البنية التحتية.. ثنائية الحرب وإعادة الإعمار

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
والمتابع للأخبار، ويرصد المفردات التي يتم تداولها على أيام الحرب هذه، فإننا سنجد بأن مفردة “إعادة الإعمار” هي التي تفتح باب الأمل في الأخبار، والذي تسعى حثيثًا أخبار الخراب والتدمير إلى إغلاقه في وجه المواطن السوداني، الذي لم يكن راضيًا عن مؤهلات البنية التحتية في البلاد حتى قبل الحرب، وأن اقتصاد هذا البلد تتثاقل أقدامه عند محاولات النهوض، فقط لأنه لم يتم تبني خطط حقيقية للبنية التحتية، وما هو موجود تزايدت عليه الضغوط بتطاول العمر، وتنامي سرعة الإهلاك، وسوء التوزيع نتيجة سوء أو عدم التخطيط السليم.
“إعادة الإعمار” ليست مصطلحًا هندسيًا يتم استدعاؤه من قاعات كليات الهندسة، أو مجرد مفهوم يتم تداوله جنبًا إلى جنب مع أخبار الحرب في المنصات السياسية، أو حتى بضاعة يتم طرحها في العطاءات لتتسابق عليها الدول والشركات صاحبة المصلحة.
(*) من أين يبدأ البناء؟
ومن الجيد أن نقرأ في صحافة السودان خبرًا عن استضافة السودان لأعمال المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي، واهتمام وزارة البنية التحتية والنقل بموضوعات مهمة كالتي تم نقاشها في المنتدى.
والجيد ابتداءً في هذا الموضوع هو تفكير الوزارة “خارج الصندوق”، الذي حبست غالبية الوزارات نفسها فيه، وهو صندوق مبررات الحرب التي أغلقت حتى قدرات التفكير الخلاق والمطلوب للتعامل مع الحالة التي خلقتها الحرب، وأصبحت بسببه الوزارات، وكل العمل الحكومي التنفيذي، مكبلًا ولا يعرف من أين وكيف تبدأ الأعمال.
وقبل الإجابة على هذا السؤال، من المهم جدًا إعادة تعريف مفهوم إعادة الإعمار، باعتبار أن تأثيرات الحرب هي تأثيرات شاملة، لم تتضرر منها البنية التحتية فقط، وبالتالي فالمفهوم يشمل كل شيء دمرته الحرب، ووفقًا لذلك فإن هنالك ضرورة لمعالجة العطب حتى في العقل الذي يفكر للدولة في إعادة الإعمار، وبالضرورة فإن إعادة إعمار البنية التحتية جزء أصيل في إعادة بناء الدولة السودانية.
فإذا كانت الإجابة على السؤال أعلاه هي أن الخطة والفكرة في إعادة الإعمار بالنسبة للبنية التحتية هي إعادة بناء ما دمرته الحرب، فإننا نعتقد أن التفكير في إعادة الإعمار قد اختار البداية من النقطة الخاطئة، باعتبار أن المؤكد هو أن البنية التحتية في سودان ما قبل الحرب كانت هشاشتها نتاجًا لعدم التخطيط طويل المدى، الذي يستقرئ التطور في الاحتياجات، وأنه، وللأسف الشديد، فإن النسبة الأكبر من الديون والمشكلات الاقتصادية الكبيرة التي تورط فيها اقتصاد هذا البلد كانت نتاج عدم التخطيط السليم للبنية التحتية، وأنها، وعلى قلتها، نشأت وفقًا لرغائب شخصية وبدوافع يمكن وصفها بالذاتية، والتي لم تراعِ أن تخطيطها كان يتطلب التفكير في مطلوبات واحتياجات البلد ككل، وليس تركيز البنى التحتية وفقًا لتركيز الخطة السياسية. ووفقًا لذلك فإننا لسنا في حاجة للبداية من نقطة ما قبل الحرب، بل إننا محتاجون للتعامل مع الواقع الذي أفرزته الحرب كحافز للبدايات الصحيحة لخطط إعادة إعمار البنية التحتية.
بدايات جديدة تضع في اعتبارها نقل التجارب في الإقليم والعالم الناهض والسباق في هذا المجال، تستوعب أخطاء الماضي المتراكمة، والتي أثرت على بناء وتطور الدولة السودانية وأقعدته على المستوى الاقتصادي.
القراءة والتحليل الصحيح لواقع البنية التحتية يبدأ من الفهم الجيد لما فعلته الحرب، فبالإضافة إلى أنها قد دمرت البنية التحتية، فهي أيضًا كشفت هشاشتها، وأوضحت حجم الإهمال الذي طالها، وإلى أي مدى لم يكن تطوير البنية التحتية واستيعاب الحاجة الحقيقية للدولة السودانية جزءًا من اهتمامات الدولة والوزارات ذات الصلة.
من “نقطة الصفر” في البنية التحتية تبدأ خطط إعادة الإعمار، والتي تأخذ فيها الوزارة في الاعتبار الانهيار التام في الطرق والجسور، باعتبار أن جزءًا كبيرًا منها قد تضرر بشكل مباشر من الحرب، والجزء الآخر تعرض لحالة إهلاك كبيرة، إضافة إلى عدم الالتزام بمعايير الجودة والمواصفات في غالبية المشروعات ذات العلاقة بالبنية التحتية في البلد، وأنها في غالبها كانت قد تمت على عجل، دون الاهتمام بالشروط والمعايير المعمول بها دوليًا.
قطاع مهم في النقل، كقطاع “السكة الحديد”، يمكن ملاحظة التراجع المريع الذي طاله، والإهمال لما تبقى منه، مع أنه القطاع الذي يتناسب الاستثمار فيه مع مقدرات الاقتصاد السوداني وخدمته، ونعتقد بأنه لم يكن من قبيل الصدفة هذا التدمير للقطاع المهم في النقل، بل كان تخريبًا ممنهجًا ومقصودًا أقعد قطاع النقل في السودان، وضرب أحد مقومات البنية التحتية فيه.
الأرقام والدراسات الاستثمارية في مجال إصلاح البنية التحتية وتطوير قطاع النقل فيها كانت تتحدث عن امتلاك السودان لأطول شبكة نهرية قابلة للاستثمار في الإقليم.
وما ينطبق على شبكة السكة الحديد والنقل النهري نراه بشكل مضاعف في الموانئ النهرية، والميناء البحري الوحيد المطل على البحر الأحمر، والذي كان من الممكن جدًا أن يمنح البنية التحتية في السودان والاقتصاد السوداني ميزة إضافية واستراتيجية لو تم التفكير في إعماره وإعادة بنائه بما يليق بمرحلة ما بعد الحرب، واستغلال نقاط القوة التي يمكن أن يمنحها للدولة حال التخطيط السليم في هذه الموضوعات.
الجغرافيا وخطوط الطول والعرض التي يقع فيها السودان تمنحه ميزة تفضيلية إن حدث التفكير في مطارات السودان بغير الطريقة التي أُدير بها الأمر الآن بعد الحرب، والتي وضح فيها أن الأهداف في ذلك لا تتعدى العودة إلى نقطة ما قبل 15 أبريل 2023م، حيث الحركة الأضعف، وخطوط النقل والمحطات الأقل، والمطار الفاقد لمزايا الاختيار الأنسب.
في كل هذا يمكننا التأكيد على أن الحرب لم تكن إلا “اختبار الضغط” الذي كشف نقاط الضعف التاريخية في مسألة البنية التحتية في السودان.
وعطفًا على ما حدث في المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي، يمكننا البناء على نقاط إيجابية يمكن أن تكون هي البداية الصحيحة لموضوع البنية التحتية في السودان، ابتداءً من تبني فكرة “النقل الذكي”، والتأسيس لفكرة جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال العربية لهذا القطاع، إضافة إلى طرح أفكار انعقاد الشراكات الذكية بين القطاعين العام والخاص في هذا المجال، وتلمس خطى المستقبل باستغلال أدوات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وحتى تتحول هذه النقاط إلى إجابات حقيقية لسؤال: متى ومن أين يبدأ بناء بنية تحتية حقيقية وقوية في السودان؟ يجب أن تتخلص توصيات المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي من داء المؤتمرات العضال، الذي ظل يحبس التوصيات في الأدراج، ويحول دون انتقالها إلى خطط تنفيذية ترى النور.
ما بعد الحرب نحتاج في هذا الملف إلى “نموذج جديد”، فيه قطيعة بالكامل مع كل ما هو قديم، لم تراعَ فيه الاستراتيجيات والمعايير.
التجارب في الإقليم وفي العالم، والتي تعاملت مع ثنائية الحرب وإعادة الإعمار، تقول بأنه، وعلى الرغم من الضرر البالغ الذي تحدثه الحرب في البنية التحتية، فهي بالمقابل فتحت فرصًا جديدة للنهضة في البلدان التي مرت بتجارب شبيهة. وتعتبر دولة مثل رواندا، والتي مرت بتجربة مشابهة للسودان في الحرب، نموذجًا؛ إذ نجد بأنها استعادت عافية اقتصادها بالتركيز على البنية الرقمية، وتعد الآن من أبرز اقتصاديات القارة الإفريقية في الخدمات الرقمية.
كذلك دول كألمانيا واليابان بعد الحرب، فإنها قد قامت بعملية إعادة تصميم للاقتصاد والبنية التحتية بما يعرف الآن بالمعجزة الاقتصادية.
(*) النقل في مقدمة الأولويات..
وفي بلد مثل السودان، وباقتصاد يعاني منذ زمن طويل، فإن النقل يبرز كأولوية، لأنه يلامس قضايا اقتصادية كثيرة في السودان، ولأنه يخدم قطاعات متعددة، كقطاع الزراعة، والتعدين، والصناعة، والتجارة، والاستثمار. وبالرجوع لقراءة كل الأعباء الاقتصادية الحالية على المواطن السوداني، فإننا سنجد بأن فاتورة النقل هي الأكثر تكلفة من بين الفواتير الأخرى، وبالتالي فإن أي استثمار في قطاع النقل ستظهر آثاره سريعًا على مستوى الاقتصاد السوداني، حال تمت الاستفادة من الشراكات العربية والدولية في هذا المجال، وطرح عطاءات التمويل التنموي، وتعزيز فكرة الشراكات الذكية بين القطاعين العام والخاص، ويجب أن يتم ذلك وفق تشريعات قانونية مستقرة، وشفافية، ورقابة، وحوكمة للإجراءات.
يجب أن يفهم العقل المفكر للدولة بأن هنالك تغييرات طرأت على تعريف مفهوم “البنية التحتية”، بحيث لم يعد ذلك موقوفًا على الإنشاءات والحديد والأسمنت، بل انتقل إلى مفهوم “الإدارة الذكية”، وعلم البيانات، و”الرقمنة”، واستقطاب كفاءات تشغيل، بحيث يتم بناء “منظومة” بنى تحتية، وليس مجرد منشآت. فالحروب تضع الدول أمام خيارين؛ إما أن تنفق مواردها لإعادة إنتاج الماضي، أو أن تستثمر مأساتها في صناعة مستقبل مختلف.
وإذا كان المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي قد وضع رؤية واعدة، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار على جلساته: كيف تتحول التوصيات إلى طرق، وسكك حديدية، وموانئ، ومنظومات نقل ذكية، تجعل السودان لا يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل يتجاوزها إلى ما كان ينبغي أن يكون عليه منذ سنوات ؟



