شهادات رسمية وحقوقية تكشف الوجه الخفي للعنف ضد السودانيات
من ساحات الحرب في السودان إلى منافي اللجوء في مصر

نشوة أحمد الطيب _ العودة
سلّطت ندوة توعوية نظّمتها مبادرة «عدالتها» بالإسكندرية – عبر الفضاء الرقمي الضوء على واقع العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تتعرض له النساء السودانيات في سياق الحرب والنزوح واللجوء، وذلك بمشاركة وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية السودانية د. سليمى إسحاق ، إلى جانب خبيرات مصريات في مجالات حقوق المرأة والتنمية والحماية القانونية، وقدمت الندوة عرضاً موسعاً لانتهاكات العنف، وأدوار النساء في مناطق النزاع، والفجوات القانونية العابرة للحدود، والتحديات المجتمعية المصاحبة للنزوح، مع طرح رؤى عملية للعدالة والحماية والتعافي.
النساء في خطوط النار: أدوار إنسانية غير مرئية..
قالت وزيرة الدولة بوزارة الرعاية الاجتماعية السودانية د. سليمى إسحاق في كلمتها بالندوة إن النساء والفتيات السودانيات لعبن أدواراً محورية في مساعدة الضحايا ومرافقتهم حتى في المناطق التي تشهد حرباً مشتعلة وتهديدات أمنية مباشرة، وأوضحت أن النساء عملن في غرف الطوارئ النسوية، سواء كنّ مختصات أو غير مختصات، وقدمن جهوداً جبارة لم يحظَ معظمها بالتوثيق أو الظهور الإعلامي الكافي.
وأشارت إلى أن تقديم الخدمات الطبية جرى في ظروف شديدة الخطورة، مؤكدة أن الكوادر الطبية من أطباء وطبيبات تعرضوا لانتهاكات جسيمة وتهديدات مباشرة، خصوصاً في الخرطوم خلال الشهور الأولى من حرب عام 2023، حيث سقط عدد منهم أثناء أداء واجبهم المهني .
وأوضحت وزيرة الدولة أن العنف الجنسي استُخدم كسلاح مقصود يهدف إلى هدم النسيج الاجتماعي وإحداث شرخ نفسي عميق داخل المجتمع السوداني. وبيّنت أن آثار هذا العنف لا تقتصر على المدى القصير، بل تمتد نفسياً واجتماعياً وصحياً إلى سنوات طويلة، بل وأجيال قادمة، حتى بين من لم يشهدوا الحرب بشكل مباشر.

وأضافت أن النساء تعرضن أيضاً لما وصفته بـ«العنف الاقتصادي»، عبر منعهن من الوصول إلى الموارد، ما أفقدهن قوتهن الاقتصادية وقدرتهن على العيش بكرامة. كما استُخدم التجويع كسلاح حرب، عبر منع النساء المسؤولات عن الأمن الغذائي – رسمياً أو غير رسمي – من أداء أدوارهن، الأمر الذي أوجد فجوات غذائية حادة وهدد مناطق واسعة بالمجاعة.
وفي سياق حديثها عن معاناة الناجيات، أشارت د. سليمى إسحاق إلى تكرار قصص النجاة، مستحضرة حالة امرأة تُدعى «نادية» كانت تعاني من الاكتئاب قبل تعرضها لانتهاك جنسي، ما ضاعف من معاناتها النفسية. وأكدت أن النساء السودانيات، رغم الألم، لا يُمنحن وقتاً كافياً لاستيعاب الصدمة أو التعافي، إذ يفرض عليهن المجتمع والأسرة أدواراً متراكمة تدفعهن إلى تجاوز الألم سريعاً دون معالجة حقيقية.
وكشفت الوزيرة عن توقيع اتفاق طارئ في 15 أبريل مع الأمم المتحدة، ممثلة في المكتب الخاص بالعنف الجنسي المتصل بالنزاع، ويتضمن الاتفاق مسارات متكاملة تشمل العدالة الانتقالية، والإصلاح العدلي، والإصلاح الأمني للقوات النظامية، بهدف ضمان عدم إفلات الجناة من العقاب وعدم تكرار الانتهاكات.
وأكدت أن هذه الإجراءات تمثل أحد أوجه جبر الضرر للنساء، بمن فيهن من لن يفصحن عمّا تعرضن له، مشددة على أن الهدف النهائي هو تحقيق مكتسبات حقيقية للنساء السودانيات، تشمل العدالة والمساواة والحياة الكريمة، لتكون تجربة التعافي نموذجاً إقليمياً ودولياً.
وشددت د. سليمى إسحاق على أن السلام المجتمعي الحقيقي لن يتحقق، ولن تنتهي الحرب بسلام، ما لم تتشافَ النساء السودانيات ، وقالت إن أجساد النساء ليست سلاحاً لكسر المجتمع، بل إن النساء هن صانعات السلام الحقيقي، وأي سلام يُصنع دون إشراكهن سيظل حبراً على ورق. وأضافت أن استبعاد النساء من عمليات السلام والقرارات السياسية سيعيد البلاد إلى مربع الصراع، مؤكدة أن العدالة الشاملة وتحسين أوضاع النساء جزء لا يتجزأ من جبر الضرر.. واختتمت بالإشارة إلى شعار حملة الـ16 يوماً لهذا العام: «من أمن النساء يولد السلام».
قراءة ميدانية للعنف في سياق اللجوء..
من جهتها، قالت نهى أبو المجد، أخصائية تنمية ومشرفة ميدانية مصرية الجنسية، إن أساس المشكلة لا يكمن في النساء السودانيات، بل في مصدر العنف نفسه ، وأوضحت أن غالبية حالات العنف التي تُسجل حالياً في مصر تصدر عن رجال سودانيين، وليسوا مصريين، منتقدة التركيز المستمر على دعم الضحايا مع تجاهل محاسبة الجناة الذين يكررون أفعالهم.
وأشارت إلى غياب شبه كامل لإدماج الرجال في برامج التوعية والدعم النفسي، حيث تُوجَّه الجلسات غالباً للنساء فقط، بينما يظل دور الرجال محدوداً. وأضافت أن الحماية والبحث عن الحلول تقع دائماً على عاتق النساء، رغم أن تغيير العقليات الذكورية شرط أساسي لوقف العنف.
وأكدت نهى أبو المجد أن الحل الحقيقي يبدأ بإشراك الرجال في النقاش والتوعية، وتفكيك العقليات التي تبرر العنف. ووجهت رسالة تحذيرية مفادها أن الرجل الذي يمارس العنف ضد امرأة خارج أسرته، سينقل هذا السلوك لاحقاً إلى داخل عائلته، ليطال أمه أو أخته. وشددت على أن وقف العنف يتطلب مواجهة جذرية للسلوكيات، لا الاكتفاء بالاستجابات الإنسانية.
الفجوة القانونية والانتهاكات العابرة للحدود
وناقشت الندوة التحديات القانونية المرتبطة بالعنف ضد النساء في النزاعات، حيث أُشير إلى أن القوانين تُطبق وفق الدولة التي وقعت فيها الجريمة، رغم وجود تشريعات صارمة في معظم دول المنطقة. هذا الواقع يخلق فجوة في القضايا العابرة للحدود، خاصة عندما تقع الجريمة في السودان بينما توجد الضحية في دولة لجوء أخرى.
وطُرحت توصيات بضرورة العمل، عبر الاتحاد الأفريقي، على تطوير إطار قانوني ملزم لحماية النساء في حالات النزوح، وإنشاء منصات قانونية عابرة للحدود لدعم الضحايا.
الإبلاغ والأدلة والحماية الطبية
وتطرقت الندوة إلى أهمية سرعة الإبلاغ عن الانتهاكات، لما لذلك من أثر مباشر في تحقيق العدالة وتوفير الدعم الطبي والنفسي للضحايا، بما في ذلك الوقاية من الأمراض المنقولة. كما جرى استعراض التجربة المصرية في تلقي البلاغات عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستخدام الأدلة الرقمية، وأهمية التقارير الطبية المبكرة في إثبات الجريمة.
الأوراق الثبوتية: خط الدفاع الأول ..
بدورها، قالت أسماء فوده، أنثروبولوجية ومتخصصة في حقوق المرأة والعنف القائم على النوع الاجتماعي مصرية الجنسية ، إن غياب الأوراق الثبوتية يمثل أحد أهم أسباب تعثر العدالة، إذ يجعل الضحية «مجهولة» أمام السلطات. وأوضحت أن امتلاك كارت المفوضية أو الإقامة يمنح اللاجئات حماية قانونية ويشجعهن على الإبلاغ دون خوف.
وأشارت إلى أن غالبية حوادث العنف في مصر تُرتكب عبر الترصد من أشخاص معروفين للضحية، وأن نسباً تتراوح بين 80 و90 في المئة من الجناة من السودانيين أنفسهم. كما حذرت من انتشار البلاغات الكيدية التي تستنزف الموارد وتضر بالقضايا الحقيقية.
ما بعد الحرب: إعادة إعمار البشر..
في ختام الندوة، أجمع المشاركون على أن مواجهة العنف ضد النساء لا يجب أن تتوقف عند الاستجابة الطارئة، بل تتطلب مسارات مستدامة للعدالة والحماية والدعم النفسي والاجتماعي. وأكدوا أن إعادة إعمار السودان لا تكتمل بإعادة بناء الحجر وحده، بل تبدأ بإعادة إعمار الإنسان، وخاصة النساء، باعتبارهن حجر الأساس لاستقرار المجتمع.
وخلصت الندوة إلى أن أي سلام لا يضع أمن النساء وكرامتهن في صلبه سيظل سلاماً هشّاً، وأن العدالة للنساء ليست مطلباً فئوياً، بل شرط جوهري لتعافي المجتمع ومنع تكرار المأساة.






