كريمات أروما: بلاغ جنائي أم تضليل مؤسسي؟ معروضات تختفي وروايات تتصادم
حين لا تكون الجريمة في الضبط بل فيما تلاه

نشوة أحمد الطيب- العودة
حين لا تكون الجريمة في الضبط بل فيما تلاه
في القضايا الجنائية، تكون الحقيقة واضحة في لحظة الضبط، لكنها قد تُطمس لاحقًا بتضارب الروايات أو تضليل الرأي العام بمعلومات غير مكتملة. قضية البلاغ رقم 5 طوارئ لسنة 2024، الخاصة بضبط شحنة مستحضرات تجميل في نقطة تفتيش ريبا بمحلية أروما، تجاوزت كونها واقعة تهريب أو مخالفة لإجراءات الطوارئ، لتتحول إلى اختبار حقيقي لشفافية المؤسسات المعنية بعد ظهور إفادات متناقضة بين الشرطة والنيابة، وتصريحات صحفية منسوبة لضابط رفيع المستوى أوحت بحسم القضية، قبل أن تكشف الوقائع مسارًا مختلفًا تمامًا.
صحيفة العودة تواصلت مباشرة مع المتحري المتهم في القضية، مساعد الشرطة محمد إبراهيم مصطفى، الذي أدلى بإفادة خاصة للرأي العام، أوضح فيها موقفه من الأحداث وسرد التفاصيل كما رآها من داخل البلاغ.
واقعة الضبط: البداية التي لا خلاف حولها..
في يوم 5 يناير 2024، تم ضبط 150 كرتونة مستحضرات تجميل داخل بص سفرى متجه من مدينة بورتسودان إلى مدينة كسلا، وذلك عند نقطة تفتيش ريبا بمحلية أروما. وأفادت الوقائع الأولية بأن الشحنة أُرسلت كطرد مع سائق البص، وتم التحفظ عليها بواسطة القوة النظامية المختصة.
ورغم اكتمال أطراف الواقعة من حيث وسيلة النقل والمسار ووجود صاحب بضاعة معروف، جرى قيد البلاغ ضد مجهول، دون اتخاذ إجراءات قانونية في مواجهة سائق البص أو مالك الشحنة، وهو ما أثار منذ البداية تساؤلات قانونية حول توصيف البلاغ وسلامة قيده.
تحريز المعروضات: تسجيل رسمي ثم اختفاء..
بحسب النشر الصحفي السابق، تم تحريز المعروضات وتقييدها في دفتر المعروضات بقسم شرطة أروما، غير أن مسار القضية أخذ منعطفًا خطيرًا لاحقًا، عندما خرجت المعروضات من حيازة القسم ووصلت إلى صاحبها في مدينة كسلا، دون وجود أي أمر مكتوب من النيابة المختصة، ودون إرفاق مستند تسوية بملف البلاغ.
وعند عرض البلاغ على وكيل نيابة أروما بغرض الحفظ، تبيّن أن المعروضات المقيدة في الدفتر لم تعد موجودة، كما لم يُعثر على أي سند قانوني يبرر تسليمها، الأمر الذي دفع النيابة إلى رفع الأمر إلى رئاسة النيابة المختصة.
تدخل النيابة: توجيه بالتحقيق ثم صمت..
وصلت القضية إلى المساعد الأول للنائب العام آنذاك، الذي أصدر توجيهًا صريحًا بتشكيل تحقيق وفتح بلاغات في مواجهة كل من يثبت تورطه في التلاعب بالمعروضات. وباشرت النيابة المختصة التحقيق وأخذت أقوال عدد من منسوبي الشرطة، إلا أن نتائج هذا التحقيق لم تُعلن للرأي العام حتى تاريخه، كما لم تصدر إفادة رسمية توضح مصير التوجيه الصادر بفتح بلاغات جديدة، وهو ما أبقى القضية في دائرة الغموض القانوني.
الإفادة الرسمية للشرطة: رواية التصرف الفردي ..
في أعقاب النشر الصحفي السابق للقضية، أفاد مصدر قيادي رفيع بشرطة ولاية كسلا بأن الشرطة شكّلت مجلس تحقيق داخلي، خلص إلى أن شرطياً بالقسم قام بتسليم المعروضات تصرفًا فرديًا دون علم النيابة، وتمت محاسبته إداريًا.
غير أن هذه الإفادة أثارت تساؤلات إضافية، إذ لم تُدعّم بمستندات أو قرارات منشورة، كما لم توضح صفة الشرطي أو طبيعة المحاسبة، وتعارضت في الوقت ذاته مع مسار التحقيق النيابي الذي لم يعلن عن توجيه اتهامات جنائية واضحة.

إفادة المتحري: شهادة من داخل البلاغ ..
في تطور لاحق، أدلى مساعد الشرطة محمد إبراهيم مصطفى، المتحري في البلاغ رقم 5 طوارئ بقسم شرطة أروما، بإفادة خاصة لصحيفة “العودة” ، نفى فيها مسؤوليته عن التصرف في المعروضات، وأكد أن المعروضات وعددها 150 كرتونة تم تقييدها رسميًا في دفتر المعروضات تحت القيد 152/24 بتوقيع الرقيب المناوب عريف شرطة / بحر محمد أبو بكر وبحضور الشهود، موضحًا أنها لم تُسلم إلى أمين المخزن بل ظلت على متن عربة الشرطة، وأنه لم يصدر أي أمر قضائي أو إداري بتسليمها إلى صاحبها أو لأي جهة أخرى.
من شاهد إلى متهم إداريًا ..
أفاد المتحري بأنه تم استدعاؤه بواسطة رئيس النيابة المختصة مولانا / عمر أبو الحسن، وأُخذت أقواله كشاهد، ثم أُغلق التحقيق في مرحلته الأولى. إلا أنه عاد وأُوقف عن العمل لمدة 6 أشهر، وتمت محاسبته إداريًا، ليس بسبب تسريب المعروضات بحسب قوله، وإنما بدعوى تعاونه مع النيابة، في وقت لم يتم فيه – بحسب إفادته – تحديد الشخص الذي قام فعليًا بتسليم المعروضات أو مساءلته جنائيًا.
تساؤلات مشروعة أمام الرأي العام..
تطرح القضية جملة من الأسئلة التي لم تجد إجابة واضحة حتى الآن، من بينها كيفية خروج المعروضات من القسم دون إذن نيابي، ولماذا لم يُفتح بلاغ في مواجهة سائق البص أو صاحب البضاعة منذ البداية، وما إذا كانت المعلومات الصحفية التي نُقلت عن مصدر رفيع قد قدمت صورة غير دقيقة للنيابة العامة والرأي العام حول حقيقة ما جرى، ولماذا لم تصدر الجهات المختصة أي إفادة رسمية بشأن القضية مع مراعاة الحديث عن مسار التحقيق بشفافية للرأي العام؟ وهل كان المصدر الرفيع الذب أدلى بإفادات صحفية خاصة والتي نشرت ضمن مقالات صحفية خاصة مفصلة يعد الناطق الإعلامي الرسمي للجهات المعنية بالتصريحات أم مجرد رتبة لها يد في مسار القضية؟ وكيف تم التوصل إلى نتائج ما أسمي بالتصرف الفردي الذي صرح يه المصدر؟ هل جاء ذلك بعد تحقيق شامل تم خلاله مساءلة جميع الجهات المعنية في القضية وأولها رئيس قسم شرطة أروما ومكتب البلاغات أم أنه اقتصر على تحقيق إداري داخلي خاص بالشرطة فقط.
ملف لم يُغلق بعد ..
قضية البلاغ رقم 5 طوارئ 2024 “كريمات أروما” تظل حتى اليوم ملفًا مفتوحًا، لا يتعلق فقط بتسريب معروضات، بل بكيفية إدارة البلاغات الجنائية، وحماية مسار العدالة من التضليل، وضمان ألا تُحمّل المسؤولية لأفراد دون آخرين. وبين رواية الشرطة، وإفادات النيابة، وشهادة المتحري، تبقى الحقيقة الكاملة غائبة، في انتظار تحقيق شفاف يُنهي الجدل ويضع حدًا لتناقض الإفادات ويعيد الثقة في أن القانون لا يُدار بالروايات، بل بالوقائع.



