الفريق/ إبراهيم جابر.. ورقة “الجوكر” في “الكونكان” الحكومي

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
ولأصحاب الفهم البسيط في لعبة الورق أو “الكوتشينة”، فإن لديها جملة من القوانين التي تحكم “الطاولة” والجالسين حولها، وفي الغالب فإن هذا الجلوس محكوم بعدد معين من الأوراق يجب أن تكون في يد أي من اللاعبين عند التوزيع، وأن “الورق الزائد” في اليد “على مسؤولية صاحبه” حال بدأت اللعبة وبدأ البقية في “رص” الأوراق.
وعلى طاولة “حكومة الأمل” التي يترأسها البروفيسور كامل إدريس، يجلس وزراء طاقية “التكنوقراط” ولاعبو النادي السياسي الذين دخلوا بوابة النادي بامتيازات “الكارنيه” و”الميري” ولغة “القنقر” التي ليس من بعدها لغة، ليتحكروا واضعين رجلهم على رأس الوزارات السيادية.
وعلى الرغم من الاجتهاد المفرط في “دمج” الحقائب والوزارات مع بعضها البعض لدرجة أن وزيراً واحداً بخبرات سقفها إدارة قناة تلفزيونية “حكومية” لبضعة شهور، استوزرته حكومة الأمل على أربع حقائب: “الثقافة والإعلام والسياحة والآثار”، إلا أن الواقع يقول بأن السيد كامل إدريس يجلس الآن على طاولة رئاسة مجلس الوزراء وفي يده “ورق زائد” وصل حتى الآن إلى “22 ورقة”، أو قل وزارة، الشيء الذي يقول بمنطق “لعبة الورق” إنه أصبح خارج اللعبة.
ولك أن تتخيل عزيزي القارئ “22” حقيبة وزارية، وكل وزارة بوكيلها وإداراتها وهيئاتها ومجالسها وجيوشها الجرارة التي تقبض بخناق الخدمة المدنية في بلد اقتصادها ميت “إكلينيكياً”، وأهل الميت عاجزون عن اتخاذ قرار “الموت الرحيم” وفصل الأجهزة عن الجسد المسجى لعدم قدرتهم على سداد رسوم العناية المكثفة.
هذا هو حجم الحكومة التنفيذية في بلد في حالة حرب، وكانت تنفق أكثر من 80% من ميزانيتها قبل الحرب في بند الأمن والدفاع، و”التضخم” فيها صار مادة تُدرَّس في كليات الاقتصاد، أما العملة فهي ورق مطبوع بسعر رخيص لم يعد مبرئاً للذمة.
بلد بكل هذا “التضخم الوزاري”، لحكومتها مرونة فائقة في التعيين في منصب “المستشارين”، وحضنها مفتوح على الدوام لكل من أراد “التحلل” من “دم” و”مال” و”عرض” الشعب السوداني، إلا أنها لا تزال لديها القناعة بأنها تحمل “الأمل” للشعب السوداني.
(*) ورقة الجوكر “السيادي”..
ولتوسيع فكرة تناول الموضوع، بالضرورة نحن هنا لسنا بصدد تقييم شخصية عضو مجلس السيادة الفريق مهندس/ إبراهيم جابر، بقدر ما أننا في حاجة ماسة للوقوف على “المنهج” إن كان موجوداً، والذي تعمل به حكومة الأمل، وهل يمكن أن يقودنا إلى نقطة الضوء في آخر النفق؟
وأظن بأن فكرة “الجوكر” مفهومة تماماً في لعبة الورق، إلا أن غير المفهوم هو ما يحدث في الحكومة التنفيذية باستخدام هذه الورقة كلما وقف شيخ حكومة الأمل في العقبة.
الفريق مهندس إبراهيم جابر، وبماكينة ورقة “الجوكر”، هو رئيس اللجنة العليا لإعادة إعمار العاصمة وتهيئتها للعودة، وهو رئيس لجنة استبدال العملة، وبهذه الورقة هو المسؤول عن الخدمات والقرارات ذات الطابع التنفيذي، على الرغم من وجود “والٍ” للولاية المراد إعادة إعمارها بكامل طاقمه من التنفيذيين والمديرين ومسؤولي القطاعات الخدمية، حتى “حدث ما حدث” في موضوع هذه اللجنة لتعود الصلاحيات بقرار سيادي لمجلس الوزراء، والخرطوم كولاية على قدر الإعمار الذي فيها يقوم على أكتاف المواطن المغلوبة حيلته في مدن النزوح واللجوء.
ورقة “جوكر” مجلس السيادة صالحة للاستخدام في ملف الخارجية، على الرغم من وجود وزير للخارجية ومبعوث دائم للسودان بالأمم المتحدة بمخصصاته و”هلمجرا”، وبيدها مفاتيح ملف لجنة تعامل السودان مع الأمم المتحدة وأوراق قضايا السودان القانونية في الخارج، في بلد فيها وزير للعدل ونائب عام، إلا أن “الكونكان” الحكومي محكوم فقط بمنطق ورقة الجوكر السيادي.
حكومة “اللجان”، وهو الوصف الأدق من توصيف حكومة “الأمل” للطريقة التي تُدار بها الأعمال الرسمية: “لجان عليا/ لجان إشرافية/ لجان طوارئ/ لجان قومية”، لتصبح القاعدة الحاكمة لاستجابة هذه الحكومة هي تشكيل اللجان.
بعد التغيير، وعلى أيام الظهور الأول لمسمى “المجلس السيادي” كموضة جديدة في سوق اللغة السياسية بعد الثورة، دار نقاش طويل حول موضوع “الصلاحيات”، وأراد البعض أن يوصل للشارع السوداني المتابع للمماحكات السياسية وقتها بأن هنالك اهتماماً بوضع نقاط الهيكل الحكومي على حروف توزيع الصلاحيات، والواقع العملي جاء ليشرح فكرة “الجوكر”، الورقة التي تحل محل أي ورقة في “الكونكان” الحكومي، ولا مكان للمهام “الإشرافية”.
عكس هذا الواقع التداخل بين المهام الإشرافية والمهام التنفيذية بكل وضوح، واتضح بأنه لم يكن هنالك ترسيم حدود واضح لخارطة الصلاحيات، وبالتالي تشابه على الشارع السوداني أمر القرارات، واختلط عليهم “حابل” ما هو إشرافي مع “نابل” ما هو تنفيذي.
لم يعد الخبر في انهيار العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية، ولا في اختلال الميزان التجاري وتسارع عجلات أرقام التضخم في الاقتصاد السوداني، فكل هذا ليس بالجديد في صحيفة الاقتصاد السوداني، فما يحدث الآن هو ذات المربع الذي حبست فيه سياسات الاقتصاد السوداني، واستبدلت بعلاج ثبت فشله المستمر في تقديم وصفة، على الأقل، تعيد للمشهد الاقتصادي في السودان جزءاً من عافيته المفقودة.
ما من نظرية اقتصادية تقول بأن مثل الحالة الاقتصادية في السودان قابلة للعلاج عبر الاجتماعات وتشكيل اللجان وإصدار القرارات والتوجيهات، فالسودان لا تشعر بأن اقتصاده يُدار بمنهج وسياسات يقرأ أصحابها في جذور الأزمة الاقتصادية، وليس في كراسة آثارها الجانبية وأعراض المرض الاقتصادي المزمن في السودان.
لم يعد الشعب السوداني يفهم ما هي النقطة التي تنتظر حكومة الأمل وصول الاقتصاد السوداني إليها، ومعاش المواطنين أسوأ من الحال الحالي، حتى تتشكل لديها قناعة بفشل وزير المالية، وأن الواقع الاقتصادي أكبر بكثير من أن يُترك لمجرد محاصصات كُتبت في جوبا في ظروف، بدلاً من أن تساهم في سلام السودان، خلقت واقعاً هو الأكثر تعقيداً من فترة ما قبل التوقيع.
الانهيار الاقتصادي هو الأثر القادر على تهديد وجود الدولة السودانية من أساسه أكثر من الحرب، وبالتالي فإن حالة الانتظار الغريبة هذه، والاعتقاد بأن استخدام ورقة “الجوكر” السيادي، سعادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، برئاسة لجنة اقتصادية للتعامل مع أوضاع العملة الوطنية والانهيار الحالي، هو طريق معلومة نهايته، واللجان ليست عبقرية من عبقريات النظريات الاقتصادية حتى تتعامل مع معضلات حقيقية كالتي يعيشها الاقتصاد السوداني الآن.
“الحلول” في كتاب الاقتصاد تقول بأن تكرار أزمة العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية لا يستجيب للقرارات والتوجيهات الصادرة من اللجان، فالاقتصاد يفهم منطق وأرقام تتعلق بموضوعات الإنتاج والصادرات والاحتياطي النقدي والسياسات المالية للبنك المركزي والثقة في النظام المصرفي وقدرة الحكومة على السيطرة على الإنفاق العام وترشيد إدارته والحوكمة، وكلنا نعلم بأن كل ما ذُكر أعلاه لم يكن جزءاً من اهتمام اللجان، ولا في كل الحلول التي تتعامل مع الأعراض المرضية للاقتصاد السوداني وليس المرض.
السقف المتوقع من اللجان التي يتم تكوينها على عجل هذه لا يتجاوز القرارات والإجراءات المنعية ذات الطابع الأمني والتوجيهات المبنية على الانطباعات أكثر من الدراسات والبحوث، بعكس ما يمكن أن تقدمه السياسات الاقتصادية العامة من حلول ذات علاقة بالإصلاح الهيكلي في الاقتصاد السوداني، حتى نفهم طبيعته نفسها: هل هو اقتصاد زراعي أم اقتصاد صناعي أم هو اقتصاد “هجين”؟ وعلى أي أساس يعتمد في موارده؟ وما هي أولويات الصرف الاقتصادي؟
الاقتصاد السوداني يحتاج إلى مؤشرات أداء عملية تقيس الأداء العام في الاقتصاد والسياسات، وليس مجرد أفكار تتولد لحظة انعقاد الاجتماعات في اللجان من أشخاص ليس لهم الاختصاص.
في حالة تشكيل اللجان للتعامل مع أي أزمة اقتصادية كالتي تم تشكيلها حالياً، واستُدعي لها كما جرت العادة “جوكر” المجلس السيادي في ظل وجود وزير للمالية، هل نتوقع أن ينتهي بها الحال إلى ما انتهت إليه حالة لجنة إعادة إعمار ولاية الخرطوم بعودة الملف إلى مجلس الوزراء؟ وتعود عرجاء ملفات انهيار سعر الصرف وقرارات البنك المركزي والسياسات الضابطة للتعامل مع السلع الاستراتيجية كالوقود إلى “مراحها” في وزارة المالية؟ أم سيستمر هذا التنازع بينما يستمر المواطن السوداني في دفع تكاليف هذا الانهيار؟
نعود لنقول بأن المشكلة ليست في سعادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، سواء كان حاضراً أو غائباً في المشهد العام، بل في حضوره الدائم والمستمر في كل الملفات، الشيء الذي يكشف غياب الحدود بين المؤسسات، فالدول لا يمكن أن تُدار بفكرة ورقة “الجوكر” مهما بلغت كفاءة حاملها، وبالتالي يجب ألا يكون تكوين لجنة هو الإجابة الجاهزة للحكومة كلما طرأ طارئ في هذا البلد.



