسي والقانوني، والذي يسعى النادي السياسي بمكوناته القديمة وتلك التي دخلته حديثًا وعلى أكتافها السلاح، سنجد بأن هنالك حالة إنكار كبيرة له، لأنه يمثل جزءًا من “مانفستو” ما بعد الحرب في السودان، وستجد بأن حقيبة “مساحيق التجميل” في الخطاب السياسي فيها “عطر” الوحدة و”روج” التماسك الاجتماعي، بينما الانفصال في الوجدان الوطني السوداني حسمت الحرب الاستفتاء فيه لصالح الانفصال التام، وما اللغة التي صار يتحدث بها كل من هبت عليه رياح التكنولوجيا والإنترنت، من حيث لا يعرف ولا يحتسب، إلا دلالة على أن أمر التماسك المجتمعي والوجدان الوطني الواحد قد أصبح في “خبر كان”.

 

(*) التحريض.. سطر مهم في خطاب الدولة..

 

يبقى مفهومًا جدًا بأن العقل الذي يفكر للدولة في هذا الظرف الدقيق قد هداه التفكير، على سبيل المثال، لاختيار مدرسة مخاطبة الوجدان الوطني بلغة “الكرامة”، ولا أحد يستطيع أن ينكر الأثر في ذلك من حيث الموقف من الحرب نفسها، وبالمقابل أيضًا، عند الانتقال إلى تحدي إعادة الحياة وتطبيعها، بلغة “العودة”، إلا أننا نرى بأن كل ما ذكرناه كان عبارة عن مشروعات كبيرة بدون قيود زمنية تحدد مدة وصلاحية البضاعة المعروضة في الخطاب الرسمي للدولة، بمعنى: هل خطر على بال الجهاز الرسمي سؤال: إلى أي مدى سيحافظ خطاب الدولة على تأثيره وقوته متى ما تطاول أمد الحرب وزادت تأثيراتها، في مقابل مستجدات على الأرض إن لم ينظر إليها المواطن من تلقاء نفسه، ستلح عليه الاحتياجات وتطرق عليه الباب؟

خطاب الدولة، المتمثل في وزارة الإعلام والثقافة، على سبيل المثال، وفي هذا التوقيت الدقيق والحرج من تاريخ السودان، يعيش في “عالم موازٍ” ولا يخاطب الواقع المحتقن والمنذر بحريق هو أكبر من حريق الحرب.

هنالك تعامل سطحي وركيك للعقل الرسمي عندما يتعامل، على سبيل المثال، مع أحداث شرق السودان التي تصاعدت مؤخرًا إلى الحد الذي تم فيه الإعلان عن سحب الثقة من والي ولاية كسلا، بل وإعلان عاصمة إدارية أخرى غير تلك التي تحكم منها الدولة، والتسطيح والركاكة هنا أن يتم حصر هذا الحدث داخل خارطة المشاكسات القبلية والنفوذ الاجتماعي.

الكسل الرسمي، ومنذ زمن بعيد، ظل يدفع الجهاز الرسمي للدولة لفرض ما يسمى بهيبة الدولة عن طريق القوة والعنف، كحل تراه الدولة ويؤيدها كثير من ذوي الوعي المحدود، مع أنه كحل لم ينتج إلا المزيد من التفكك والانقسام، لتخسر مؤسسات الدولة الرسمية في مقابل الروافع القبلية والاجتماعية.

ترى الدولة بأن خطابها الرسمي، الذي علقت به وصفًا على أحداث سوق “الدبة”، والتي خلفت قتلى وجرحى، وقبل ذلك الذعر والخوف، واستدعت شياطين الخطاب “المتفلت” إلى السطح، وعلقت بأنها أحداث بين تجار للمخدرات ومسلحين، نعتقد بأن هذا لا يطفئ نارًا قد تشتعل في أي توقيت، لتأكل ما تستطيع من تماسك الجبهة الداخلية.

 

(*) الاقتصاد.. وقود الغضب..

 

يجب ألا نهمل على الإطلاق مسألة “التزامن” بين تصاعد أزمة خدمات الكهرباء والمياه، وعجز وزارة الطاقة في تقديم أعذار بغير تلك التي ظلت تتهرب بها من المسؤولية عن تضرر البنية التحتية وآثار الحرب، ولم يجلس أي مسؤول فيها، ولو لمرة واحدة، في كرسي “الاعتراف” بأنه، إضافة إلى كل ما ذكر عن آثار الحرب وأضرارها، فإن هنالك قصورًا إداريًا فادحًا في الوزارة، واستهتارًا لا تخطئه العين بحق المواطن في خدمات أساسية تمس معاشه اليومي، تريد الدولة أن تتنصل منها.

يتزامن هذا مع صدور قرارات، دعونا نقول بأنها تحمل كل “جينات” القرار الحكومي إبان الحرب وقبلها، وأن “شطارة” الدولة و”فهلوة” المسؤولين تبينت فقط في مطاردة المواطن و”حلب” أي قرش يكسبه بخرط “عرق الجبين”، فها هي وزارة الطاقة يتفتق ذهنها الجشع لفرض رسوم على أنظمة “الطاقة الشمسية”، والتي ادعت، تدليسًا، بأن هذا القرار يأتي في إطار حزمة ضوابط تنظيمية.

والتنظيم، في لغة الدولة الرسمية، هو أن تطارد الحلول التي لجأ إليها المواطنون في استخدامات الطاقة الشمسية كبديل، ودليل على فقدان الأمل نهائيًا في استعادة الدولة “رغبتها” في خدمة المواطن، وهي التي تعلم علم اليقين بأن الرسم الذي أضافته على أنظمة الطاقة الشمسية ستعالجه “ميكانيزمات” السوق تلقائيًا على أكتاف المواطن المسكين، لتزيد كلفة شراء المنظومة، وليصبح الحل البديل لفشل الحكومة هو أيضًا في حكم المستحيل.

 

العقل الذي يفكر للقرار الرسمي لا يعدو حالة كونه موظف “تحصيل” لا أكثر ولا أقل، وكل ما يسيطر على عقله، بعد أن يتأبط القرار السلطوي، هو أن “حافز” التحصيل يزيد بزيادة قهر المواطن وإذلاله، بلغة السوق التي لا تعرف الرحمة.

ما حدث يجب أن تفهمه الدولة تمامًا بأنه ضغط وحمل زائد على اللزوم على المواطنين، والأمر لن يحتاج وقتها إلى خطاب سياسي “تحريضي” يمكن إسقاطه سلطويًا باتهامات العمالة والخيانة، بل ستتحرك “مناعة” الجبهة الداخلية وأجسامها المضادة لسلطة القهر، معلنة كفرها بأي خطاب للتخدير وكسب الزمن.

 

لا نعلم كم هو عدد الاجتماعات التي عقدها السيد والي ولاية الخرطوم تحت عباءة “لجنة الطوارئ”، ولا في كم مرة أصدر حضرته قرارات وتوجيهات بضمان استعادة خدمات الكهرباء والمياه، ومتى تجد أجهزته التنفيذية الوقت لتنفيذ ما يصدر من قرارات من تلك الاجتماعات، ولكننا، بالضرورة، نستطيع أن نلمس “الهمة” و”النشاط” اللذين ستهرع بهما جيوش موظفي التحصيل الرسمي لتنفيذ ما اتخذته وزارة الطاقة من قرارات بخصوص أنظمة الطاقة الشمسية، وهذا هو الطبيعي، لأنها أعدتهم فقط لهذه المهام، ولا شيء غيرها.

في مواجهة تصاعد خطاب الكراهية العنيف، يرخي القرار الرسمي عضلاته بمسكنات “اللافتات” والأجسام الفوقية التي لا تستطيع أن تصمد جولة واحدة في مواجهة تيار الفوضى الإسفيرية، الذي يجد الاستقبال والاحتضان والتسهيلات رسميًا بما يجعله مؤثرًا بشكل كبير على تماسك الجبهة الداخلية.

على الدولة أن تعلم بأن المواطن السوداني العادي الآن هو تحت ضغوط متعددة، أولها الحالة الاقتصادية حتى قبل الحرب، حيث الدخل المحدود في مقابل غول السوق الذي يتربى في حضن التضخم، وانعدام الخدمات التي تتغذى على الكسل الرسمي الحكومي، وتناسل الضرائب والجبايات اليومي، بحيث لم يعد لديه رصيد كافٍ لاحتمال قرارات حكومية فاقدة للحساسية تجاه حالة المواطن.

 

سيجد جهاز الدولة عما قريب بأنه مجرد من مساندة الجبهة الداخلية، وفاقد لتماسكها، إن لم تتحول إلى جبهة قتال يومي في الشوارع.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة تخوض حربًا ليس فقط خسارة موقع عسكري، وإنما خسارة ثقة مواطنيها. فالجبهة الداخلية لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالعدالة، والخدمات، وسيادة القانون، والخطاب الوطني المسؤول. وكل ضغط جديد يُضاف إلى كاهل المواطنين دون معالجة حقيقية للأسباب، يقرّب لحظة الانفجار التي لن يكون أحد بمنأى عن آثارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى