مدينة بين الجبال والبحر… بورتسودان.. صور باقيه في الوجدان

بقلم/ الفريق أول يحي محمد خير 

بعثة تلفزيون السودان تعود اليوم إلى الخرطوم، العاصمة التي اشتاقت لأهلها، بعد ثلاث سنوات من الحرب، كانت خلالها بورتسودان هي الحضن الآمن، والمرفأ الذي لم يغلق أبوابه، والمدينة التي فتحت قلبها قبل طرقاتها.

قرأنا مقال الوداع… مدينة بين الجبال والبحر، فاهتزت في دواخلنا صور قديمة، ومشاهد لا تموت، وأصوات لا يغطيها الزمن مهما طال.

نعم…

الله فرجو قريب يا حمدا.

بورتسودان ليست مدينة عابرة…

هي ذاكرة وطن، وملامح بشر، وتاريخ محفور بين الجبل والبحر.

هناك… في كوريا جابر…

وفي ديم سواكن…

كانت الحياة تمشي على إيقاعها الخاص، بلا تكلف ولا ضجيج، لكنها مليئة بالمعنى.

نتذكر أصواتاً قوية تخرج من صدور رجالٍ وقورين، واقفين جميعهم على ظهر عربة “تيمس” قديمة، واللوري يجري بهم في الصباح، وهم ينشدون الجلالة الحماسية:

هيّا إلى العمل… هيّا إلى العمل…

كأن المدينة كانت تستيقظ على صوت الرجولة.

ونتذكر تلك الصافرة العالية…

صافرة سفينة ضخمة تشق السماء، تعلن رحيلها بعد أن فرغت حمولتها، واستبدلتها بخيرات السودان… منتجات كاملة الدسم… كاملة الجودة… كاملة الكبرياء.

ثم صوت القطارات…

صافرات المناورة اليومية…

السكة الحديد وهيئة الموانئ… وجهان لعملة واحدة اسمها الوطن.

وفي تفاصيل المدينة الصغيرة التي لا تُنسى:

قهوة رامونا…

وعمك محي الدين في الموقف…

وكشك الملتقى… وليمون “باااارد” يطفئ حرّ الظهيرة.

ونتذكر طلاب الثانوية الحكومية، صدورهم مزينة بعلامة المدرسة:

فارس من الشرق… وعلى رأسه الخلال…

هيبة طلاب، ووقار زمن جميل.

خلف سينما الشعب…

كان هناك نادٍ عريق، رمز المدينة والوطن:

سكورتا حي العرب…

وبجواره الند التقليدي:

هلال الساحل…

هلال عماد خوجلي وأبناء كير…

ديربي المدينة الذي كان يملأ المدرجات حباً لا خصومة.

وكان يوم الخميس…

يوم الخميس وحده في محطة السكة الحديد كان مهرجاناً كاملاً…

وداع المسافرين… دموع الأمهات… وزغاريد الفرح…

مسافرون يسافرون ليكملوا أفراحهم… وآخرون يعودون بأحلام جديدة.

وفي سيارات التاكسي البنية…

كان صوت حيدر بورتسودان يأتيك من مسجل صغير، لكنه يهز القلب:

عروس البحر يا حنية…

ثم سينما الخواجة…

لوحتها الخارجية تعلن بكل بساطة:

الاثنين… الثلاثاء… إعادة

جانوار بطولة شامي كابور…

فكأن المدينة كانت تكتب فنها وذكرياتها على جدرانها.

وهناك… في ديم موسى…

كانت العربات القادمة من طوكر تقف، تحمل ما لذ وطاب من خيرات الدلتا…

خير الأرض… وخير الناس.

وفي رابطة الديوم الجنوبية…

نهائي كأس المحافظ بين الربيع والنسور…

كبري… وترتار… وعزيز… وحفوظ… وسالم… وأنور حجاج…

والجمهور ينظم نفسه بنفسه…

لا بوليس… لا أمن… فقط احترام، ووعي، ورياضة بروح المدينة.

كل هذه الصور عادت دفعة واحدة…

ونحن نقرأ وداع تلفزيون السودان للمدينة التي احتضنتهم، وأطعمتهم الأمان، وشاركتهم الخبز والملح والابتسامة في أصعب سنوات الوطن.

بورتسودان…

الثغر الحالم…

المدينة الهادئة الوادعة على سواحل البحر الأحمر الشرقية…

التي كانت في كل مرة تقول للسودانيين: أنا هنا… الوطن لا يسقط.

وداعاً يا مدينة بين الجبال والبحر…

وداعاً يا عروس البحر…

وداعاً يا بورتسودان… يا حنين الزمن الجميل.

أدروب سلام…

أر ملي سلام…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى