أزمة تذاكر السفر تشعل النقاشات وسط الخبراء

د. محمد الناير: مبررات الشركات لا تفيد والمخرج بالسكة حديد
د. هيثم فتحي: سياسات الحكومة الخاطئة تهدد استقرار المواطن الاقتصادية
د. الفاتح عثمان: قرارات اتحاد النقل منفردة ولا تراعى المصلحة
تقرير: أمين محمد الأمين
شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في أزمة النقل والسفريات، وسط مخاوف متزايدة من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية على حياة المواطنين، وفي هذا السياق، قدم نخبة من الخبراء والمحللين الاقتصاديين رؤى تحليلية متكاملة حول أبعاد هذه الأزمة وانعكاساتها المباشرة على حركة الأسواق والقدرة الشرائية، بالتزامن مع إعلان اتحاد غرف النقل السوداني زيادة تعريفة تذاكر السفر بين الولايات بنسبة 40% للباصات و30% للحافلات، وهو القرار الذي أشعل نقاشات واسعة حول مبررات الشركات وضغوط تكاليف التشغيل في مقابل معاناة المواطنين وغياب الرقابة الحكومية.

أعباء التشغيل
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير أن أسعار تذاكر السفر بين الولايات وصلت إلى مستويات قياسية، موضحاً أن أصحاب شركات النقل لديهم مبرراتهم في ظل الارتفاع المتزايد لأسعار الوقود، وتصاعد تكاليف الإطارات، ورداءة الطرق وما تتسبب فيه من مآسي واستهلاك سريع للمركبات. وأشار إلى أن هذه العوامل تواجه قطاع النقل بصورة ضاغطة وكبيرة.
ركود السفر
ولفت في المقابل إلى أن الأسعار الحالية المعلنة تلقي أعباءً إضافية ضخمة على كاهل المواطن الذي يواجه أصلاً ضغوطاً كثيفة في حياته ومعاشه. وأوضح أن النتيجة الحتمية لذلك تتمثل في تراجع معدلات السفر بين الولايات، حيث بات المواطنون يقتصرون على الرحلات الضرورية والمهمة فقط، مع إلغاء السفريات غير الملحة، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدل الإقبال على النقل البري.
إحياء القطارات
وشدد الدكتور الناير على أن السبب الرئيسي وراء كل هذه المشكلات يكمن في عدم إحياء وتطوير مرفق السكة حديد، رغم وجود تجارب سابقة لبعض القطارات مثل قطار الخرطوم-الجزيرة الذي جُرب قبل فترة، إلى جانب قطار الخرطوم-عطبرة. وأشار إلى الحديث القائم حالياً حول وجود أربعة قطارات في الطريق، مؤكداً أن تنشيط خطوط السكة حديد لنقل الركاب -مثل خطوط مدني وعطبرة والاتجاهات الشمالية- سيسهم بصورة جذرية في خفض تكلفة النقل.
حلول جذرية
وبين الخبير الاقتصادي أن السكة حديد تظل الوسيلة الأرخص والأقل تكلفة، نظراً لأن جراراً واحداً يمكنه سحب عدد كبير من العربات يتراوح بين 10 إلى 15 عربة، مما يجعل تكلفة التشغيل وأسعار التذاكر أقل بكثير. وخلص إلى ضرورة الاهتمام بالسكة حديد في المرحلة القادمة، ودعمها وتطويرها وإسنادها حكومياً لتشغيل عدة خطوط ربط بين الولايات، مع زيادة سرعة القطارات لتكون منافساً حقيقياً للباصات، مؤكدة أن ذلك يشكل المعالجة الجذرية الوحيدة لاستمرار مشاكل النقل البري وتصاعدها المستمر.

تراجع الجنيه
في السياق ذاته، حذر الباحث الاقتصادي، الدكتور هيثم محمد فتحي، من أن التراجع المستمر في سعر صرف الجنيه السوداني يُغيب أي استفادة حقيقية من انخفاض أسعار النفط عالمياً. وتوقع استمرار تراجع العملة المحلية أمام الدولار حتى نهاية العام، بما ينذر بزيادة جديدة يتحملها المواطن في أسعار المواصلات والسلع والخدمات. وقال في إفادته إن الزيادات الأخيرة في تعريفة النقل تعد استمراراً لسياسات الحكومة في تجاهل هموم المواطنين، معتبراً أن تكرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة يثقل كاهل المواطن ويجعله يعمل للإنفاق على الحكومة.
غياب الرقابة
وتوقع الباحث الاقتصادي أن يلحق بذلك إخفاق الحكومة في ضبط الأسعار وغياب الرقابة والتفتيش بعد أيام فقط من إعلان التعريفة الجديدة، لتترك المواطنين يواجهون مصيرهم مع الزيادات كما حدث في المرات السابقة. وأشار إلى أن ارتفاع أجور النقل ينعكس مباشرة على تكاليف التشغيل ويزيد الأعباء على المواطنين الذين يحتاجون للتنقل يومياً للوصول إلى أعمالهم ومدارسهم ومرافقهم الصحية، لافتاً إلى أن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة دفع كثيراً من المواطنين إلى السير مسافات طويلة داخل المدن.
موجة غلاء
وأوضح أن رفع تعريفة النقل وأسعار الوقود يزيد تكاليف شحن ونقل المنتجات الغذائية والبضائع، وينعكس على رفع الأسعار النهائية في الأسواق، ويمتد أثره إلى تكاليف التشغيل في القطاعات الصناعية والتجارية، ما يزيد من تكلفة الإنتاج والتمويل. وشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين إجراءات الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ودعم الفئات المتضررة، مع تدخل الحكومة لضبط السوق والتحكم في حجم المعروض من السلع الأساسية للحد من تفاقم التضخم، لافتاً إلى أن اعتماد قطاعي التصنيع والتوزيع على الوقود يجعل تأثير زيادة المحروقات مباشراً وسريعاً، حيث سيتم تحميل التكاليف الإضافية على المستهلك النهائي، وخلص إلى أن التضخم مرشح نحو الارتفاع خلال الفترة المقبلة، مما سيضع بنك السودان المركزي أمام ضرورة دراسة الأوضاع بدقة لضبط السياسة النقدية.

جهات الاختصاص
إلى ذلك، انتقد المحلل الاقتصادي، الدكتور الفاتح عثمان محجوب، قرار اتحاد غرف النقل السوداني القاضي بزيادة تعريفة تذاكر السفر بين الولايات بنسبة 40% للباصات و30% للحافلات، معتبراً أن تسعير التذاكر لا يجب أن يخضع لرغبات الاتحاد منفرداً. وقال محجوب في حديثه إن اعتماد أي زيادة يجب أن يتم عبر الجهات الحكومية المختصة بالتوافق مع اتحاد غرف النقل، وبعد إجراء دراسة حقيقية لتكلفة تشغيل الباصات في الرحلات المختلفة، تشمل تكاليف الوقود وقطع الغيار والعنصر البشري.
خيارات المعالجة
واقترح المحلل الاقتصادي خيارين لمعالجة الأزمة؛ يتمثل الخيار الأول في تدخل الدولة لاعتماد التعريفة بعد دراسة علمية دقيقة للتكاليف، بينما يتمثل الخيار الثاني في منع غرف النقل من التسعير وترك الأمر حراً ومفتوحاً لكل شركة باصات لتضع السعر الذي يحقق لها التنافسية. وأوضح أن فتح باب التنافسية بين الشركات يمنع الاحتكار وينتج أسعاراً أفضل للمستهلك، معتبراً أن قيام اتحاد غرف النقل بفرض أسعار لكل رحلة بشكل منفرد يعد تصرفاً غير سليم ولا يراعي ظروف المواطنين ولا المصلحة العامة.




