م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة – الجزء 16/8

مخاض الطرابيل الأخيرة و أفول مروي
من منا لم تلفته رمال البجراوية الممتدة و هي تختلط بحمرة المغيب ، حينها يتسلل إلى النفس شعور غامر بأن المكان لا يزال يهمس بأسرار الذين عبروا من هنا؛ أولئك الذين نحتوا الصخر وصهروا الحديد وتوسدوا خلود الطرابيل. إن تتبع خطى التاريخ في هذه البقعة من وادي النيل يشبه اقتفاء أثر النور في غسق الشفق، حيث لا تعلن النهايات عن نفسها بالصمت والعدم، وإنما بالتحول والصيرورة. وفي هذا الفضاء الممتد بين حضارة مروية بلغت عنان السماء، وعصور لاحقة أعادت تشكيل الوجدان السوداني، نقف اليوم عند خط فاصل تبدلت فيه العروش وتغيرت المسارات، ليروي لنا كيف تورق الحياة من جديد في ذات الأرض التي ظن البعض أنها استسلمت للنسيان.
تتحرك عجلة التاريخ بين رمال النيل وفق نواميس ثابتة؛ تولد الحضارات من رحم الفكرة، وتزدهر بالاستقرار وبناء الثقافة المادية، ثم توشك على الانتهاء حين تتغير موازين القوى وتتحول طرق التجارة ومناهل الحياة. وفي قلب السودان، شيدت مملكة مروي العظيمة، بعاصمتها البجراوية وأهراماتها “الطرابيل” الشاخصة ذات المعابد الجنائزية المتفردة، صرحاً حضارياً هندسياً صمد قروناً طويلة كحلقة وصل كبرى بين عمق القارة الإفريقية وحوض البحر الأبيض المتوسط، إلا أن كل غروب يحمل في طياته تباشير فجر جديد، والمحطة الفاصلة بين مغيب مروي وظهور ما تلاها تمثل جسراً جغرافياً وثقافياً عبرت فوقه الروح السودانية القديمة نحو تشكيلات حضارية وسياسية مغايرة.
جاء أفول مروي نتاج تحولات بيئية واقتصادية وسياسية تضافرت معاً لتضع حداً للمجد المروي القديم، فقد أنهك الرعي الجائر وقطع الأشجار المستمر لتغذية أفران صهر الحديد الغابات الكثيفة التي كانت تميز الوديان المحيطة بالأهرامات، مما أدى إلى اختلال البيئة الحاضنة للمدينة وتراجع قدرتها الإنتاجية. وتزامن هذا التدهور البيئي مع صعود قوى إقليمية جديدة غيرت خارطة التجارة الدولية، وعلى رأسها مملكة أكسوم في الهضبة الإثيوبية، والتي بدأت تفرض هيمنتها على طرق التجارة المتجهة نحو البحر الأحمر، لتنافس مروي في عقر دارها وتسلبها شريان حياتها الاقتصادي، وهو الأمر الذي توج بالملحمة الحربية الشهيرة والحملات العسكرية للملك الأكسومي عيزانا في منتصف القرن الرابع البديلادي، وتحديداً في حدود العام 350 ميلادية، ليتراجع ذلك البريق الذي سطع به ملوك عظام مثل الملك التهارقا والملكة أماني شخيتو.
ومع تضعضع السلطة المركزية في البجراوية، انفرط عقد الإمبراطورية الشاسعة، ودخلت المنطقة في مرحلة انتقالية فاصلة أطلق عليها علماء الآثار والمؤرخون فترة “الحضارة المروية المتأخرة” أو “المجموعة الحضارية (X)”، والتي امتدت تقريباً من منتصف القرن الرابع وحتى القرن السادس الميلادي. وفي هذه الحقبة الضبابية، استمر الوجود الإنساني وتواصلت اللغة والمعتقدات، وجرى إعادة إنتاج الثقافة المادية وتكييفها مع الواقع السياسي الجديد، حيث تشتتت القوة وظهرت زعامات محلية في مناطق متفرقة على طول النيل، كشفت عنها الحفريات الأثرية اللاحقة في مقابر “الكرة” و”حماداب”، لتنهض من ركام الدولة القديمة مجموعات بشرية كالنوباديين والمقريين، ممهدة الأرض، عبر مخاض عسير، لولادة كيانات جديدة استوعبت الإرث المروي القديم وصهرته في قوالب جديدة.
تشكل هذه الفترة الانتقالية الحرجة الجسر المعرفي الذي يعبر بنا من عهد الأهرامات المروية وبناء الطرابيل، نحو عصور جديدة غنية بالتحولات العقائدية والسياسية، وهي الممهد الأساسي للأجزاء القادمة التي سنبحر فيها في تاريخ ما بعد مروي، حيث نستكشف نهوض الممالك النوبية الثلاث: نوباطيا في الشمال وعاصمتها فرس، والمقرة وعاصمتها دنقلا العجوز، وعلوة في الجنوب وعاصمتها سوبا، وتحول دفة المعتقدات نحو العصر المسيحي، ثم العصر الإسلامي والتاريخ الحديث، لنرى كيف ظل الاستقرار الإنساني على ضفاف النيل مستمراً، متجدداً، وصانعاً للحضارة في كل العصور.
نواصل



