علم الدين عمر يكتب : التجاني عبد القادر.. عقلٌ أكبر من المساحة التي أُعطيت له

حاجب الدهشة..


في المشهد السوداني.. بعد الحرب.. وقبلها بقليل سقطت الساحة في زمان التيه.. مجتمعياً.. وثقافياً وسياسياً.. كان ذلك التمهيد الأبرز والأكثر تأثيراً لتمرد مليشيا الدعم السريع وتفلت المكونات السياسية الهشة.. المستلبة خارجياً ومحاولاتها المستميدة لقطع خيط التواتر التاريخي للأمة السودانية.. وقد فقدنا خلال هذا العهد أسماء كبيرة وضعت بصمتها الفكرية والمعرفية.. تسربت ببطء قاتل.. دون أن ننتبه..

وربما كانت هذه واحدة من أكثر مفارقات علاقتنا السودانية بالعلماء والمفكرين.. أن نكتشف بعض قاماتنا بعد الغياب.. وأن نعرف حجم الرجل حين تصبح سيرته هي الشيء الوحيد المتاح لنا..

رحل الدكتور التجاني عبد القادر.. ضمن هذا السرب من العمالقة.

وهو المفكر والأكاديمي السوداني جهير السيرة والمسيرة.. تاركاً وراءه إرثاً علمياً وفكرياً أكبر بكثير من الصورة التي اختزلته أحياناً في السياسة..

درس الفلسفة بجامعة الخرطوم.. وحصل على الماجستير في فلسفة السياسة.. ثم الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة لندن.. وعمل أستاذاً للفكر السياسي والدراسات الإسلامية.. وتولى رئاسة قسم العلوم الإجتماعية بمركز ابن خلدون في جامعة قطر..

لكن المدهش في تجربته ليست المناصب.. المدهش في تجربة التجاني الفكرية هو اتساع الأسئلة التي اشتغل عليها.. في الدولة.. والسياسة.. والإجتماع.. والإسلام.. والقرآن.. والحداثة.. والمنهج.. والثورات وتحولات المجتمع..

من أبرز كتبه.. الفكر السياسي في القرآن المكي.. ونزاع الإسلاميين في السودان.. والمقدمة في فلسفة السياسة.. إلى جانب دراسات وأبحاث أخري كثيرة ومتموعة بالعربية والإنجليزية.. تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى.. مما أكسبها بعداً مختلفاً في التأثير والتأثر..

الأهم في تجربته أنه لم يكن مفكراً يعيش على رصيد الماضي.. فقد ظل حتى سنواته الأخيرة منتجاً وباحثاً.. مشاركاً في الدراسات الأكاديمية حول الدولة والمجتمع والسياسة وأفريقيا والنموذج الخلدوني..

وربما كان من الظلم أن نقرأ التجاني عبد القادر من نافذة السياسة وحدها..

فالسياسة كانت جزءاً من سيرته.. لكنها لم تكن سيرته كلها..

كان أستاذاً وباحثاً وكاتباً ومجادلاً فكرياً من طراز نادر.. صاحب عقل يبحث دائماً عن السؤال الكامن خلف السؤال.. وتلك ميزة الفلسفة والفلاسفة كما يقول أستاذنا حسين خوجلي..

رحل في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى مثل هذه العقول..

وربما يكون تكريمه الحقيقي ألا نكتفي بالرثاء التقليدي المنتهي بكلمات المجاملة.. بل أن نعود إلى كتبه.. نقرأه.. ونختلف معه إن شئنا..هكذا يكرم العلماء..

بأن تظل أسئلتهم حيّة..نبحث لها عن إجابات من سيرتهم..

رحم الله الدكتور التجاني عبد القادر.. وأحسن نزله.. وجعل علمه وفكره وأثره في ميزان حسناته..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى