هل إقتربت ساعة الحسم الشامل؟ (1)..

تحركات يائسة في الوقت الضائع..

عبدالرحيم دقلو يواجه تآكلاً متسارعاً في الحواضن المجتمعية..

تفكك الحواضن القبلية… الإنهيار الصامت لمشروع آل دقلو..

إقتصاد الخوف والمال.. آخر أوراق التعبئة في معركة خاسرة..

تحالفات الميدان الجديدة..إصطفاف واسع يعيد رسم المشهد في دارفور..

تقرير تحليلي/ علم الدين عمر 

مدخل..

تحولات ما بعد الحرب..من تفكك السلاح إلى إعادة تأسيس الدولة..

 

لم تعد الحرب في دارفور مجرد صراع مسلح على الأرض والنفوذ..بل تحولت إلى إختبار لبنية الدولة وقدرتها على إعادة تعريف الدولة المركزية..فما يبدو كتجاوز لمشهد الإشتباكات وتحرك القوات..ليصل إلى عمق المجتمع السوداني —ببطء ولكن بثبات—بدأ في إعادة صياغة أولوياته.. من منطق الإحتراب إلى منطق التصالح..ومن الولاءات الضيقة إلى فكرة المشروع الوطني الجامع..

هذا التحول لا يُقرأ فقط من خلال تراجع بعض الفاعلين المسلحين.. بل من خلال تشكل وعي جمعي جديد يرفض أن تكون المجتمعات وقوداً لحروب بلا أفق..فالمبادرات الأهلية..والحوارات المجتمعية،. ومحاولات بناء مواثيق جامعة بين مكونات المجتمع تعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الصراع يعني أستنزافاً وجودياً للجميع..وفي المقابل..يتقدم إلى الواجهة تصور لعقد إجتماعي جديد..يعيد التوازن بين المركز والأطراف.. ويضع أسساً لمعالجة التشوهات التاريخية التي غذت النزاعات..

بنظرة مجردة نكتشف أن ما يجري الآن هو تلاقي مسارين..ضغط ميداني يُضعف مشاريع التفكيك من حيث أرادوا تغذيتها.. وتحول اجتماعي يدفع نحو السلام من منطلق النقطة الأخيرة أو الزاوية الأكثر حدة في مؤشرات العلوم السياسية والمجتمعية..

وبين هذين المسارين.. تتشكل فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس أكثر تماسكاً—فرصة قد لا تتكرر إذا لم تُحسن النخب والقوى المجتمعية إلتقاطها وتحويلها إلى برنامج وطني عملي..

 

أولاً..تفكك الحواضن القبلية..بداية السقوط من الداخل..

 

أخطر ما يواجه أي مشروع مسلح ليس الهزيمة العسكرية..بل فقدان الحاضنة الإجتماعية..وتشير المعطيات القادمة من دارفور إلى أن عبد الرحيم دقلو يواجه تآكلاً متسارعاً في هذا المستوى..بعد أن بدأت مكونات قبلية رئيسية في مراجعة مواقفها والنكوص عن مشروعه..

قبائل مثل البني هلبة.. والتعايشة.. والفلاتة.. والهبانية.. إلى جانب بعض بطون المسيرية.. لم تعد ترى في إستمرار الحرب مصلحة لها.. خاصة بعد أن تكشف حجم الخسائر البشرية والإقتصادية..والمجتمعية من رصيد المستقبل.. وأتسعت فجوة الثقة بين الخطاب المعلن والواقع على الأرض.. هذا التحول لا يعني فقط تراجعاً عددياً في المقاتلين.. بل إنهياراً تدريجياً متسارعاً للبيئة الإجتماعية التي كانت توفر الغطاء والإمتداد والأمداد البشري..

كما أن إبتعاد شخصيات ذات ثقل مثل الشيخ موسى هلال واللواء النور القبة..يعكس بداية تصدع في البنية الصلبة للتحالفات السابقة.. ما يضعف قدرة المشروع على إعادة إنتاج نفسه..

 

ثانياً.. إقتصاد الخوف والمال..إدارة المعركة بالأدوات القديمة..

 

في مواجهة هذا التراجع..تبدو الإستراتجيية الحالية قائمة على إستدعاء أدوات تقليدية متمثلة في الخوف.. والمال.. والذاكرة المثقلة بالصراعات..إذ تتركز محاولات التعبئة الآن على ما تبقى من مجموعات محدودة.. أبرزها “أولاد زيد”.. عبر تغذية هواجس الإنتقام وغياب الضمانات..

هذا النمط من التعبئة يعكس مأزقاً عميقاً.. لأنه يقوم على دوافع قصيرة الأجل.. ولا يؤسس لتحالفات مستقرة.. فالمجتمعات التي أنهكتها الحرب لم تعد قابلة للإنخراط بسهولة في جولات جديدة من القتال.. خاصة في ظل غياب رؤية سياسية واضحة..

وبالتالي، فإن “إقتصاد الخوف” الذي يُستخدم حالياً قد يطيل أمد الإشتباكات..لكنه لا يملك القدرة على تغيير مسارها الإستراتيجي..

ثالثاً.. تحالفات الميدان الجديدة..إعادة رسم الخريطة..

 

بالتوازي مع هذا التراجع.. يشهد الميدان تحولات نوعية تشير إلى إعادة تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية في دارفور..الحديث عن تنسيق محتمل بين قوى مختلفة—بما في ذلك مكونات قبلية وقيادات في الحركات المسلحة—يعكس إدراكاً متزايداً بأن الصراع لم يعد بين قبائل..بل بين مشروعين متناقضين..

المحور القومي يبرز كنقطة إرتكاز لهذه التحولات..مع مؤشرات على إستعدادات لعمليات أكثر تنظيماً.. وأحتمالات لانخراط قوى ذات وزن إجتماعي وعسكري ثقيل.. هذا التلاقي—إن اكتمل—قد ينقل الصراع من حالة التشتت إلى حالة الإصطفاف الأوسع.. وهو ما يسرّع من تفكك المشاريع القائمة على الانقسام..

 

رابعاً.. العقد الإجتماعي الجديد.. الفرصة الأخيرة..

 

في قلب هذه التحولات.. تبرز الحاجة إلى صياغة عقد إجتماعي جديد يعيد بناء الثقة بين المكونات المختلفة.. التجربة القاسية للحرب أثبتت أن الحلول العسكرية وحدها غير كافية.. وأن الإستقرار الحقيقي يتطلب معالجة جذور الأزمة بذات الوقت مع الحسم العسكري لمظاهر التمرد..

هذا العقد يمكن أن يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية..

 

(1)..تحييد المجتمعات المحلية عن الصراع..وضمان أمن القرى والفرقان والمسارات..

 

(2)..حماية الممتلكات والموارد.. بما يعيد الثقة بين المكونات المختلفة..

 

(3)..بناء مصالح مشتركة ..خاصة في مجالات الرعي والتجارة.. لتحويل التداخلات إلى فرص للتعاون..

إشراك القيادات الأهلية والسياسية ذات التأثير في صياغة هذا الميثاق يمنحه فرصاً أكبر للتحول إلى إطار عملي قادر على الصمود أمام الضغوط…

 

خامساً.. من التصالح المجتمعي إلى البرنامج الوطني الشامل..

 

ما يميز المرحلة الراهنة هو أن الدعوة إلى التصالح لم تعد محصورة في دارفور.. بل أصبحت جزءاً من إتجاه أوسع داخل المجتمع السوداني نحو إعادة ترتيب الأولويات..هناك إدراك متزايد بأن أي إستقرار في الأقاليم لن يكتمل دون برنامج وطني شامل يعالج إختلالات الدولة ويعزز إختراقاتها..

هذا البرنامج يجب أن يشمل..

إعادة تعريف دور السلطة المركزية كضامن للتوازن..وليس كطرف في الصراع..

إطلاق مسار للعدالة الإنتقالية يعالج المظالم التاريخية..

إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية تعكس التنوع السوداني..

إن نجاح هذا المسار يتطلب توافقاً سياسياً ومجتمعياً واسعاً.. يتجاوز الحسابات الضيقة..ويضع مصلحة الدولة في المقام الأول..

 

أخيراً..بداية النهاية… وفرصة التأسيس الجديد..

 

ما يحدث اليوم في دارفور هو أكثر من مجرد تراجع لطرف وصعود لآخر.. إنه إعادة تشكيل عميقة لمعادلات القوة والشرعية..عقب إنهيار مشروع آل دقلو الذي جرس إستخدامه كمخلب قط لمشروع تفكيك الدولة السودانية قبل أن تفشله الإرادة الوطنية..المشاريع التي قامت على الخوف والإنقسام بدأت تفقد قدرتها على الإستمرار..في مقابل صعود تدريجي لفكرة التصالح وإعادة البناء..

محاولات إعادة تعبئة ما تبقى من الحواضن الإجتماعية تبدو.. في هذا السياق.. كأنها مقاومة أخيرة لواقع يتغير بسرعة.. ومع تزايد الضغوط الميدانية والتحولات المجتمعية..تقترب لحظة الحسم—ليس فقط عسكرياً..بل سياسياً واجتماعياً..

ويبقى السؤال الأهم.. هل ينجح السودانيون في تحويل هذه المتغيرات لنقطة إنطلاق نحو دولة جديدة..أم تضيع الفرصة كما ضاعت من قبل؟..

الإجابة تتوقف على قدرتهم في تثبيت هذا التحول ضمن عقد إجتماعي متماسك..وبرنامج وطني يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والشراكة والإستقرار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى