ملف خاص عن الذكرى ال62 ..أكتوبر الأخضر.. حين غنى السودان ثورته وكتب الشعر ذاكرته

الثورة التي كرّمت من ثارت عليهم.. كيف كنا وأين صرنا؟


من إبراهيم عبود إلى سر الختم الخليفة.. انتقال السلطة دون محو الدولة


حكايات صغيرة أحدثت الفارق..

من رصاصة القرشي إلى قصائد الحرية وأغنيات «أكتوبر الأخضر»


كيف انتصر المجتمع على الخوف.. وما الذي تبقى من ثورة أعادت السلطة إلى الشعب؟


لم تكتمل أكتوبر في السياسة وحدها.. فقد كان الشعر والغناء والموسيقى جزءاً أصيلاً من حضورها في الوجدان السوداني


بداية الحكايات الصغيرة..


النذير دفع الله.. تحمل مسؤولية الطالب


 

من ندوة الجامعة إلى ثورة الشارع.. رصاصة أشعلت تاريخاً

 

طالبات التمريض العالي.. تقدم المهنة على الفوضى


ميدان عبدالمنعم.. فرقاء السياسة علي جادة الوطن


محمود عزمي.. صحفي حملته الجنازة إلى قائمة الشهداء


عبدالمجيد إمام.. القاضي الذي أنقذ الموقف.. ودخل التاريخ


قراءة: علم الدين عمر


 

في ذكراها الثانية والستين.. لم تكن ثورة أكتوبر 1964 مجرد انتفاضة أسقطت نظاماً عسكرياً..ولا واقعة سياسية انتهت بخروج الفريق إبراهيم عبود من السلطة..كانت اكتوبر سانحة سودانية نادرة تلاقت فيها الجامعة والشارع والنقابات والقضاء والقيادات السياسية.. وتقدمت فيها قطاعات واسعة من المجتمع لتقول إن الدولة لا تستقيم بالقوة.. وإن شرعية الحكم هي للشعب وإرادة الناس وقدرتهم على حماية حقهم في الإختلاف والمشاركة..

السؤال الأكثر إلحاحاً.. ونحن نستعيد ذكرى أكتوبر..ليس كيف انتصر السودانيون على نظام نوفمبر 1958.. بل كيف استطاعوا في ذلك الزمن أن يصنعوا من حادثة محدودة شرارة لثورة وطنية.. وأن ينقلوا الإحتجاج من أسوار الجامعة إلى الشوارع والمؤسسات.. ثم يفتحوا الطريق أمام انتقال سياسي أعاد الحياة المدنية إلى المجال العام؟.. والأهم.. كيف انتقلنا من ذلك المشهد إلى وطن تتنازعه الحرب.. وتتمزق مؤسساته..ويبحث مواطنوه عن الحد الأدنى من الأمان والدولة؟..

بين أكتوبر الأمس والسودان اليوم مسافة طويلة.. لكنها ليست مجرد مسافة زمنية..إنها مسافة بين مجتمع استطاع أن يحشد إرادته حول مطلب وطني جامع.. وواقع أرهقته الانقسامات.. وتراجعت فيه الثقة.. وأصبحت استعادة الدولة نفسها معركة مفتوحة..

 

من ندوة الجامعة إلى ثورة الشارع.. رصاصة أشعلت تاريخاً

 

بدأت الحكاية في ظل نظام الفريق إبراهيم عبود.. الذي وصل إلى السلطة بانقلاب 17 نوفمبر 1958..وأوقف المسار البرلماني الذي أعقب الاستقلال..ومع مرور السنوات.. تراكمت الإعتراضات على الحكم العسكري..واتسعت دائرة المطالب باستعادة الحياة الديمقراطية.. حتى أصبحت الجامعات والنقابات والاتحادات المهنية ساحات أساسية للنقاش والتنظيم والمقاومة السلمية..

في مساء 21 أكتوبر 1964..كانت جامعة الخرطوم تحتضن ندوة سياسية تحولت إلى مواجهة مع السلطات.. وفي خضم الأحداث.. أُصيب الطالب أحمد القرشي طه بطلق ناري..ثم توفي.. لتتحول وفاته إلى الشرارة التي اتسع بعدها الاحتجاج.. وانتقلت القضية من محيط الجامعة إلى الشارع السوداني..

لم يكن القرشي وحده هو الذي صنع الثورة.. لكنه أصبح رمزاً لها.. لأن موته اختصر لحظة انفجر فيها التناقض بين سلطة تريد ضبط المجتمع بالقوة.. وشعب لم يعد مستعداً للتنازل عن حقه في التعبير..

توالت المظاهرات.. واتسعت المشاركة الطلابية.. وتحركت النقابات والهيئات المهنية.. وتنامى دور التجمعات المدنية في مواجهة السلطة..

لم يكن النجاح نتيجة اندفاع عاطفي لحظي بقدر ما كان ثمرة تلاقي الاحتجاج الشعبي مع التنظيم النقابي والضغط السياسي.. وصولاً إلى الإضراب السياسي والعصيان المدني اللذين ضيقا مساحة الحركة أمام النظام..

إحدى أهم دروس أكتوبر.. أن الحادثة قد تشعل الغضب.. لكن الغضب وحده لا يصنع تحولاً تاريخياً.. الذي يصنعه هو قدرة المجتمع على تحويل الألم إلى موقف..والموقف إلى تنظيم.. والتنظيم إلى إرادة عامة لا تستطيع السلطة تجاهلها..

 

بداية الحكايات الصغيرة..

النذير دفع الله.. تحمل مسؤولية الطالب..

 

من الحكايات التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية عن أكتوبر..موقف مدير جامعة الخرطوم البروفيسور النذير دفع الله..من مقتل الطالب أحمد القرشي..

مدير الجامعة أصر على تحمّل مسؤولية الطالب..وأستلم الجثمان الذي كانت القوي السياسية تنتظر إستلامه لتطوف به الشوارع وتهيج به الجماهير وتخوض به مغامرة التخريب..ولم يتعامل مع الواقعة كشأن يخص أسرة فقدت أو حادثة أمنية يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية.. لقد وضع المؤسسة التعليمية في مواجهة سؤال أخلاقي مباشر حين يُقتل أحد طلابها في سياق نشاط سياسي داخل محيطها؟..

أهمية هذه الحكاية في معناها المؤسسي..

فقدأصبحت قضية القرشي قضية عامة تجاوزت أسرته وزملاءه..واتسعت دائرة المسؤولية من الفرد إلى المؤسسة.. ومن المؤسسة إلى المجتمع..ومن المجتمع إلى الدولة..

 

طالبات التمريض العالي.. تقدم المهنة على الفوضى..

 

ومن الصور التي تتناقلها الروايات المرتبطة بأكتوبر.. قصة اختيار البروفيسور حسين سليمان أبو صالح مدير مدرسة التمريض العالي لست من طالبات التمريض للتقدم في موكب تشييع القرشي.. وهن يرتدين الزي المهني..

محولاً رمزية الزي الأبيض إلى إعلان عن حضور الضمير المهني في هذه الظروف الوطنية المضطربة..

لم تكن المهن الصحية بعيدة عن المجال العام..ولم يكن معنى المهنية محصوراً في أداء الواجب الوظيفي داخل المستشفى أو المدرسة..

ولعل الصورة التي تختزنها الحكاية أوسع من تفاصيلها.. طالبات يتقدمن في مشهد جنائزي.. لا يحملن سلاحاً ولا يرفعن شعاراً إقصائياً.. ويقدمن شهادة على أن المجتمع يستطيع مواجهة العنف بأدواته المدنية.. وبالقدرة على الوقوف في المكان الصحيح..

كانت أكتوبر.. في جانب منها.. انتصاراً للمؤسسات المدنية الصغيرة التي لا تتصدر الأخبار عادة.. لكنها صنعت الفارق في لحظة الاختبار..

 

ميدان عبدالمنعم.. فرقاء السياسة علي جادة الوطن

 

بعد تشييع القرشي إلى ميدان عبدالمنعم.. أصبحت الجنازة مشهداً وطنياً تجاوز حدود الحزن علي طالب قتل في الأحداث..الراحل الصادق المهدي.. وكان في الثامنة والعشرين من عمره تقريباً.. أمّ المصلين على الجثمان بينما تحدثت شخصيات سياسية وفكرية بارزة من بينها زعيم الإسلاميين الدكتور حسن الترابي والزعيم الشيوعي عبدالخالق محجوب..في مشهد جمع أطرافاً متباينة في الفكر والانتماء..

كانت تلك واحدة من أهم إشارات أكتوبر..أن يقف المختلفون في مواجهة قضية مشتركة من دون أن يضطروا إلى إخفاء اختلافاتهم أو التنازل عن قناعاتهم..

لم يكن الصادق المهدي والترابي وعبدالخالق محجوب ينتمون إلى مدرسة سياسية واحدة..ولم تكن بينهم رؤى متطابقة بشأن الدين والدولة والاقتصاد ومستقبل الحكم.. لكن الموقف العام أتاح لهم مساحة للالتقاء حول مطلب استعادة الحياة المدنية ورفض استمرار الحكم العسكري..

أحدثت اكتوبر الفارق بين التوافق الوطني والتطابق السياسي..فالتوافق لا يعني أن يصبح الجميع نسخة واحدة..ولا أن تُلغى التباينات الفكرية والتنظيمية.. (كما حاولت لاحقاً ما عرفت بقوي الحرية والتغيير.. قحت).. إنما أن تتحدد قضية مشتركة تتقدم على المصالح الضيقة.. وأن يتفق المختلفون على قواعد إدارة خلافاتهم..

ذلك هو الدرس الذي كثيراً ما يغيب عن السياسة السودانية.. أن فالخلاف ليس خطراً في ذاته.. الخطر أن يتحول إلى سبب لإلغاء الآخر أو إخراجه من المجال الوطني..ووتتقدم الرغبة في الانتصار الحزبي على مصلحة الدولة والمجتمع..

 

محمود عزمي.. صحفي حملته الجنازة إلى قائمة الشهداء

 

من الحكايات المرتبطة بموكب تشييع القرشي..ما يُروى عن انقلاب العربة التي كانت تقل الجثمان ومن رافقوه في طريقهم إلى منطقة القراصة بالنيل الأبيض..وما ترتب عليه من وفاة الصحفي محمود عزمي..

حضور هذه الحكاية في الذاكرة يلفت النظر إلى جانب آخر من أكتوبر.. أن الأحداث الكبرى لا يصنعها السياسيون وحدهم.. وأن الصحفيين والمواطنين والطلاب والمهنيين كانوا جزءاً من كلفة التحول ومشهده..

فالصحافة ليست شاهداً خارج التاريخ دائماً..قد يجد الصحفي نفسه في قلب الحدث.. يحمل مسؤولية نقل الحقيقة.. ويتعرض للمخاطر التي يتعرض لها الآخرون.. أهمية توثيق أسماء الذين دفعوا ثمن الحراك الوطني كأفراد لهم حيواتهم وأسرهم وأدوارهم.. الثورة التي لا تحفظ أسماء أبنائها ولا تدقق في رواياتها تترك ذاكرتها عرضة للنسيان والمبالغة معاً.. والتوثيق ليس انتقاصاً من البطولة.. بل هو ما يمنحها مكانها الصحيح في التاريخ..

 

عبدالمجيد إمام.. القاضي الذي أنقذ الموقف.. ودخل التاريخ..

 

من الصور التي تُستعاد في روايات أكتوبر موقف القاضي عبدالمجيد إمام..الذي واجه قائد القوة الشرطية خلال احتجاجات القضاة..وأمره بالانسحاب قائلاً: «أنا القاضي عبدالمجيد إمام.. آمرك بالانسحاب»..

وتتداول الروايات اسم قائد الشرطة قرشي فارس في سياق هذه الواقعة..حيث وقفت قوة البوليس مدججة باسلحتها لمنع تدفق الجماهير للقصر الرئاسي وكان في نفس الوقت تجمع القضاة والمحامين في مبني السلطة القضائية..وكان الإحتقان في أعلي درجاته كما ذكر قائد القوة الملازم قرشي فارس لاحقاً في مذكراته..كان موقف ذو مغزى مؤسسي كبير في أن القانون لا يستقيم إذا أصبح تابعاً للقوة..وأن استقلال القضاء يُختبر كذلك في المواقف ولحظات المواجهة بين السلطة والحق..

فقد استند القاضي عبدالمجيد إمام إلى شرعية وظيفته وحدود سلطة أجهزة الدولة..وأستجاب قائد القوة بذات الدوافع..فالقاضي لا يحتاج إلى سلاح كي يؤدي دوره.. بل إلى قانون نافذ ومؤسسة تحترم اختصاصه..وإلى دولة تعرف أن القوة التنفيذية ليست مطلقة…

هذا من المعاني التي جعلت أكتوبر أكثر من مجرد تغيير في رأس السلطة..فقد أعادت إلى الواجهة سؤال العلاقة بين مؤسسات الدولة.. وأجابت بأن الدولة احترمت القضاء والنقابات والجامعات.. وتعاملت مع استقلالها وقدرتها على أداء وظائفها..

 

من إبراهيم عبود إلى سر الختم الخليفة.. انتقال السلطة دون محو الدولة

 

لم تسقط حكومة الفريق إبراهيم عبود بقرار منفرد.. ولا كانت نهاية النظام نتيجة لحظة واحدة..فقد جاء التراجع تحت ضغط الشارع والإضراب السياسي والعصيان المدني واتساع رفض الحكم العسكري.. حتى انفتح الطريق أمام ترتيبات انتقالية أعادت المدنيين إلى واجهة السلطة..

توالت الخطوات السياسية في أواخر أكتوبر 1964.. وتولى سر الختم الخليفة رئاسة الحكومة في 30 أكتوبر.. قبل أن يتنحى عبود رسمياً في نوفمبر.. ثم دخل السودان مرحلة انتقالية انتهت بقيام مؤسسات دستورية وإجراء الانتخابات العامة في عام 1965..

لم تكن العملية خالية من التوترات.. ولم تختف الخلافات بمجرد رحيل النظام..لكن جوهر التحول تمثل في إمكان نقل السلطة عبر ضغط مدني واسع.. وفي إعادة الإعتبار للأحزاب والنقابات والهيئات المهنية بوصفها أطرافاً في الحياة العامة..

وتُروى عن عبود.. بعد خروجه من السلطة..حكايات عن عودته إلى حياة أكثر بساطة.. من بينها مشاهد في سوق الخرطوم 2.. وثقتها الذاكرة الشعبية بنوع من العرفان..المعنى الذي يهمنا أوسع من تلك الحكايات..أن خروج الحاكم من السلطة لا يستلزم محو وجوده الإنساني..وأن رفض سياساته لا يعني بالضرورة تحويله إلى عدو أبدي للمجتمع..

«أكتوبر كرّمت من ثارت عليهم»..لم تتنازل عن المحاسبة أو تبرئة المسؤولين عن الانتهاكات.. لكنها رفضت تحويل الانتقال السياسي إلى ثأر مفتوح.. وميزت بين المساءلة القانونية والانتقام الشخصي.. فالدولة التي تريد الخروج من الاستبداد لا ينبغي أن تستنسخ أدواته بأسماء جديدة..

 

الأسماء الكبيرة.. ثورة جمعت المختلفين ولم تُلغِ اختلافهم..

 

كانت أكتوبر ساحة التقاء لشخصيات وتيارات متباينة.. من بينها الصادق المهدي وحسن الترابي وعبدالخالق محجوب وإسماعيل الأزهري..إلى جانب النقابيين والطلاب والقضاة والمهنيين.. لم يكن هؤلاء متفقين على كل شيء.. لكنهم التقوا عند نقطة مركزية.. متعلقة برفض استمرار الحكم العسكري وضرورة استعادة المجال السياسي والمدني..

لم يكن ذلك يعني أن السودان أصبح بعد الثورة نموذجاً مثالياً للديمقراطية.. فقد واجهت التجربة المدنية صراعات حزبية وأزمات اقتصادية وخلافات حول إدارة الدولة.. وظلت مؤسسات الحكم عرضة للاختلال..كما أن الصراعات التي أعقبت أكتوبر تكشف أن إسقاط النظام ليس سوى بداية الطريق.. وأن بناء نظام مستقر يحتاج إلى قواعد دستورية راسخة.. ومؤسسات فاعلة.. وأحزاب تتجاوز الحسابات الآنية..

ومع ذلك..لا يجوز اختزال أكتوبر في إخفاقات ما بعدها.. كما لا يجوز تحويلها إلى أسطورة لا تقبل النقد.. فقيمتها التاريخية تكمن في قدرتها على إثبات أن المجتمع يستطيع استعادة المبادرة..وأن الجيش أو أي مؤسسة مسلحة لا ينبغي أن يكونا بديلاً دائماً عن السياسة..وأن الخلافات الوطنية يمكن إدارتها داخل المؤسسات المدنية..

كان السودانيون يومها مختلفين لكنهم امتلكوا مساحة مشتركة أوسع من خلافاتهم.. أما حين تتآكل المساحة المشتركة..يصبح كل اختلاف تهديد وكل خصومة مشروع إقصاء.. وتتحول الدولة إلى ساحة يتنافس فيها الجميع على السلطة بينما تتراجع قدرتها على حماية المجتمع..

 

أكتوبر الأخضر.. حين غنى السودان ثورته وكتب الشعر ذاكرته..

 

لم تكتمل ثورة أكتوبر في السياسة وحدها.. فقد كان الشعر والغناء والموسيقى جزءاً أصيلاً من حضورها في الوجدان السوداني..حتى أصبحت بعض أعمالها أكبر من مناسباتها الأولى.. وتحولت إلى ذاكرة وطنية تتناقلها الأجيال..

هذه خصوصية أكتوبر.. لم تبقَ حبيسة البيانات السياسية ومحاضر الاجتماعات وأسماء القيادات.. بل وجدت طريقها إلى الأغنية والقصيدة والمشهد المسرحي.. فحفظها الناس في أصواتهم وذاكرتهم.. وأعادوا استدعاءها كلما احتاجوا إلى استحضار معنى الحرية والأمل..

كان الشاعر محمد المكي إبراهيم أحد أبرز الأسماء المرتبطة بهذه الذاكرة..من خلال قصيدته «أكتوبر الأخضر» التي ارتبطت بأداء محمد وردي..وبقي مطلعها..«باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني»..من العلامات البارزة في الوجدان السوداني..

ولم يكن اللون الأخضر مجرد اختيار جمالي.. فقد حمل إيحاءات الأرض والنماء والحياة والمستقبل.. وأعاد وصل الثورة بمشهد السودان الواسع.. حيث النيل والزراعة والحقول وأحلام الناس البسطاء..كأن أكتوبر لم تكن انتصاراً سياسياً فحسب.. بل وعداً بأن البلاد قادرة على تجديد نفسها..وأن الحرية يمكن أن تفتح أبواباً لمستقبل مختلف..

أما محمد وردي.. فقد كان صوته واحداً من أبرز الجسور التي عبرت بها الثورة إلى البيوت والقرى والمدن..فالأغنية حين تخرج من سياقها الأول وتستقر في الوجدان.. تصبح أداة لحفظ الذاكرة.. وتمنح الحدث السياسي حياة تتجاوز زمنه..وقد أسهم وردي..بما امتلكه من حضور فني وصوت استثنائي..في تحويل معاني أكتوبر إلى تجربة سمعية وشعورية عاشها السودانيون جيلاً بعد جيل..

وفي هذا السياق.. برزت «الملحمة» المعروفة أيضاً باسم «قصة ثورة».. التي ارتبطت بالشاعر هاشم صديق والموسيقار محمد الأمين..بوصفها عملاً فنياً يستعيد مسار الثورة ويمنح أحداثها بناءً درامياً متصاعداً..لم تكن الملحمة مجرد أغنية طويلة..أو أهزوجة ..بل سردية فنية جمعت الكلمة واللحن والصوت.. وقدمت الثورة باعتبارها فعلاً جماعياً تتراكم فيه المواقف حتى تبلغ لحظة التحول..

ومن خلال هذا العمل..انتقلت أكتوبر من الوقائع المتفرقة إلى حكاية متكاملة..شارع يتحرك..وطلاب يواجهون الخوف.. ومؤسسات مدنية تستعيد صوتها.. وشعب يكتشف أن إرادته قادرة على تغيير موازين القوة..

كما ظل الفيتوري حاضراً في الذاكرة الفنية المرتبطة بالأمل والتحرر..ولا سيما من خلال قصيدته «أصبح الصبح» التي غناها محمد وردي..ورغم أن ارتباط القصيدة وجدانياً بمناخات الثورة لا يكفي وحده للقول إنها كُتبت خصيصاً لأكتوبر..فإن حضورها في الذاكرة السودانية منحها معنى يتجاوز سياقها المباشر.. فهي صوت يعلن انقشاع العتمة وإمكان استعادة الحياة..

وهكذا تداخلت أعمال محمد المكي إبراهيم وهاشم صديق والفيتوري.. وأصوات وردي ومحمد الأمين وغيرهما..في صناعة ذاكرة ثقافية لم تكتفِ بتسجيل الثورة.. بل أعادت إنتاج معناها عبر الأجيال..

لقد منحت الفنون أكتوبر قدرة على البقاء..فالتاريخ قد يُقرأ في الكتب.. لكنه يعيش أيضاً في الأغاني التي يحفظها الناس.. والقصائد التي يستعيدونها.. والحكايات التي يروونها لأبنائهم.. وحين تتعرض الذاكرة السياسية للتشويش أو النسيان..تستطيع الثقافة أن تحفظ جانباً من الحقيقة.. وأن تذكّر المجتمع بما كان قادراً على تحقيقه..

الكتابة عن «أكتوبر الأخضر» ليس استدعاءً لماضٍ غنائي جميل فحسب..وإنما استعادة لعلاقة الفن بالحرية..ولقدرة الثقافة على بناء وجدان وطني يتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية.. لقد غنى السودان ثورته..فصارت الثورة جزءاً من صوته..

من ثورة استردت المجال العام إلى وطن تمزقه الحرب..

 

 كيف كنا وأين صرنا؟

 

حين نقارن أكتوبر 1964 بالسودان الراهن..لا ينبغي أن نقع في فخ تمجيد الماضي أو جلد الحاضر..فالسودان القديم لم يكن خالياً من الأزمات..ولم تنجح التجربة الديمقراطية الأولى في معالجة كل مشكلات الدولة..كما أن الخلافات السياسية التي أعقبت الثورة أسهمت في إضعاف النظام المدني ومهدت لاحقاً لانتكاسات جديدة..

لكن الفارق الذي يستحق التأمل هو أن المجتمع استطاع.. في أكتوبر أن ينتج موقفاً وطنياً واسعاً.. وأن يستخدم أدوات مدنية سلمية لتغيير السلطة.. أما السودان الذي أنهكته الحرب الراهنة..فقد وجد نفسه أمام انهيار واسع في الأمن والخدمات والمؤسسات.. وتشريد ملايين المواطنين.. وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع..وتراجع المساحات التي تسمح بالخلاف السياسي الطبيعي..

إن المقارنة لا تهدف إلى وضع جيل في مواجهة جيل.. ولا إلى تحميل السودانيين اليوم وحدهم مسؤولية ما انتهت إليه البلاد.. فالحرب لها أسبابها ومساراتها وتراكماتها.. لكن استعادة الدولة تقتضي العودة إلى الأسئلة التي طرحتها أكتوبر:د..ما حدود السلطة؟ كيف تُحمى المؤسسات؟ كيف يُصان حق المواطن؟ وما الذي يجعل الاختلاف السياسي خلافاً يمكن إدارته..بدل أن يكون مبرراً لحمل السلاح أو إلغاء الآخر؟..

لقد أثبتت أكتوبر أن المجتمع يستطيع أن يفرض إرادته حين تتكامل أدوار الطلاب والنقابات والمهنيين والقوى السياسية..وحين تتقدم القضية الوطنية على الحسابات الفئوية.. لكنها أثبتت..بصورة غير مباشرة أيضاً أن إسقاط النظام لا يكفي إذا لم تتبعه عملية بناء مؤسسي جادة..تضمن استقرار الحكم.. وتحمي الإنتقال من الانقلابات..وتمنع احتكار الدولة بواسطة حزب أو جماعة أو قوة مسلحة..

ومن ثم..فإن استعادة أكتوبر لا تعني استنساخ ظروفها..بل استعادة جوهرها..دولة ومؤسسات وقانون وثقافة وتنوع..

أكتوبر كرمت من ثارت عليهم.. الدرس الذي لا ينبغي أن يضيع

ربما تكمن إحدى أهم دلالات أكتوبر في أن الثورة لم تجعل الانتقام برنامجاً لبناء الدولة.. لقد كانت مواجهة مع نظام عسكري وسياساته.. لكنها فتحت الطريق أمام عودة الحياة السياسية..ولم يكن هدفها المعلن محو المجتمع الذي عملت داخله السلطة السابقة أو تحويل الخلاف إلى عداوة أبدية..

غير أن هذه الفكرة تحتاج إلى ضبط دقيق فالتسامح لا يعني إسقاط الحقوق..والمصالحة لا تعني إعفاء المسؤولين من المساءلة.. ورفض الانتقام لا يعني ترك الانتهاكات بلا تحقيق..الفرق كبير بين دولة تحاسب وفق القانون.. وجماعة تنتقم باسم الثورة..وبين عدالة تحفظ الحقوق.. وثأر يعيد إنتاج العنف..

إن الثورة التي تريد بناء مستقبل مختلف لا تستطيع أن تقيم دولة القانون بأدوات الفوضى..ولا أن تستعيد كرامة الإنسان عبر إذلاله.. ولا أن تحمي التعددية بإقصاء كل من يخالفها..لكنها.. في المقابل لا تستطيع أن تتجاوز الجرائم الجسيمة من دون مساءلة عادلة وشفافة..

تتجدد قيمة أكتوبر في السودان الراهن.. فاستعادة الدولة لا تبدأ من البحث عن منتصر دائم ومهزوم دائم.. بل من الاتفاق على أن الوطن أكبر من الجماعات والأفراد.. وأن مؤسساته يجب أن تكون أقوى من نزوات السلطة..وأن المواطنين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الصراعات التي لا يملكون قرارها..

لقد كان أحمد القرشي طالباً قبل أن يصبح رمزاً وطنياً..وكان النذير دفع الله مدير جامعة قبل أن تتحول حكايته إلى درس في المسؤولية..وكانت طالبات التمريض صاحبات مهنة قبل أن تصبح صورتهن جزءاً من ذاكرة الثورة..وكان القاضي عبدالمجيد إمام ممثلاً لسلطة القانون قبل أن تستقر عبارته في الروايات المتداولة.. أما الشعراء والمغنون.. فقد منحوا تلك الفترة لغة قادرة على البقاء بعد انقضاء المظاهرات وتبدل الحكومات..

هذه التفاصيل هي التي تجعل أكتوبر أكبر من تاريخ في التقويم..إنها تقول إن التحولات الكبرى لا يصنعها قائد واحد..وإن المجتمع يستطيع أن يستعيد نفسه عندما تتلاقى فيه الشجاعة والمسؤولية والتنظيم والخيال الوطني..

بعد أكثر من ستة عقود..لا يكفي أن نردد «أكتوبر الأخضر»..ولا أن نستعيد «الملحمة» و«أصبح الصبح» في المناسبات الوطنية..المطلوب أن نمنح معاني تلك الأعمال حياة في الواقع..أن يصبح الأمل سياسة.. والحرية ممارسة.. والعدالة مؤسسات.. والوطن مساحة مشتركة وليس ساحة لتصفية الحسابات..

فالثورة التي بقيت في وجدان شعبها قصيدةً وأغنيةً وحكايةً وطنية.. لم ينتهِ دورها بانتهاء أيامها..لإنها تركت لنا امتحاناً جديداً.. هل نستطيع أن نستعيد من أكتوبر قدرتنا على حماية الدولة..واحترام الاختلاف..وصناعة الأمل؟..

تلك هي المسافة بين أن نحتفل بأكتوبر..وأن نستحقها..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى