بين «سكاي نيوز» عربى.. انجليزى.. انفصال يفضح الحقيقة و«ورقة طلاق» تسقط قناع المهنية

بقلم/ محمد فؤاد عيد

في خطوة وصفتها أوساط الإعلام الدولي بأنها «الأكثر دلالة وصرامة» في تاريخ المؤسسات الإخبارية الحديثة، أعلنت الإدارة المركزية لشبكة «سكاي نيوز» في لندن إنهاء شراكتها الاستراتيجية مع «سكاي نيوز عربية»، وسحب العلامة التجارية والترخيص بالكامل من مقرها في أبوظبي.

القرار — الذي لُقب بـ «الصفعة الكبرى» واعتُبر بمثابة «ورقة طلاق بائن» – لم يكن مجرد إجراء إداري أو خلاف تجاري، بل كان تتويجًا لسلسلة من الفضائح والانحرافات المهنية التي حولت القناة العربية من منصة إخبارية تدعي الحياد إلى أداة دعاية مكشوفة، ووضعت حدًا لتناقض صارخ أصبح يُنظر إليه كعيب يلحق بسمعة الشبكة العالمية بأكملها.

وبذلك انهارت الشراكة التي استمرت لأكثر من عقد بين عملاق البث البريطاني “سكاي” وقناتها الناطقة بالعربية، وسط اتهامات مدوية بممارسة “الصحافة الصفراء” والانحياز لقوات متهمة بارتكاب جرائم حرب وتقديم تقارير منحت غطاءً لـ”تبييض الإبادة الجماعية” في السودان.

وقد وصفته صحيفة «الجارديان» البريطانية بأنه قرار «صاعق»، تخلى فيه الجانب البريطاني عن أرباح سنوية تقدر بنحو 150 مليون دولار مؤكدًا أنه إدانة علنية لممارسات وصفتها لندن بأنها «انتهاك لأبسط معايير المهنية».

*شبكتان.. وحقيقتان متناقضتان*

منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها التغطية للأزمة السودانية، ظهر للعيان أننا أمام «شبكتين» لا شبكة واحدة لكل منهما لغة مختلفة ومعايير متباينة ورؤية للواقع لا تمت لبعضها بصلة رغم أنهما تحملان الاسم ذاته. الفرق لم يكن مجرد اختلاف في زاوية النظر أو طريقة الصياغة بل كان انفصالًا كاملاً بين الحقيقة كما تنقلها النسخة الإنجليزية وبين الرواية الموجهة التي تروج لها النسخة العربية.

ففي حين التزمت «سكاي نيوز الإنجليزية» – من مقرها الرئيسي في لندن – بأبجديات العمل الصحفي، وقامت بتغطية الأحداث وفقًا للمعايير الدولية وثقت تقاريرها جرائم الحرب، وتحدثت بوضوح عن المجازر المروعة، وانتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة ووصفت ما تقوم به ميليشيا «الدعم السريع» بأنه عدوان مسلح وعملية نهب منظمة وتهجير قسري بدعم خارجي متطابقة بذلك مع تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، كانت التقارير هناك تنقل معاناة المدنيين وتسمي الأشياء بمسمياتها دون مواربة.

وعلى الجانب الآخر كانت «سكاي نيوز عربية» تسير في اتجاه معاكس تمامًا لتتحول إلى ما يشبه «الناطق الرسمي» للميليشيا وقادتها. وعلى مدار السنوات الماضية، تبنت القناة خطًا تحيزيًا صارخًا، عملت من خلاله على تلميع صورة محمد حمدان دقلو ومن معه وتقديمهم وكأنهم «قوة ثورية» أو «مدافعون عن المهمشين» في محاولة ممنهجة لطمس حقيقتهم المتمثلة في تاريخ دموي من القتل والخراب. بل تجاوزت الحدود حين قامت بتقليل حجم الكوارث الإنسانية والتشكيك في رواية الجيش والشعب السوداني، وبث تقارير كاذبة ادعت فيها «الاستقرار» في مدن دُمرت بالكامل، مما دفع الحكومة السودانية لحظرها رسميًا ووصفها بأنها «أداة إعلامية لتنفيذ أجندات معادية».

*فضائح كبرى.. قصمت ظهر الشراكة*

هذا التناقض الصارخ تحول إلى فضيحة مهنية كبرى بلغت ذروتها في وقائع هزت الثقة في القناة، وكان أبرزها ما عُرف بـ «فضيحة تسابيح مبارك». في مشهد هزَّ الأوساط الإعلامية وقفت مراسلة القناة في مدينة الفاشر المحاصرة، تلتقط صورة تذكارية مع قائدة في قوات الدعم السريع متهمة بالتحريض على العنف الجنسي، وتهمس في أذنها: «نحن معكِ». وكشفت التحقيقات لاحقًا أن المراسلة متزوجة من مسؤول كبير في حكومة الميليشيا الموازية ومع ذلك نقلت رواياتهم كما هي دون تمحيص، وتجاهلت شهادات الضحايا، في واقعة وُصفت بأنها «أكبر انحراف عن القواعد الأخلاقية» في تاريخ الإعلام.

*فاشرالسلطان*

ولم تكن واقعة «تغطية الفاشر» ببعيدة عن ذلك، حين بثت القناة تقريرًا كاذبًا زعمت فيه أن المدينة «آمنة وتشهد استقرارًا» بينما كانت الميليشيات ترتكب فيها واحدة من أبشع المجازر في القرن الحادي والعشرين، في تضليل متعمد وصفته تقارير بريطانية بأنه «تجاوز لكل الخطوط الحمراء». وإلى جانب ذلك، وثقت تقارير مستقلة أن القناة تعمدت حذف أو تشويه أي معلومة تدين الميليشيا، ونقلت فقط ما يخدم رواية الداعمين الخارجيين، مما جعلها في نظر الرأي العام «أكثر القنوات تحيزًا وتضليلًا» في تغطية السودان.

*روايتان لقرار الانفصال*

حيث انقسم الطرفان حول تفسير سبب الانهيار بين روايتين متناقضتين:

*الرواية البريطانية: بحسب صحف «الجارديان» و«التلغراف»، قررت «سكاي» الأم التخلي عن أرباح العقد مبكرًا لحماية سمعتها بعد أن أصبحت التغطية مصدر إحراج قانوني وأخلاقي وكان القرار «عقابًا تحريريًا» قبل أن يكون تصفية أعمال بعد أن وصلت القيادة البريطانية لقناعة بأن القناة تحولت إلى «منبر دعائي لحليف سياسي».

الرواية الإماراتية: عبر مسؤولين سابقين في القناة، وُصف القرار بأنه مجرد «إعادة هيكلة استثمارية» بناءً على انتهاء العقد المقرر أصلاً في مايو 2027. لكن المراقبين يشيرون إلى أن توقيت القرار المفاجئ وحجم الغضب البريطاني ينفيان هذه الرواية تمامًا.

*ماذا تبقى من «سكاي نيوز عربية»؟*

عمليًا، انتهى الوضع إلى ما يشبه «صفقة ترخيص اسم فقط». فاعتبارًا من مايو 2026، تم فك الارتباط الكامل: لم تعد «سكاي» البريطانية تملك أي حصة أو دور تشغيلي أو إداري وتعمل القناة اليوم تحت إدارة إماراتية كاملة، حيث تدفع الجهة المالكة رسومًا فقط لاستخدام الاسم التجاري، ولكن دون أي إشراف تحريري بريطاني.

وبذلك أصبحت القناة كيانًا خليجيًا بحتًا يحمل غلافًا غربيًا، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ التحالفات الإعلامية. ورغم رحيل فريق التحرير البريطاني بالكامل، إلا أن الوجوه والسياسات التي أدت للأزمة لا تزال مستمرة؛ فالمراسلة التي احتضنت قادة الميليشيا لا تزال على الهواء، والخط التحريري الموجه لم يتغير.

*خلاصة لابد منها درس في زمن التضليل:*

ما بدأ كقصة عن انتهاك مهني تحول إلى فضيحة كشفت عن علاقات خلف الكواليس بين الإعلام والفاعلين في النزاعات ويمكن القول إن حرب السودان لم تكن السبب الوحيد للانفصال، لكنها كانت بلا شك الاختبار الحقيقي الذي كشف حقيقة الاستقلالية التحريرية وكيف تتقاطع المصالح السياسية مع رسالة الإعلام.

لقد أكدت هذه التجربة ما كان يعرفه السودانيون جميعًا: أن «سكاي نيوز عربية» لم تعد إعلامًا، بل سلاحًا في يد من يمولها، وأن الفرق بينها وبين شقيقتها الإنجليزية هو بالضبط الفرق بين الحقيقة والكذب، بين الموضوعية والدعاية واليوم وبعد أن صدرت «ورقة الطلاق» وأصبحت الفضيحة عالمية لم يعد أمامها سوى وجهها الحقيقي: منصة لا علاقة لها بالمهنية ولا تمت بصلة لما كانت تدعيه من «حياد ومصداقية” وأثار الموضوع نقاشًا أوسع حول استقلالية وسائل الإعلام العابرة للحدود عندما تكون مرتبطة باستثمارات أو حكومات منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في نزاعات إقليمية.

*زوال الاقنعة :*

وفي النهاية، تبقى هذه الواقعة دليلاً جديدًا على أن الحقيقة لا يمكن دفنها، وأن كل من يحاول تزييف الواقع لخدمة مشاريع العدوان، سينكشف أمره عاجلاً أم آجلاً. وسيبقى التاريخ يسجل بحروف واضحة: هنا سقطت قناة، لأنها اختارت أن تكون في صف القتلة، لا في صف الحقيقة والشعب.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى