الدولة لا تُهزم فقط في ساحات القتال.. بل قد تُستنزف على مكاتب الانتظار

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد/ ابوباسل
الدولة لا تُهزم فقط في ساحات القتال.. بل قد تُستنزف على مكاتب الانتظار وفي طوابير الخدمات، وبين قرارات تتأخر أكثر مما ينبغي. فالرصاصة قد تهدم جداراً ، لكن القرار المرتبك قد يهدم ثقة أمة بأكملها.
السودان يدفع اليوم ثمن حرب شرسة، لكن الحرب وحدها لا ينبغي أن تُعلَّق عليها كل الأخطاء. فالحرب تفسر الدمار، لكنها لا تبرر الترهل، ولا تمنح البيروقراطية صك براءة، ولا تجعل بطء القرار فضيلة. والمواطن الذي صبر على هدير المدافع، لن يقبل أن يُرهق بصمت المكاتب، ولا أن يرى الملفات تنام في الأدراج بينما الوطن مستيقظ على ألف تحدٍّ.
السيادة ليست علماً يرفرف فوق المباني الرسمية، ولا بيانًا يُتلى أمام الكاميرات، ولا مفردةً تتزين بها الخطب. السيادة أن يشعر المواطن بأن الدولة تسبق الفوضى بخطوة، وتسبق الشائعة بالحقيقة، وتسبق المتربصين بقرارٍ لا يعرف التردد. أما الدولة التي تترك الفراغ، فإن الفراغ لا يبقى خالياً ؛ يملؤه أصحاب المصالح الضيقة، ويستثمره الانتهازيون، ويجد فيه كل عابر فرصة ليضيف إلى المشهد مزيداً من الضباب.
هناك دائماً من يبتسم كلما تعثرت الدولة. لا لأنه يحمل مشروعاً أفضل، وإنما لأن الفوضى هي البيئة الوحيدة التي تزدهر فيها الحسابات الصغيرة. لا يعلن نفسه خصماً ، ولا يرفع راية اعتراض، بل يكتفي بوضع حجر صغير في منتصف الطريق، ثم يقف على الرصيف متسائلاً في دهشة مصطنعة: من الذي أوقف القافلة؟ وكأن الطريق يعثر وحده، وكأن الأقدار هي التي تكتب تفاصيل التعثر.
وفي السياسة، ليست كل الأيدي التي تعبث ظاهرة، وليست كل الأصابع تُرى. بعض العبث يرتدي ثوب الحكمة، وبعضه يتحدث بلسان الحرص، وبعضه يختبئ خلف ركام الإجراءات حتى يظن الناس أن البطء قانون من قوانين الطبيعة. غير أن الزمن يكشف دائماً أن الصدفة لا تكرر أخطاءها بهذا القدر من الدقة.
المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة الملفات بعقلية الأمس. فالوقت الذي تتجادل فيه بعض المكاتب حول الأوراق، يكون الشارع قد كتب حكمه على الأداء. والتاريخ لا يحتفظ بمحاضر الاجتماعات، بل يحتفظ بمن أنجز، ومن تردد، ومن ظن أن الوطن يستطيع انتظار الموظفين حتى يفرغوا من ترتيب مواعيدهم.
الوطن لا يخشى خصومه بقدر ما يخشى المنطقة الرمادية؛ تلك التي لا تبني ولا تهدم، لكنها تؤجل كل شيء. هناك من يظن أن تأخير القرار نوع من الحكمة، وأن كثرة اللجان دليل على حسن الإدارة، بينما الحقيقة أن الأوطان كثيراً ما تخسر أعمارها في انتظار قرار كان يجب أن يُولد منذ الأمس.
الناس لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن المعجزات. إنها تريد دولة تُرى في أفعالها لا في شعاراتها؛ كهرباء تستقر، وخدمات تتحسن، وأسواقاً يردعها القانون، وإدارة تعرف أن كرامة المواطن ليست بنداً مؤجلاً في جدول الأعمال.
كل انتصار عسكري لا يكتمل إلا بانتصار الدولة على الفساد، وعلى الترهل، وعلى البطء، وعلى عقلية تأجيل القرارات حتى يسبقها الواقع. فالأوطان تُحمى بالسلاح، لكنها لا تُدار بالشعارات، بل بالإرادة، والكفاءة، والجرأة على اتخاذ القرار في وقته.
هذه هي هوامش السيادة… وفي الهامش أحياناً تُكتب الحقيقة التي يعجز المتن عن احتمالها، لأن الحبر الصادق لا يرفع صوته، لكنه يترك أثراً لا تمحوه الخطب، ولا تغطيه الضوضاء.



