علم الدين عمر يكتب : سيناريوهات الموقف الأمريكي.. تصعيد الضغوط أم توسيع المسار التفاوضي..!!

حاجب الدهشة..


..إنتقال عاصف..ولكنه ليس مفاجئاً أمضته الإدارة الأمريكية في المشهد السوداني اليوم.. أربكت به حتي منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتبار كل الاطراف الحالية لا تمثل الشرعية الوطنية السودانية..بالتأكيد لا يمكن لجهة أن تعتبر الدولة السودانية كلها مجرد تفصيل عابر في معادلة الحرب في السودان بهذه الطريقة (الترامبية) المختلة شكلاً ومضموناً.. ولا التعامل مع القوات المسلحة كمؤسسة طارئة على تاريخ البلاد حتى يجري تصنيفها كمجرد طرف في نزاع مسلح.. بمعزل عن طبيعة الدولة وواجباتها ومسؤولياتها..

فمنذ الخامس عشر من أبريل 2023.. تخوض القوات المسلحة السودانية معركة التصدي لاعتداءات استهدفت الدولة ومؤسساتها ومقدراتها.. وتتحمل مسؤولية الدفاع عن وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.. ومن هذه الحقيقة ينبغي أن تنطلق أي قراءة جادة للمشهد.. دون أن يعني ذلك غض الطرف عن دعوات ومقتضيات الإصلاح الوطني الشامل.. أو مصادرة حق السودانيين في بناء نظام دستوري مستقر يعبر عن إرادتهم ويحفظ مستقبل أجيالهم..

على هذه الأرضية تحديداً.. لا يمكن المرور عبوراً على تصريحات وزارة الخارجية الأمريكية التي تقول إنها تعمل على رفع الكلفة عن جميع الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الحرب في السودان.. ثم تذهب إلى القول إن القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع وقادة أي منهما لا يمثلون حكماً شرعياً ودستورياً للسودان.. هذا ليس موقفاً عادياً في سياق دبلوماسي مزدحم بالمصطلحات والتعابير.. ولا ينبغي اختزاله في كونه مجرد كرت ضغط سياسي متحرك.. حتى وإن احتمل أن تكون جزءاً من حسابات الضغط والتفاوض..

إنها رسالة تستحق أن تُقرأ بجدية.. وتفكك بعناية.. وأن نستعد للتعامل مع تداعياتها المحتملة سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً.. فثمة فرق جوهري بين ممارسة الضغط على أطراف الحرب لوقف القتال.. وبين صياغة مقاربة تضع المؤسسة العسكرية الوطنية وقياداتها في موضع واحد مع تشكيلات مسلحة أخرى.. دون تمييز كافٍ بين طبيعة المؤسسات ووظائفها ومسؤولياتها تجاه الدولة.. كما أن الحديث عن الشرعية الدستورية لا يكتمل بمجرد نفيها عن أطراف قائمة.. الحديث يقتضي إجابة واضحة عن البديل.. وعن كيفية حماية مؤسسات البلاد ومنع تحول الفراغ السياسي إلى مدخل جديد للفوضى والتفكك..

وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستهانة بالموقف الأمريكي أو التعامل معه كزوبعة مؤقتة.. المواقف الدولية قد تبدأ بتصريحات.. لكنها يمكن أن تتطور إلى أدوات ضغط وعقوبات وترتيبات تفاوضية تعيد تشكيل المشهد.. أو تزيد تعقيده.. خصوصاً عندما تتصل بشبكات الإمداد والتمويل والتسليح.. وقد شهد الملف السوداني بالفعل تحركات أمريكية استهدفت أفراداً وكيانات مرتبطة بهذه الشبكات.. بما يؤكد أن المسألة تتجاوز أحياناً حدود الخطاب السياسي إلى إجراءات عملية..

ومع ذلك.. فإن القراءة المتوازنة لا تفترض أن كل موقف أمريكي يستهدف بالضرورة إضعاف الدولة السودانية.. كما لا تمنح واشنطن حق صياغة مستقبل السودان نيابة عن شعبه.. المطلوب هو التمييز بين ما يمكن توظيفه من ضغوط دولية لوقف الحرب وتجفيف منابعها.. وبين ما قد ينطوي عليه بعض الخطاب من تسويات أو تصورات لا تراعي خصوصية الدولة السودانية وحقها في الحفاظ على مؤسساتها وسيادتها..

إن دعم القوات المسلحة في أداء واجبها الوطني.. والتأكيد على حق الدولة في التصدي للاعتداءات وحماية مقدراتها.. لا يتعارضان مع الدعوة إلى مسار سياسي ودستوري مستقر.. بل إن الحفاظ على مؤسسات الدولة هو أحد الشروط الأساسية لقيام ذلك المسار.. فالسودانيون لا ينتظرون انتصاراً عسكرياً مجرد من الأفق السياسي.. كما لا يتوقعون تسوية سياسية تتجاهل واقع الاعتداء على مؤسساته أو تساوي بين الدولة وتشكيلات مسلحة متمردة تحاول أن تنازعها سلطتها وسيادتها.. ينتظرونه فعلاً هو انتقال مسؤول من واقع الحرب إلى سلام يحفظ وحدة البلاد.. ويقتل جذور التمرد.. ويعيد بناء مؤسسات الدولة.. ويؤسس لشرعية دستورية تنبع من إرادة السودانيين..

وبذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة السودانية ليس إصدار بيان غاضب أو الاكتفاء بخطاب تعبوي في مواجهة التصريحات.. فذلك طريق تم اختباره طوال نصف القرن الماضي من عمر الدولة.. المطلوب تحرك سياسي ودبلوماسي واسع يعيد نشر الموقف الوطني على الطاولات الإقليمية والدولية.. تحرك يخاطب العواصم المؤثرة.. والاتحاد الأفريقي..والأمم المتحدة.. والدول المعنية بملف السودان.. بلغة المصالح والحقائق والقانون.. ويقدم تصوراً سودانياً واضحاً لوقف الحرب.. وحسمها.. وحماية المدنيين.. وصون السيادة.. واستعادة مؤسسات الحكم..وإطلاق عملية سياسية لا تصادرها البنادق ولا تفرضها الإملاءات الخارجية..

هذا يقتضي أيضاً مراجعة أدوات الخطاب الرسمي.. وتوحيد الرسائل.. وتفعيل الدبلوماسية السياسية والإعلامية.. والإستفادة من مراكز البحوث والرصد في قراءة التحولات الدولية واستشراف مآلاتها.. الدولة التي لا تشرح موقفها للعالم بوضوح..ولا تتحرك في الوقت المناسب لملء مساحات الإلتباس.. تترك الآخرين يرسمون صورتها ويحددون طبيعة الأسئلة المطروحة بشأنها..

أما التماسك الوطني..فلا يعني تطابق الآراء أو تعطيل الإختلاف..هو يعني الإتفاق على الحد الأدنى الذي يحفظ السودان من الإنزلاق لسيناريوهات أشد خطورة..وحدة الأرض.. وسيادة الدولة.. وحماية مؤسساتها.. ورفض تحويل معاناة السودانيين إلى أوراق تفاوضية في صراعات الآخرين.. وهو تماسك لا يكتمل بالشعارات.. ويحتاج إلى خطاب مسؤول يستوعب التباينات.. ويمنح الأولوية لمصالح البلاد العليا.. ويضع مستقبل السودان فوق الحسابات الحزبية والإصطفافات الضيقة..

إن تصريحات واشنطن.. سواء كانت مقدمة لتصعيد الضغوط أو جزءاً من مسار تفاوضي أوسع.. تضع أمام السودان اختباراً جديداً لا يحتمل التهوين ولا التهويل.. وفي الوقت ذاته.. تكشف عن ضرورة الإنتقال من رد الفعل إلى المبادرة.. ومن الاكتفاء بتفنيد المواقف إلى بناء موقف وطني قادر على التأثير فيها..

لابد من الظهور هذه المرة بمؤسسات متماسكة.. ورؤية سياسية واضحة.. ودبلوماسية تعرف ماذا تريد.. وكيف تدافع عن مصالحها.. وبأي أدوات..

والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن ليس ماذا قالت واشنطن فحسب.. وإنما ماذا أعددنا نحن لمواجهتها؟ هل نترك الآخرين يعيدون ترتيب المشهد السوداني وفق تصوراتهم.. أم نتحرك لامتلاك زمام المبادرة.. ونقدم للعالم تصوراً سودانياً واضحاً للدولة التي نريدها.. والسلام الذي نستحقه.. والمستقبل الذي لا ينبغي أن يُصاغ نيابة عنا؟..

نعود

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى