دولة “التحول الرقمي” في زمن الحرب

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

والتوصيف الأكثر دقة لهذه الحرب في السودان، في أوجهها الموضوعية، هو أنها حرب استعادة مؤسسات الدولة والحفاظ عليها، وصحيح أنه يتبادر إلى الذهن بأنه عند الحديث عن المؤسسات في زمن الحرب يعني تلقائيًا الإشارة إلى الجيش كمؤسسة معنية بقضايا الحرب والسلام، إلا أن منطق الأشياء يقول إن الحرب يصيب رصاصها مؤسسات الدولة، وتصبح استعادة الدولة بشكلها المؤسساتي حربًا داخل حرب، وفي عصر “التحول الرقمي” صار جهاز الدولة ومؤسساتها عبارة عن “قاعدة بيانات”، التحكم فيها أو امتلاك مفاتيحها أو القدرة على تحويلها إلى سياسات وقرارات هو عنصر القوة في بناء الدولة والأساس في بقائها.

وعندما تحدث السيد/ كامل إدريس، رئيس وزراء الحكومة، في خطابه الأول لتأسيس ما أطلق عليه حكومة “الأمل”، وعدّد أسماء وزاراته، وجاء على ذكر وزارة “التحول الرقمي” والاتصالات، بدا الأمر للكثيرين بأنه نوع من “رفاهية” التفكير لرجل جاء إلى مقاعد الحكم بعد أن أمضى غالبية عمره في العالم الأول، حيث لا يعيش مواطنو الدولة هناك معركة أساسيات الحياة من مأكل ومشرب كما هو الحال في دولة مثل السودان، أقعدت المشكلات حكوماته عن تقديم خدماتها على مستوى الصحة والتعليم، فكيف تكون هنالك حقيبة وزارية تُعنى بشؤون رفاه “الرقمنة” في زمن الحرب؟

(*) التحول الرقمي بين اقتصاد الطوارئ واقتصاد التنمية ..

فرضت الحرب، ومنذ يومها الأول، واقعًا اقتصاديًا مريعًا توقفت فيه عجلة الاقتصاد، وقرأ المتابعون هذا الواقع من خلال مؤشرات الأثر الاقتصادي الواضح والمباشر، إلا أن الأسئلة المتعلقة بتأثيرات الحرب غير المرئية أعطت صورة أكثر قتامة عن ضياع المعلومات وقواعد البيانات التي تحفظ حقوق الدولة قبل المواطنين، وواجهت غالبية المؤسسات الحكومية صعوبة إدارة البيانات التي تخدم القرار، وتعطل النظام المصرفي وأنظمة الاتصالات، وبالتالي “الشلل” التام في الدولة التي لم تكن تعيش “رقمنة” شاملة في إدارتها، وما زالت أغلب أنشطتها الحيوية، خاصة كانت أو عامة، حبيسة الأداء التقليدي القديم، والذي كان مجرد “عود ثقاب” واحد كافيًا لإضاعة مجهود سنوات، فما بالك باشتعال حرب كاملة أكلت الأخضر واليابس من ملفات الدولة.

الطبيعي أن اقتصاد “الطوارئ” الذي فرضته الحرب هو الأكثر حاجة للمعلومات والبيانات الدقيقة، ووجود قنوات اتصال بين هذه البيانات وسرعة الوصول إليها تتناسب مع الواقع الذي تصنعه الحرب.

في اقتصاد “التنمية” لم يعد العنصر الأساسي هو البحث عن إنتاج البترول أو الذهب واحتياطيات البنوك المركزية فقط، بل فرضت المعلومات وعلم البيانات والتحول الرقمي رأس مال جديدًا ومؤثرًا وحاكمًا في مسألة التنمية، بل وصار التحول الرقمي هو الضابط لإيقاع وتحولات الاقتصاد العالمي، ومن هذا الجانب جاءت الحاجة للتفكير عمليًا في وزارة تُعنى بالتحول الرقمي في حكومة الحرب، يعتمد عليها اقتصاد الطوارئ، ترفع عنه عبء بطء حركة المعلومات وضعف تحليلها والاستفادة منها، لتتحول إلى أثر واضح في اقتصاديات الدولة ومعاش مواطنيها.

(*) منصة “بلدنا”.. الإنجاز بصوت هادئ في ظل أصوات الرصاص

وعبر إطلاق منصة “بلدنا”، نواة مشروع الحكومة الإلكترونية، أطلقت الحكومة حزمة من الخدمات الجديدة، وذلك لزيادة كفاءة المعاملات الحكومية، العامل الحاسم فيها هو عامل “الزمن”، وهو العامل “المهمل” في حساب قيمة التكاليف في القرار الحكومي، والزمن هو وحدة قياس التكلفة المهمة لاكتشاف الفرق الذي يصنعه التحول الحكومي “رقميًا”.

كان إطلاق 28 خدمة حكومية جديدة عبر منصة “بلدنا”، وتحقيق شهادة إنجاز غير مسبوقة لعدد 100 معاملة حكومية في زمن قياسي يصل إلى 1.7 يوم بدلًا عن 20 يومًا، هو الدليل على أن الاختلال في الاقتصاد الذي صنعته الحرب تستطيع الحكومة إعادة توازنه عبر حزم خدمات منصة “بلدنا”.

واقع السودان كبلد معقد جدًا فيما يخص مطلوبات التحول الرقمي، سواء بتأهيل بيئة الاتصالات وبنيتها التحتية وتوفر الكادر المؤهل والقادر على مسايرة التحول الرقمي، وتباينات المركز في المدن والهامش، سنجد فيها الفروقات كبيرة جدًا لصالح عدم قدرة الدولة على التحول رقميًا، ونعتقد هنا بأن هذه النقطة تمثل محطة التحدي الأولى أمام أول وزير للتحول الرقمي والاتصالات في حكومات السودان، والذي هو واقع أصيل ومتجذر، ومضاف إليه واقع صنعته الحرب، وضُربت فيه كل الأساسيات التي يمكن أن يقوم عليها مشروع تحول رقمي، وزيادة نسبة المعاملات الحكومية وتحقيق أرقام قياسية في إنجاز المعاملات.

برأيي أن عبقرية الإنجاز في هذه الوزارة تأتي من خلال وجود “خطة” في زمن ظل كل العمل قائمًا على الطوارئ والارتجال في السودان، لتجيء خطة 3×3 للتحول الرقمي من وزارة التحول الرقمي والاتصالات مؤشرًا للاختلاف الذي حدث على مستوى التفكير الرسمي للدولة.

3 محاور يتم إنجازها في إطار زمني محدد بثلاثة سنوات، الهدف منها تسريع التحول الرقمي في مؤسسات الدولة وإمكانية قياسه بعيدًا عن الخطاب السياسي المليء بالوعود التي لا يمكن حساب النجاح والفشل فيها إلا من خلال خطب الوزراء الحماسية.

وهنا تكمن الفروقات بين العقل “الرقمي” الذي يقسم الأهداف ويحدد الوسائل ويعطي قيمة للزمن في الانتقال والتدرج من الخدمات والمعاملات التقليدية إلى الرقمية.

(*) رصاصة “التحول الرقمي” وأكثر من عصفور ..

وهنا مجرد التفكير في “رقمنة” الخدمات الحكومية وجعلها أحد أهداف مشروع التحول الرقمي للوزارة يجعل حالة الدولة السودانية على أعتاب اصطياد أكثر من عصفور على شجرة المشكلات في الدولة السودانية.

فنحن الذين تحدثنا عن نزيف الاقتصاد السوداني بسبب المشكلات في المعاملات الحكومية، فإن اضطلاع وزارة التحول الرقمي بمهام تحويل المعاملات الحكومية رقميًا يُعفي الحكومة، كمقدم للخدمات، من أعباء إدارية ومالية ظلت تتحملها في النظام التقليدي، ويعفي المواطن من عبء التكاليف الإضافية والزمن لإنجاز معاملاته.

يُعتبر “التحول الرقمي” واحدًا من أدوات الضبط والرقابة الحكومية على الأداء المالي والإداري، وتقليل الهدر في إيرادات الحكومة من الفساد والتهرب الضريبي، وتقليل فرص فقدان الخزانة العامة في الدولة لموارد أصيلة للاقتصاد.

الاهتمام بفكرة “التحول الرقمي” يقود تلقائيًا الحكومة لتحسين شبكات الاتصالات والإنترنت، وبالتالي بناء بنية تحتية خادمة بشكل كبير لهذا التحول، ويبدو هذا ظاهرًا بعد إعلان الوزارة بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة عن إطلاق واحد من أهم المشروعات البديلة لصعوبات التحول رقميًا في بلد بإمكانيات السودان، وهو مشروع USSD، وهي تقنية في شبكات الهاتف المحمول العادية تتيح تنفيذ أوامر وخدمات مباشرة عبر كود يُكتب على لوحة الاتصال دون الحاجة لخدمات الإنترنت، وعبرها يتم تقديم الخدمات البنكية “التحويلات/ الرصيد/ الفواتير” والاستعلامات، ومن خلال هذا المشروع يمكن تفادي مشكلات سوء وتدني خدمات الإنترنت وعدم توفرها في غالبية مناطق السودان وضعف التغطية للشبكات بشكل أسرع.

نجاح وتفعيل هذا النوع من الخدمة يدفعنا إلى تشجيع وزارة التحول الرقمي على الانفتاح على مشهد التطور في هذا المجال في العالم، خاصة “المؤتمر العالمي للهواتف المحمولة” MWC، إذ تتيح المشاركة فيه لبلدان بحال السودان فرصة عقد الشراكات والاتفاقيات والبروتوكولات التي تخدم مشروع وفكرة التحول رقميًا.

تجربة الحرب وآثارها تجعلنا نقف على مصيبة اسمها ضياع “قاعدة البيانات” الرسمية وفقدانها، وكيف أن هذا يؤثر ويؤخر عمليات استعادة مؤسسات الدولة وقدرتها، وضرورة التوجه نحو مشروعات “الحوكمة” والأمن “السيبراني”، يكون الهدف منها حماية بيانات الدولة والخدمات الرقمية وتفادي حالة “الانهيار” السريع للدولة وسيطرتها، ووضع سياسات واضحة تنظم التحول الرقمي.

في سودان ما قبل الحرب كانت هنالك مشكلات تتعلق بقضايا الهجرة والجنسية واللاجئين والهوية الوطنية، وظل هذا الموضوع محل اهتمام دون إيجاد حلول واضحة على مستوى الواقع، وتفاقمت هذه الأزمة مع الحرب، وصارت هنالك ضرورة وحاجة ماسة للاستفادة من مشروعات التحول الرقمي في بناء هوية رقمية وطنية تسهل الوصول للبيانات، وبالمقابل تسهل على الحكومة عملية إيصال الخدمات ومنع الازدواجية في الدعم، والأكثر من ذلك امتلاك الدولة ومؤسساتها لمعلومات يمكن تمليكها للصحافة والإعلام بكل وضوح وشفافية لإشراك الرأي العام فيها، بالإضافة لخدمة المشروع لمسألة إتاحة خدمات الطوارئ الرقمية والاستجابة السريعة لها في بلد تتعدد فيه الأزمات.

وهنا يجب أن نشير إلى أن قضية التحول الرقمي ليست مشروعًا في حدود الوزارة المناط بها إنفاذ هذا المشروع، بل يجب أن يكون هو أحد مشروعات إعمار الدولة السودانية وإعادة بنائها على أسس جديدة تستوعب الانتقال الكبير الذي حدث في العالم، لأن التحول الرقمي ليس مجرد خيال تقني بقدر ما أنه رهان سياسي واقتصادي في زمن الحرب، وأحد الواجهات التي تعبر عن أمن البلاد القومي وسيطرتها وقدرتها على البقاء سلمًا وحربًا.

خطوات عملية تخطو بها وزارة التحول الرقمي والاتصالات يجب أن تجد الدعم والمساندة والأفق المفتوح في استيعاب ما يمكن أن تجنيه الدولة والمواطن من خلال مواكبة الانتقال والتحول الرقمي في العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى