“لجنة” قومية للتعليم.. القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولعل عبقريات هتاف الشارع السوداني كثيرة، وتعبر عن عقل سياسي فيه شيء من الوعي والإدراك بشكل كبير، ولو أننا في هذا السياق أخذنا هتاف “لا تعليم في وضع أليم”، فإننا بالضرورة نقف أمام تلخيص حقيقي للحال الذي وصل إليه حال التعليم في البلد، وأن من يتبنى هذا الهتاف هو على إدراك بأن عملية التعليم لديها متطلبات ضرورية تصنع مناخًا مناسبًا لهذه العملية، وأن أي اختلال في هذا المناخ فإن ذلك يؤثر في مخرجات العملية التعليمية.
والتعليم، بأركانه التي ظل معهد “بخت الرضا” يكتب ويعلم مرتاديه ويحفظهم “لوحها”، ظل على الدوام هو “الحيطة” التي تميل عليها السياسات المالية للدولة، وترى بأنه يمكن تسييرها بالحد الأدنى من المطلوبات، ولذلك تظل رؤيتنا للإجابة على السؤال الذي يبحث عن إجابة في منصات التزايد السياسي: “من أطلق الرصاصة الأولى في حرب أبريل؟”، فإننا نقول بأن من أطلق الرصاصة الأولى في حروبات السودان التي لم تهدأ أنفاس مدافعها ليوم هو من عبأ “ذخيرة” الحرب في البلد أولًا، ولا يزال مُصرًّا على أن يقتل برصاص الجهل مستقبلها.
(*) حكومة اللجان…
وواحدة من “عبقريات” الحكم في السودان هي فلسفة تكوين اللجان، والتي لم تكن غائبة عن الجلسة المنعقدة أخيرًا لمجلس وزراء حكومة الأمل، والتي استمع فيها الجمع منصتين للسيد وزير التعليم والتربية الوطنية د. التهامي الزين حجر لما سماه “تقريرًا” حول قضايا التعليم، كشف فيه عن نواياه بإقامة مؤتمر يناقش كيفية النهوض بالتعليم، وقال بأن المؤتمر سيناقش أوراقًا مقدمة من مختصين لإعداد الأجيال السودانية لقيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولأن اجتماع الجهاز التنفيذي الأعلى في الدولة “مجلس الوزراء” في العادة يتحول إلى “حفل” خطابي للمجاملات الرسمية، فإن وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار لم ينسَ الإطناب على الوعد الذي تقدم به وزير التعليم والتربية الوطنية بإقامة المؤتمر، بدلًا من أن يمسك رئيس المجلس بخناق وتلابيب وزير التعليم والتربية الوطنية ويسأله السؤال المهم: هل كانت الدولة السودانية تنتظر هذه “العبقرية”؟
وهل أن “الرايحة” في التعليم وجدها السيد الوزير في الفكرة المكررة بانعقاد مؤتمر قضايا التعليم والمحفوظه في كراسة “الفشل”؟
وزراء حكومة “اللجان”، والتي لو رجعنا للتكاليف والمهام المناط العمل بها، سنكتشف بأنها تتطابق والمهام التي من أجلها أُدرج اسم الوزارة ضمن الحقائب الوزارية، وبالتالي تصبح اللجان عبارة عن حكومات “موازية” تتيح للوزراء المعينين فرصة “الزوغان” من أبواب “اللجان” الخلفية، وأن الحكومة “على أقل من مهلها” ستكون “لجنة قومية” يترأسها الوزير نفسه لتناقش قضايا إن لم يتعرف هو عليها حتى الآن كان عليه تقديم “الاستقالة” بدلًا عن شغل “المؤتمرات” واللجان و.. و”التلات ورقات”.
عندما تتحدث الحكومة بلسان وزير ثقافتها وإعلامها عن دور “المحليات” ومهامها في قضايا التعليم ورواتب ومستحقات المعلمين وتأخرها، فهذا يؤكد بأن “مجلس الوزراء” يتنصل من مسؤولياته، وأنه يقوم بترحيل المشكلات لمستويات يعلم هو علم اليقين بأنها لا تملك أي تصور للحلول.
ما حدث في أمر التعليم والمعلمين بالتأكيد أن إقالة السيد الوزير، وكل العبء الحكومي على موازنة الدولة، لن يقدمنا خطوة واحدة باتجاه الحل في أي من قضايا النهوض بالتعليم، لأن جذور أزمة التعليم ليست متعلقة بالقصور في أداء الوزير الدكتور التهامي الزين حجر، ولا الفشل الحتمي للجنة القومية التي وجه رئيس الوزراء بتكوينها، بل أصل الأزمة يتركز في منهج العقل الرسمي وتصوراته بأن ذات الحلول الفاشلة يمكن أن نتوقع منها نجاحًا وهي تتعامل مع ذات المشكلات المتكررة.
(*) حكومة مناهج التحليل “الوصفي”..
ومثل القرارات التي توجه بتشكيل اللجان، قومية كانت أو تلك “المنبثقة”، فإنها لا تؤكد على شيء إلا على أن المنهج الحكومي “فقير” من حيث الحلول، والقضايا التي تحدث عنها الوزير المكلف بحقيبة التعليم، وجاء وزير الثقافة والإعلام ليقوم بعملية “تكييف” وإعادة “هندام” لما دار في الاجتماع الوزاري، قائلًا بأن حكومة الأمل “تعكف على مدار الساعة لتأسيس منهج نهضوي يقوم مصالح الأمة السودانية”، وما بين الأقواس هو نموذج للخطاب الشعبوي، مطابق تمامًا لذاك الذي اختار له منصة و”سِهلة” سوق قندهار، لا يقدم حلولًا تمنح المعلمين مرتباتهم المتأخرة لمدة 14 شهرًا، ولن يسد النقص في كادر التعليم الذي شردته الوزارة بسوء سياساتها وعسفها الإداري، ولن يطبع المنهج ليقرأ منه التلاميذ.
الوزير يصف كل ما هو معروف لدى العامة، ومن الذين ترى عيونهم الحال “المايل” لكل أركان العملية التعليمية..
معلمون تخلوا مكرهين عن “السبورة” والكتاب والطباشير، و”دقشوا” سوق الله أكبر ليحفظوا كرامتهم غير الموضوعة في جدول أولويات المجلس.
وصف مشكلات نقص الإجلاس وسوء البيئة المدرسية ونقص الكادر ومشكلات طباعة المنهج المدرسي لا يعني بأن أدوات “التشخيص” تعمل بكامل كفاءتها في وزارة التعليم والتربية الوطنية في حكومة الأمل، بل يعني أنها لا تملك في هذه المشكلات إلا وصفها.
ما الذي يستطيع أن يقوله السيد الوزير في حصة “التربية الوطنية” لـ1200 تلميذ وتلميذة ممتحنين لامتحان الشهادة السودانية بـ”مركز الإمارات”، تخلت عنهم الوزارة وحكومة الأمل وعبثت بساعة مستقبلهم، ولم يطرف لها جفن، وهم حتى الآن ينتظرون أن تتفضل الوزارة بتحديد موعد ثالث للجلوس لامتحانات الشهادة؟
في أي باب من أبواب كتاب “التربية الوطنية” سيذاكر هؤلاء من أبناء وبنات الوطن بأن الوزير والمسؤول هو جندي من جنود الوطن، وأن “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” قاعدة عامة يقوم عليها الحساب الوطني؟
كيف يكون الحديث عن “توطين صناعة الأثاث المدرسي” والمنهج والكتاب المدرسي والتغذية المدرسية، و”التوقيف” يطال مديري المدارس ومعلميها، يؤكد بأنه لا يوجد “أمل” في حل قضايا التعليم، وأن “الفتق” قد اتسع على “الراتق” واللجنة القومية؟
عندما نستمع إلى تنوير وزير الثقافة والإعلام عطفًا على تقرير وزير التعليم والتربية الوطنية، يتبادر إلى الذهن السؤال: إن كانت هنالك وزارة قومية، ووزير اتحادي، ووزراء ولائيون، وإدارات متخصصة، وفنيون، فلماذا تتم إحالة القضايا الجوهرية إلى “لجنة قومية”؟
ما يضعف الثقة في قرار تشكيل لجنة قومية لقضايا التعليم هو أن القرار احتوى على كلمات “فضفاضة” مثل “معالجات جذرية” و”نهضة تعليمية” و”توفير الاحتياجات”، دون المجيء على ذكر الأرقام، وهذا نتاج طبيعي لفقر تقرير السيد الوزير، والذي جاءت وزارته وهي خالية الذهن تمامًا عن الإحصاءات المحددة، وبالتالي هي لا تعلم شيئًا عن حجم الأزمة المراد حلها، وأنها تحيل الأمر برمته للجنة القومية التي ستبدأ من الصفر.
ترحيل المشكلات التي تواجه الحكومة على أكتاف “اللجان” والمؤتمرات لا يجدي نفعًا في مسائل حساسة وعاجلة، وجدول الحلول فيها أوضح من الشمس، وأن وقف الحروب في السودان يبدأ بالصرف على التعليم ووضعه كأولوية في ترتيب أولويات الموازنة العامة للبلد، وأن تقلل الدولة هدر مواردها في الفعاليات والأنشطة واللجان غير المنتجة، لأن في هذا السلوك إعدامًا لقضايا التعليم مع سبق إصرار الحكومة وترصد وزاراتها.



