الصحافة بين كشف الحقيقة وصون العدالة

بقلم/ بابكر دوبا
الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، وهي بحق السلطة الرابعة التي تراقب أداء الدولة، وتكشف الفساد، وتنقل الحقيقة للرأي العام، وتدافع عن حقوق المواطنين. ولكن هذه المكانة الرفيعة لا تمنحها حق إصدار الأحكام، ولا تجعلها بديلاً للنيابة أو القضاء.
للأسف، أصبحنا نشاهد في بعض المنابر الإعلامية نشر أسماء أشخاص، ومستنداتهم، وتوجيه الاتهامات إليهم، وكأن القضية قد حُسمت، بينما لم تبدأ النيابة تحقيقاتها، ولم تنظر المحكمة في الوقائع. وهذا مسار بالغ الخطورة، لأنه يهدم أحد أهم مبادئ العدالة، وهو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي.
لقد رفضنا من قبل أن تتحول لجنة إزالة التمكين، سيئة الذكر، إلى جهة تجمع بين الشكوى والتحقيق وإصدار الأحكام، لأنها تجاوزت مؤسسات العدالة. واليوم، يجب أن نرفض بنفس القدر أن تتحول بعض المنابر الإعلامية إلى محاكم موازية تصدر الأحكام على الناس عبر العناوين المثيرة، قبل أن يقول القضاء كلمته.
إذا كانت هناك أدلة أو مستندات تدين أي شخص، فمكانها الطبيعي هو النيابة العامة، فهي صاحبة الاختصاص في التحقيق، ثم تأتي المحاكم لتقول كلمتها وفق القانون. أما نشر الاتهامات على الملأ قبل اكتمال الإجراءات، فقد يدمر سمعة إنسان بريء، وربما تثبت براءته لاحقًا، لكن من يعيد إليه سمعته وكرامته؟
الصحفي الحقيقي لا يبحث عن الإثارة على حساب العدالة، ولا يبيع عناوين صاخبة بثمن كرامة الناس. قوته الحقيقية تكمن في تحري الدقة، واحترام القانون، ونقل الحقيقة كما هي، لا كما يريدها أصحاب الأجندات. كما أن الاعتذار عند الوقوع في الخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة مهنية وأخلاقية، فالصحافة التي تحاسب الآخرين يجب أن تمتلك الشجاعة لمحاسبة نفسها أيضًا.
إن قوة الصحافة لا تُقاس بقدرتها على توجيه الاتهامات، وإنما بقدرتها على كشف الحقيقة دون ظلم، وعلى محاربة الفساد دون تجاوز للقانون. فالصحافة شريك في تحقيق العدالة، وليست بديلاً عنها، ورسالتها أن تنير الطريق للرأي العام، لا أن تستبق أحكام القضاء أو تؤثر على مجرى العدالة.
لذلك، فإن احترام قرينة البراءة، وصون كرامة الناس، وإتاحة الفرصة للنيابة والقضاء للقيام بواجباتهما، هو ما يحفظ هيبة الدولة، ويعزز ثقة المواطنين في الإعلام ومؤسسات العدالة معًا. فالصحافة بين كشف الحقيقة وصون العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل مبدأ يجب أن يُمارس، لأن الأوطان لا تُبنى بالتشهير، وإنما تُبنى بسيادة القانون، واحترام الحقوق، وإعلاء قيمة العدالة.
فالصحافة القوية هي التي تكشف الحقيقة بمهنية، وتواجه الفساد بشجاعة، وتلتزم بالقانون بعدالة، لتبقى سلطةً رقابيةً تحظى باحترام الناس، لا محكمةً موازية تصدر الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته.



