علم الدين عمر يكتب : موظفو الضباب.. من أين يأتون وإلى أين يذهبون؟ !سفارة السودان بالقاهرة وأشياء أخري!!.

حاجب الدهشة ..
من (غرائب) اللطائف في سودان اللطف الخفي والسر الجهير.. الباتع.. وجود مخلوقات إدارية لا تنتمي للخدمة المدنية ولا العسكرية.. ولا تظهر أسمائهم في كشف المرتبات.. ولا تستطيع أن تحدد لهم توصيفاً وظيفياً مهما بلغت خبرتك في دهاليز الدولة.. تراها في كل مكان.. في الوزارات.. والسفارات.. والمؤسسات.. واللجان.. والورش.. والوفود.. وحتى في الممرات المؤدية إلى المكاتب المغلقة بإحكام.. دايماً موجودين بين (بصلة) الدولة و(قشرة) المواطن..
تصل صباحاً فتجد أحدهم يخرج من مكتب وكيل الوزارة بخطوات واثقة.. أو السفير أو مدير الإدارة.. يحمل ملفاً أزرق وقلمين فخمين وهاتفاً ذكياً يلمع أكثر من قرار التعيين.. تسأل «الأستاذ ده منو؟» فيجيبك الموظف المختص بثقة أقل من ثقته: (والله ما عارف)..
المثير أن هذه الشخصيات لا تُرى أبداً وهي تؤدي عملاً محدداً.. لا تجلس على مكتب.. ولا توقّع في دفتر حضور.ولا تحمل بطاقة تعريف واضحة.. لكنها تتحرك بين المكاتب كأنها جزء من الأثاث السيادي للدولة.. تدخل من باب وتخرج من آخر.. وتصافح الجميع..ويبتسم لها الجميع.. وكأنها تحمل مفتاحاً سرياً للخزائن أو كلمة المرور الوطنية الكبرى..
في السفارات تحديداً يكون المشهد أكثر إثارة.. ترى رجلاً ببدلة أنيقة وربطة عنق متقنة.. يدخل إلى مكتب السفير مباشرة دون أن يوقفه أحد..يخرج بعد دقائق وهو يتحدث في الهاتف بلغة توحي بأن مستقبل البلد أو الإقليم كله يتوقف على المكالمة.. وحين تسأل أحد الموظفين عنه لا تجد إجابة ولا تعريف ولا هوية..
بعضهم يُقال إنه مستشار.. وبعضهم منسق.. وبعضهم موفد.. وبعضهم «متابع».. والمتابعة في السودان مهنة عجيبة.. قد تتابع مشروعاً لا تعرف بدايته.. أو لجنة لا تعرف نهايتها.. أو ملفاً لا أحد يعرف مكانه..
الأكثر طرافة أن هذه الكائنات الإدارية لا تبدو متعجلة أبداً.. تتحرك بهدوء المسؤول الحقيقي.. وتجلس في صالات الإنتظار كما لو كانت تنتظر إتصالاً من مجلس الأمن الدولي.. وإذا صادفت أحدهم في المصعد وسألته عن أي إدارة أو موظف.. وراق شكلك أو مظهرك أو عطرك له فإنه يبتسم ابتسامة غامضة ويسألك بدوره عن موضوعك وربما تولي ملفك في اللحظة والحين..
ربما تكمن عبقرية هذه الشخصيات في أنها نجحت في إختراع منطقة وسطى بين السلطة والمجتمع.. هو ليس مسؤولاً يمكن محاسبته.. ولا مواطناً عادياً يمكن تجاهله.. إنها أشبه بالأطياف اللطيفة التي تعيش على هامش الدولة..لكنها تعرف طرقها السرية أكثر من أصحاب الخرائط الرسمية..
ولو أرادت الحكومة يوماً إجراء تعداد شامل للعاملين حولها.. فستكتشف مفاجأة كبرى.. هناك جيش كامل من «موظفي الضباب» يتحركون بين المكاتب منذ سنوات.. يفتحون الأبواب المغلقة.. ويحضرون الاجتماعات.. يودعون الوفود.. ويستقبلون الضيوف.. ويكتبون الملاحظات وربما التقارير في دفاتر أنيقة.. ثم يختفون قبل أن يسألهم أحد السؤال البسيط والخطير: «أنتو بالضبط… بتشتغلو شنو؟»..
عندها فقط سيكتشف الجميع أن أكثر الوظائف رسوخاً في السودان هي الوظيفة التي لا يملك أحد تعريفاً لها.. فقط شخص موجود في اللا زمان واللا مكان واللا وظيفة..
أما سفارة السودان بالقاهرة فأحدثكم غداً عن تفاصيل نهار كامل بين صالاتها ومكاتبها التي كادت تتحول.. رغم الجمال والترتيب لنسخة أخرى من فوضى الدقي.. وشخوص الظلال..



