أبوذر عوض الكريم يكتب : مسعد بولس.. وعنزة السياسة السودانية!

هوامش السيادة..
يبدو أن مسعد بولس أصبح أكثر معرفةً بالسودان من بعض الذين يمشون في شوارعه!
يتحدث عن الهدنة، والحكومة، ومستقبل الحكم، ومن يصلح ومن لا يصلح، وكأن المسألة في السودان تحتاج فقط إلى موظف دولي يفتح ملفاً ويضع أمامه قلم «ماركر» ويبدأ في الشطب والإضافة.
الرجل قال بوضوح إن واشنطن لا تعترف بالحكومة المدعومة من الجيش، ولا ترى مستقبلاً سياسياً للبرهان أو حميدتي، وتدفع نحو انتقال مدني. وفي الوقت نفسه تقول واشنطن إنها لا تعترف بحكومة موازية ولا تريد تقسيم السودان.
طيب يا مسعد…
نحن السودانيين عندنا سؤال صغير: من الذي سيقرر مستقبل السودان؟
نحن أم الذين يتحدثون باسمنا؟
لأن المسألة بدأت تشبه حكاية العنزة التي دخلت مجلس القوم، ثم جلست في صدر المجلس، وبعد قليل بدأت توزع المهام على الرعاة!
يا أخي نحن قلنا وساطة، ما قلنا تسليم مفاتيح البيت!
والأعجب أن بعض الساسة عندنا يتعاملون مع كل تصريح أجنبي كأنه نزل لتوه من السماء؛ يقرأونه بعناية، ثم يختلفون في تفسير الفاصلة، وبعدها يخرج علينا واحد منهم ليشرح لنا ماذا كان يقصد الأجنبي بنا!
وهنا تصبح السياسة السودانية مثل «الحلة» التي كثر طباخوها حتى صار صاحب البيت نفسه يسأل: يا جماعة، الغداء دا حق منو؟
السياسة الدولية لها مصالحها وحساباتها، وهذا مفهوم. لكن السودان ليس ملفاً إدارياً في مكتب واشنطن، ولا مشروعاً يحتاج إلى مدير خارجي.
نحن نختلف ونتجادل حول الجيش والسياسة والانتقال والسلام، وهذه قضيتنا نحن. لكن أن يتحول الخلاف السوداني إلى مناسبة يحدد فيها الآخرون شكل الدولة ومن يحكم ومن لا يحكم، فهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد وساطة.
والأطرف أن الحديث الأميركي يقول إن مستقبل النظام السياسي يجب أن يقرره السودانيون، بينما يأتي بولس في التصريحات نفسها ليحدد مسبقاً من لا مكان له في المستقبل السياسي!
يا سلام! يعني نحن نقرر… لكن بعد أن تخبرونا أولاً بمن لا نختار!
هذه أشبه بأن تقول لرجل: اختر ما تشاء من قائمة الطعام، ثم تسحب منه نصف القائمة قبل أن يبدأ!
ولعل هذا العمود هنا لا يحتاج إلى كثير من الحبر؛ فبعض التصريحات السياسية تكشف نفسها بنفسها.
أما الهدنة، فنحن لا نحتاج إلى قاموس دبلوماسي لفهمها.
أي هدنة تحمي المدنيين وتفتح الطريق للمساعدات وتوقف نزيف الدم مرحب بها.
لكن الهدنة ليست نهاية سياسية مكتوبة سلفاً، وليست بطاقة مرور إلى ترتيبات جديدة لا يعرف تفاصيلها الشعب السوداني.
واللافت أن الحديث عن الهدنة يأتي بينما القتال مستمر، والميدان نفسه لم يقل كلمته الأخيرة.
ثم تأتي القاهرة لتؤكد أن الأولوية هي وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وصون مؤسساته الوطنية.
وهنا الفرق بين الكلام عن السودان والكلام مع السودان.
نحن لا نطلب من أحد أن يحارب معنا، ولا أن يختار لنا مستقبلنا.
نطلب فقط أن تُفهم قاعدة بسيطة:
هذا السودان بلدنا.
ومن حقنا أن نحدد شكل دولتنا، ومن يحكمنا، وكيف تنتهي الحرب، وما الذي يأتي بعدها.
أما أن يأتي الوسيط حاملاً «روشتة» جاهزة، ثم يقول لنا: «اختاروا بأنفسكم»!
فهذه، يا سادة، حكاية العنزة نفسها…
تدخل المجلس ضيفة، وتخرج رئيسة مجلس الإدارة!
والله يا مسعد، نحن أهل السودان عندنا مثل يصلح لهذه الحكاية أكثر من كل بيانات السياسة:
الزول البشيل عنزة جارو، ما بديه حق يختار ليهو المراعي!
ساعدونا في إطفاء الحريق، نعم.
ساعدونا في فتح أبواب السلام، نعم.
لكن لا تدخلوا علينا بخرائط جاهزة، ثم تقولوا لنا: «أنتم أصحاب القرار».
فالضيف المحترم يعرف حدود الديوان، والسياسي الحاذق يعرف أن السودان ليس ديواناً مفتوحاً لكل من أراد أن يضع كرسيه في صدر المجلس.
*ولهوامش السيادة كلمة*
نحن لا نرفض النصيحة، لكننا نرفض الوصاية. ولا نرفض الوساطة، لكننا نرفض أن تتحول الوساطة إلى ولاية على السودان.
السودانيون قد يختلفون، وقد يطيلون الجدل حتى الصباح، لكن هذا شأنهم. فليختلف أهل البيت داخل البيت، أما مفتاح الباب فليس في جيب الوسيط.
ويا مسعد بولس… إذا كانت مهمتك أن تساعدنا على الوصول إلى السلام، فأهلاً وسهلاً.
أما إذا كانت مهمتك أن تخبرنا من يحكم السودان ومن لا يحكمه، فهنا نعيدك إلى المثل نفسه:
العنزة مرحب بها في المجلس… لكن لا تجعلوها رئيسةً للرعاة!



