المهندس محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة- الجزء 16/13 

خريف دنقلا وتحطم الكراسي الملكية

​تنسلُّ الشيخوخة إلى الإمبراطوريات من ثقوب صغيرة لا يراها أحد في زمن الزهو؛ ومع انتصاف القرن الثالث عشر الميلادي، بدأت عاصمة النوبة العظيمة، دنقلا العجوز، تشهد خريفها الخاص. جاء السقوط عبر تسلل بطيء لضعف الروح في أروقة البلاط الملكي، حيث انشغل أمراء الدم بالصراع على الكرسي، وراحت النزاعات الأسرية تأكل جسد الدولة من الداخل. تزامنت هذه الفوضى مع تطلع عيون المماليك في القاهرة نحو الوهن النوبي، ليتحينوا الفرصة السانحة للوثوب على النيل وتفكيك الحدود التاريخية التي حماها أصحاب الأقواس لقرون طويلة.

​عاصفة الظاهر بيبرس وتصدع العرش:

في عام 1276 م، تحركت جند المماليك صوب الجنوب في حملة عسكرية عاتية قادها السلطان الظاهر بيبرس، مستغلاً الانقسامات الحادة داخل البيت النوبي الحاكم. خلع المماليك التاج النوبي الأصيل وزرعوا التبعية السياسية في طين دنقلا بتنصيب الملك النوبي “شكندة” الموالي للقاهرة على العرش. منذ تلك اللحظة، فقدت الملكية النوبية هيبتها الروحية والسياسية، وتحولت دنقلا من معقل للسيادة الوطنية إلى محطة تديرها الأهواء السياسية القادمة من الشمال، وتراجع دور الملوك ليصبحوا جباة للضرائب يخطبون ود السلطنة المملوكية للبقاء على كراسيهم المهتزة.

​عبد الله برشمبو وتحول قاعة العرش:

دارت الأيام دورتها، وحمل عام 1317 م حدثاً هزّ وجدان النوبة المسيحية من أقصاها إلى أقصاها؛ حيث اعتلى العرش الملك “عبد الله برشمبو”، وهو أمير نوبي نشأ في بلاط المماليك واعتنق الإسلام. دخل برشمبو دنقلا متسلحاً بدعم القاهرة، وفي يوم 29 مايو 1317 م، صعد إلى “قاعة العرش” العظيمة—ذلك المبنى المهيب الذي استقبل لقرون سفراء الروم والبيزنطيين—وأعلن تحويلها رسمياً إلى مسجد تؤم فيه الصلوات. أعلنت تلك اللحظة الرمزية نهاية عصر وبداية آخر، وتحولت الجدران التي طالما رددت ترانيم الأساقفة لتضج بالتكبير، متجاوزة إرثها العقائدي القديم.

​الحرب الأهلية والهروب الكبير إلى جبل عدا:

لم يستقر الأمر لبرشمبو طويلًا، واشتعلت في أرجاء المقرة عام 1365 م حرب أهلية طاحنة التهمت الأخضر واليابس، وتداخلت فيها طموحات النخبة القديمة مع رغبات القبائل العربية النازحة التي أصبحت جزءاً من اللعبة السياسية. تهاوت أركان النظام الإداري في دنقلا العجوز، وتحت وطأة الضربات والفوضى، حزم البلاط الملكي ما تبقى من رماد هيبته وفرّ الملك وحاشيته عام 1366 م جنوباً للاحتماء بمنطقة “جبل عدا” الحصينة في النوبة السفلى، تاركين العاصمة التاريخية نهباً للريح، وساحة مفتوحة للقبائل التي بدأت تعيد رسم جغرافية المكان وفقاً لنمط حياتها الرعوي.

​الملك جويل وانطفاء كاتدرائية فرس:

بينما كانت دنقلا تموت ببطء، ظلت هناك شظايا صغيرة من الإرث النوبي القديم تقاوم الفناء في الجيوب الشمالية المعزولة؛ وأواخر القرن الخامس عشر، تحديداً عام 1484 م، سُجل في الآثار نقش يتيم وحزين للملك “جويل” (Joel)، آخر الملوك المسيحيين المحاصرين بالنسيان في النوبة السفلى. كان حكم جويل مجرد ظل باهت لإمبراطورية غابرة، وبتفكك سلطته الضعيفة، انطوت الصفحة الأخيرة من تاريخ المقرة ككيان سياسي. صمتت الصلوات وتوقفت الحياة الرسمية تماماً في كاتدرائية “فرس” الشهيرة، وراحت رمال الصحراء الزاحفة تطوي الجداريات الملونة والوجوه المقدسة وتغمر الكنائس بصمت مطبق.. نواصل..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى