عكس التيار: يوميات مشاتر في دار صباح

الحوالة التي كانت تصل قبل صاحبها

البنيان الثاني

بقلم/ مهند أحمد الصاوي

في دار صباح، لم يكن ساعي البريد يحمل الرسائل وحده.

كان يحمل أعمارًا كاملة.

وكانت الأمهات يعرفن ذلك، وإن لم يقلنه.

لهذا لم تكن الرسائل تُفتح على عجل.

كانت تُفتح كما تُفتح النوافذ بعد موسم مطير؛ بحذر، وبشيء من الخوف، وكثير من الرجاء.

ثم تغير العالم.

اختفى ساعي البريد.

واختفت الرسائل.

وصار البيت كله ينتظر صوتًا آخر.

رنّة هاتف قصيرة.

ورسالة من البنك.

لم أدرِ متى أصبحت الحوالة فردًا من أفراد الأسرة.

لكنني أذكر أنها كانت تصل أحيانًا قبل الأعياد، فتضحك أمي بالطريقة نفسها التي كانت تضحك بها عندما يعود أحد إخوتي من السفر.

وكان أبي يضع الهاتف على الطاولة كما لو أنه وضع ضيفًا كريمًا.

ثم يقول بصوت حاول دائمًا أن يبدو عاديًا:

“الحمد لله… وصلت.”

لم يكن يقصد المال وحده.

كان يقصد أن الابن، بطريقة ما، ما زال يحاول أن يعود.

في دار صباح، لم تكن الحوالة أوراقًا نقدية.

كانت رجلًا يعمل واقفًا عشر ساعات، لتجلس أمه ساعة واحدة مطمئنة.

وكانت يدًا متشققة من برد الغربة، تتحول إلى دفء في بيت يبعد آلاف الكيلومترات.

وكانت عيدًا يغيب عنه صاحبه، ويحضر ثمنه.

كنت كلما نظرت إلى إشعار البنك، شعرت أنه لا يحمل أرقامًا.

بل يحمل ليالي كاملة لم ينمها أحد.

يحمل ظهرًا انحنى أمام رافعة.

وركبتين أتعبهما الوقوف.

وصوتًا ابتلع شوقه حتى لا يقلق من ينتظرونه.

كانت الحوالة، في حقيقتها، عمرًا مضغوطًا داخل شاشة هاتف.

وفي دار صباح، كانت الرسالة تعرف الطريق إلى البيت أكثر من صاحبها.

تدخل كل شهر.

بينما ظل هو يضل طريق العودة عامًا بعد عام.

حتى صارت أمه تحفظ موعد الحوالة أكثر مما تحفظ موعد الإجازة.

وصار الأطفال يعرفون اسم البنك قبل أن يعرفوا اسم الشارع الذي يسكنه أبوهم.

ولم يكن في ذلك ما يدعو إلى السخرية.

بل إلى الصمت.

كان مشاتر يجلس في مكانه المعتاد، ويجمع ما لا ينتبه إليه أحد.

يجمع الرسائل القديمة التي لم يعد أحد يقرأها.

وإشعارات التحويل التي احتفظت بها الأمهات بين صفحات المصحف، كما كن يحتفظن بصور الأبناء.

ويجمع أيضًا ذلك الصمت الذي يسبق كل سؤال:

“وصلت؟”

ثم يراقب الوجوه.

لم يكن أحد يفرح بالحوالة كما يفرح الطفل بلعبة جديدة.

كان الناس يفرحون بها كما يفرح الغريق بخشبة.

فرحٌ لا يخلو من الاعتراف بأن البحر ما زال واسعًا.

كنت أظن، وأنا أصغر، أن المال يخرج من جيب المغترب.

ثم كبرت.

واكتشفت أنه كان يخرج من عمره.

كل حوالة كانت تحمل معها سنة أخرى من شبابه.

وسهرًا جديدًا.

وفرصة لم يتعلمها.

ومشروعًا لم يبدأه.

وكتابًا لم يقرأه.

وابنًا كبر وهو يشاهده عبر شاشة.

وابنة تعلمت أن تحتضن الهاتف حين تسمع صوته.

كان يرسل إلينا المال.

لكن الذي كان يغادره في كل مرة، لم يكن المال.

كان شيء من حياته.

ولم يكن أحد ظالمًا.

ولا أحد بريئًا.

فالبيت كان يحتاج.

والأم لم تكن تعرف كيف تطلب أقل مما تحتاج.

والأب كان يخجل أن يعترف بأن الدواء أغلى من قدرته.

والأخ الأصغر كان يريد أن يكمل دراسته.

والأخت كانت تنتظر زواجًا بسيطًا لا أكثر.

وكان المغترب، في آخر السلسلة، يمد يده إلى الجميع، بينما لا تمتد يد إلى كتفه.

ولذلك لم تكن الحوالة مجرد إحسان.

كانت لغة كاملة يتحدث بها السودانيون حين تعجز مؤسساتهم عن الكلام.

ومع مرور السنوات، حدث شيء لم ننتبه إليه.

صارت البيوت ترتب أيامها على موعد رسالة البنك.

وصارت الأسواق تحفظ توقيت وصول المغتربين أكثر مما تحفظ مواسم الحصاد.

وصارت الحياة، بهدوء، تبني أعمدتها على أكتاف من رحلوا.

حتى بدا لي أحيانًا أن الوطن نفسه صار يعيش خارج حدوده.

 

لكن شيئًا آخر كان يكبر في صمت.

كلما أرسلت الحوالة رغيفًا إلى المائدة…

أخذت معها حجرًا من مستقبل صاحبها.

كان يستطيع أن يتعلم أكثر.

أن يؤسس مشروعًا.

أن يعود بخبرة لا بثمنها.

أن يغرس جذورًا في الأرض التي يعيش عليها، قبل أن يعود بما ينفع الأرض التي خرج منها.

لكن الاحتياج لا يؤجل نفسه.

إنه يطرق الباب كل صباح.

أما المستقبل…

فيتعلم الانتظار.

وفي إحدى الليالي، بينما كانت الكهرباء غائبة، جلس مشاتر مع أمٍ تعدد ما اشترته بالحوالة.

دواء.

ورسوم مدرسة.

وكيس دقيق.

وقليلًا من السكر.

ثم سكتت طويلًا.

وقالت وهي تنظر إلى الهاتف الذي انطفأت شاشته:

“الله يطول عمره.”

توقف مشاتر عند العبارة.

لم تقل:

“الله يكثر ماله.”

قالت:

“الله يطول عمره.”

كأنها كانت تعرف، بفطرتها، أن ما يصلها كل شهر ليس مالًا.

بل قطعة جديدة من عمر ابنها.

ومنذ تلك الليلة، لم يعد مشاتر يسأل:

لماذا أصبحت الأسر تنتظر رسالة البنك أكثر مما تنتظر راتب الدولة؟

بل صار يسأل سؤالًا آخر:

كيف وصلنا إلى زمنٍ أصبحت فيه الرحمة تؤدي عمل المؤسسة، وأصبح الحب يحمل أعباء النظام، وأصبح الابن، وهو بعيد، أقرب إلى مائدة البيت من كل ما كان ينبغي أن يكون قريبًا؟

رفع رأسه نحو باب دار صباح، الذي ظل مفتوحًا كما كان دائمًا، وقال في سره:

ليست المأساة أن يحمل الإنسان أهله على كتفيه؛ فذلك ما تفعله المحبة منذ خُلق الناس.

المأساة أن يطول الطريق، حتى ينسى الجميع أن الكتف خُلقت لتحتضن، لا لتبقى عمرًا كاملًا تحمل وطنًا وحدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى