وزير الدولة الأسبق بالخارجية والاستثمار أسامة فيصل مع (العودة)
إعادة هندسة التعاون الدولي (3-3)

دعوات لتأسيس كيان وطني مستقل لإدارة الشراكات الخارجية..
في هذا الجزء الثالث من التقرير تقترب صحيفة “العودة” من قلب التجربة التنفيذية لهذا الملف حيث لا تُطرح القضايا من زاوية التحليل أو التقييم فقط بل من داخل مؤسسات الدولة التي أدارت هذه الملفات في مراحل مختلفة.
فبعد استعراض الإشكالات المؤسسية والتقاطعات الدبلوماسية والاقتصادية، يتجه النقاش هنا إلى سؤال أكثر مباشرة: (كيف أُدير هذا الملف فعلياً؟ ولماذا تعقّد؟ وما الذي تغيّر بين الماضي والحاضر؟)
ومن خلال هذه القراءة يتناول التقرير مسار التحولات التي شهدها ملف الشراكات الخارجية، منذ وجود وزارة متخصصة، مروراً بمرحلة الدمج والتقليص، وصولاً إلى الواقع الحالي الذي تحكمه تحديات الحرب وتداعياتها. وهي زاوية تفتح الباب لفهم أعمق لطبيعة الخلل، ليس فقط في البنية بل في مسار القرار نفسه، وفي قدرة الدولة على الحفاظ على تماسك هذا الملف في ظل الضغوط المتزايدة.
تقرير معمق : نشوة أحمد الطيب
«لا يمكن إدارة ملف معقد بأدوات منهكة وذاكرة مؤسسية متكسرة.»
«تفكيك المؤسسة لم يُصلح الإدارة… بل ترك الملف بلا ذاكرة ولا مركز قرار.»
«حين يُدار الملف داخل هامش ضيق، تتحول القضايا الكبرى إلى إجراءات يومية بلا أثر استراتيجي.»
«غياب الكيان المتخصص لم يضعف الأداء فقط… بل عطّل قدرة الدولة على الفعل نفسه.»
«تعدد المرجعيات لم يُنتج مرونة… بل صنع فوضى مؤسسية كاملة.»
هيكلة الملف
يقول أسامة فيصل السيد، وزير الدولة الأسبق بالخارجية والاستثمار، ومستشار تطوير الأعمال حالياً، إن فهم ملف التعاون الدولي في السودان يقتضي الإشارة إلى أنه كان منقسماً إلى مسارين رئيسيين؛ الأول هو التعاون الدولي الذي كان يتبع لوزارة التعاون الدولي، والثاني هو إدارة التعاون الدولي بوزارة المالية، والتي تتولى متابعة الصناديق الدولية والإقليمية والعربية، وكل ما يتعلق بالجوانب المالية.
أما الجوانب الفنية، بما في ذلك العون الفني والتدريب والتعاون بين الدول، فقد كانت محصورة داخل وزارة التعاون الدولي، قبل أن يتم حلها قبل عام 2018، وتحويل مهامها إلى وزير الدولة بوزارة الخارجية، لتصبح الوزارة –دون تعديل في هيكلها أو مسماها– مسؤولة عن الملفين معاً.
أثر الحل والترشيد
يوضح فيصل أن قرار حل الوزارة جاء في إطار سياسات الترشيد وتقليص عدد الوزارات والمناصب، إضافة إلى تقليل المشاركات الخارجية، وهو ما شمل ملفات العلاقات الخارجية والتعاون الدولي معاً.
غير أن هذا التحول أدى إلى إدارة الملف في إطار ضيق، خاصة في ظل تقليص عدد الوزراء داخل وزارة الخارجية، حيث أصبح هناك وزير دولة واحد فقط، ما ضاعف من الأعباء الملقاة عليه.
ضغط المهام
ويضيف أن وزير الدولة بات يتحمل مهام متعددة، من بينها الإنابة عن وزير الخارجية في حال غيابه، وهو أمر متكرر بحكم طبيعة العمل الدبلوماسي، إلى جانب مشاركته في لجان داخلية وخارجية، ما جعل ملف التعاون الدولي لا يحظى بالاهتمام الكافي.
كما أن عملية نقل الملف من وزارة التعاون الدولي لم تكن سلسة، إذ استغرقت وقتاً طويلاً نتيجة توزيع كوادر الوزارة على جهات مختلفة، ما أضعف التراكم المؤسسي وأوجد صعوبات حقيقية في إدارة الملف.
تراجع الاهتمام
يرى فيصل أن ملف التعاون الدولي لم ينل حظه من الاهتمام طوال العقود الماضية، وتحديداً خلال السنوات التي تلت عام 2019، بسبب عدم الاستقرار السياسي واستمرار الحرب، وهو ما انعكس سلباً على فعاليته.
فرص كامنة
يشير إلى أن السودان يمتلك فرصاً كبيرة في إطار عضويته في المنظمات الدولية وعلاقاته مع الدول الشقيقة والصديقة، والتي يمكن توظيفها لتلبية احتياجاته.
ويؤكد أن التعاون الدولي لا يقتصر على تلقي الدعم، بل يشمل أيضاً تقديم الخبرات السودانية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والخدمات، للدول المجاورة، بما يعزز العلاقات ويخلق دعماً متبادلاً.
بناء العلاقات
ويضيف أن هذا النوع من التعاون يسهم في فتح آفاق أوسع للعلاقات الدولية، ويشكل نوعاً من الحماية للسودان عبر شبكة من الشراكات والدعم المتبادل مع الدول الأخرى.
تجربة سابقة
يشدد على أن فترة وجود وزارة التعاون الدولي لم تشهد إشكالات تُذكر في التنسيق، بل كانت هناك إدارة محكمة بين الوزارات، مدعومة بكوادر متميزة، من بينها الراحل الدكتور الفاتح علي صديق، الذي قاد نقلة نوعية في هذا الملف.
وقد أسهمت تلك المرحلة في وضع خطط وبرامج واضحة، وفتح فرص واسعة للتعاون مع الدول الصديقة.
العلاقة مع الصناديق
يوضح فيصل أن العلاقة مع المؤسسات المالية الدولية كانت تُدار بكفاءة عبر وزارة المالية، حيث لم تكن هناك إشكالات، بل كانت التقارير الدولية تشير إلى تعاون السودان وتقدمه في تنفيذ المشروعات.
تعقيدات الحاضر
يؤكد أن الوضع الحالي أصبح أكثر تعقيداً، خاصة بعد غياب وزارة التعاون الدولي، وزيادة الأعباء على وزارة المالية في ظل مرحلة ما بعد الحرب، التي تعد من أكثر الفترات حساسية في تاريخ السودان.
هجرة الكوادر
يلفت إلى أن الحرب أدت إلى هجرة عدد كبير من الكوادر المؤهلة، خاصة من الوزارات والمؤسسات، ما أضعف القدرة الفنية على إدارة ملفات التعاون الدولي، التي تتطلب خبرات عالية ودقة في التعامل.
تصاعد التحديات
ويرى أن إدارة الملف أصبحت أكثر صعوبة، في ظل تقليص الهياكل الحكومية، وقلة الكوادر، والاستقطاب الدولي والإقليمي، الذي زاد من تعقيد المشهد.
فقدان الفرص
يشير إلى أن السودان فقد جزءاً كبيراً من فرصه في التعاون الدولي بسبب عدم الاستقرار والحرب، مقارنة بالفترات السابقة التي كانت توفر فرصاً أفضل رغم التحديات.
الاستثمار والحرب
يؤكد أن جذب الاستثمار في ظل الحرب أمر بالغ الصعوبة، إذ إن المستثمرين يتجنبون البيئات غير المستقرة، وحتى من يقبل بالمخاطرة يفرض تكاليف عالية، ما يشكل عبئاً إضافياً.
لذلك، يرى أن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.
فرصة تاريخية
يرى أن مرحلة ما بعد الحرب تمثل فرصة كبيرة، حيث يمكن أن يصبح السودان أكبر ورشة لإعادة الإعمار في المنطقة، مع إمكانية إدخال تقنيات حديثة وإعادة تخطيط المدن والبنية التحتية.
الدبلوماسية الاقتصادية
يؤكد أن الدبلوماسية الاقتصادية لا تؤدي دورها المطلوب حالياً، بسبب انشغال وزارة الخارجية بملفات الحرب، وضيق المساحة المتاحة لهذا النوع من العمل.
استعادة الدولة
يشير إلى أن استمرار عمل مؤسسات الدولة رغم الحرب يُعد إنجازاً، رغم حجم الدمار الذي طال البنية التحتية والبيانات والمؤسسات.
الخطوة القادمة
يختتم بالتأكيد على ضرورة الاستفادة من خبرات الكوادر السابقة، واستقطاب كفاءات جديدة، ووضع خطط قصيرة وطويلة المدى، مع استغلال فرصة ما بعد الحرب لبناء شراكات جديدة.
ويرى أن هذه المرحلة تمثل فرصة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد عبر شراكات ذكية، تقودها كوادر وطنية قادرة على إدارة هذا الملف بكفاءة.
تعقيدات تراكمية وفرص مؤجلة
تكشف إفادة أسامة فيصل السيد وزير الدولة الأسبق بالخارجية والاستثمار، ومستشار تطوير الأعمال حالياً أن ما يواجهه هذا الملف اليوم ليس نتيجة ظرف طارئ بل حصيلة تراكمات ممتدة بدأت بتفكيك البنية المؤسسية، وتعمّقت مع سياسات الترشيد، قبل أن تبلغ ذروتها تحت وطأة الحرب وما أحدثته من تآكل في الكوادر وتعطّل في أدوات الدولة.
فغياب الكيان المتخصص لم يؤدِّ فقط إلى تضييق مساحة العمل، بل أسهم في إضعاف التنسيق وفقدان الذاكرة المؤسسية، في وقت أصبحت فيه إدارة الشراكات الخارجية تتطلب قدراً أعلى من الاحترافية والتكامل.
وفي المقابل، تبرز مفارقة لافتة تتمثل في أن حجم التحديات الراهنة يقابله اتساع في الفرص الممكنة، خاصة مع ما تتيحه مرحلة ما بعد الحرب من إعادة تشكيل شاملة للبنية التحتية والاقتصاد، وما يمكن أن يصاحبها من تدفق محتمل للتمويل والتكنولوجيا. وبين هذا وذاك، يبدو أن مستقبل هذا الملف سيتحدد بمدى قدرة الدولة على استعادة خبراتها، وإعادة بناء مؤسساتها، وتحويل لحظة الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو نموذج أكثر كفاءة وفاعلية في إدارة علاقاتها الدولية.
ما خلصت إليه “العودة”
تتفق مجمل الإفادات التي تضمنتها أجزاء هذا التقرير الثلاث على أن التحدي الذي يواجه السودان في إدارة الشراكات الخارجية لا يكمن في نقص الفرص بقدر ما يرتبط بغياب الرؤية الموحدة وضعف البنية المؤسسية وتشتت مراكز القرار. فبين الدعوات إلى إنشاء كيان مستقل والتنبيه إلى ضرورة توحيد الخطاب التفاوضي والتأكيد على أهمية الحوكمة والشفافية، تتشكل صورة واضحة مفادها أن هذا الملف ظل يُدار بأدوات لا تواكب تعقيداته ولا حجم الرهانات المرتبطة به.
كما تكشف هذه الرؤى أن التحولات التي شهدها الملف من التفكيك المؤسسي إلى ضغوط الحرب وهجرة الكوادر قد أضعفت قدرة الدولة على الاستفادة من فرص التعاون الدولي، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى موارد وشراكات قادرة على دعم إعادة الإعمار وإعادة بناء الاقتصاد. ومع ذلك، يبرز في المقابل إدراك متزايد بأن مرحلة ما بعد الحرب تمثل فرصة لإعادة التأسيس، ليس فقط على مستوى الهياكل، بل في طريقة التفكير وإدارة العلاقة مع العالم الخارجي.
وبين هذه التحديات والفرص، يخلص التقرير إلى أن الطريق نحو إدارة أكثر كفاءة لهذا الملف يمر عبر بناء كيان مؤسسي واضح، يستند إلى رؤية وطنية متفق عليها، ويعمل بأدوات حديثة وخطاب تفاوضي موحد، قادر على استعادة الثقة وتحويل الشراكات الخارجية من استجابة ظرفية إلى رافعة تنموية مستدامة.



