م محمد عبد اللطيف هارون يكتب:تشريح قانون السودان٢٠٢٦ وشرك الحصار العابر للحدود

“إن صياغة القوانين الدولية بمداد المساواة المصطنعة بين جيوش الدول والمليشيات المتمردة لا يصنع سلاماً، و قانون السودان المزمع يمنح التمرد حصانة تشريعية تُشرعن اغتصاب السيادة وسحق الشعوب.”

​تتجسد الخطورة الإستراتيجية لمشروع القانون الذي طرحته *لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الامريكي* بقيادة السيناتور الجمهوري “جيم ريش” والعضوة الديمقراطية البارزة “جين شاهين” بمشاركة “كريس كونز” و”جون كورنين”، في قدرته العالية على تجاوز الجغرافيا السودانية الضيقة واستهداف “شبكات الظل” العابرة للحدود. و يكمن مكمن القوة السيادية والعملياتية في هذا التشريع في تحويله السودان من مجرد ساحة حرب داخلية إلى ملف أمني استخباراتي دولي؛ حيث يُلزم وزير الخارجية ومدير الاستخبارات الوطنية (DNI) بتقديم تقارير دورية تُعرّي أدوار القوى الخارجية الإقليمية والدولية. إن محاصرة شبكات وخطوط التهريب الممتدة عبر “تشاد” و”جمهورية أفريقيا الوسطى” و”جنوب السودان”، بجانب تتبع أصول كبار المسؤولين ، يُمثل شبكة إحكام مالي غير مسبوقة قادرة على تجفيف منابع تمويل الحرب وتفكيك اقتصادها، والاعتراف بالمنظومة الرباعية و الخماسية الدبلوماسية يمنح هذه الإجراءات غطاءً سياسياً وإقليمياً .

​بالمقابل، يسقط مشروع القانون في خطيئة قانونية وإستراتيجية كبرى تتمثل في “العمى الهيكلي الصارخ” ومحاولة فرض مساواة اصطناعية بين القوات المسلحة السودانية — باعتبارها المؤسسة السيادية الرسمية الممثلة للدولة — وبين قوات الدعم السريع. يتغافل المشرّع الأمريكي عن حقيقة دستورية وتاريخية ثابتة: وهي أن قوات الدعم السريع كانت قانوناً ودستوراً جزءاً من هيكل القوات النظامية وتحت إمرتها، قبل أن تقود تمرداً عسكرياً معلناً بغرض الاستيلاء على السلطة بالقوة الحية. إن وضع الطرفين في كفة ميزان واحدة، ومطالبتهما بالتزامات متطابقة، يُمثل انحرافاً في الصياغة التشريعية يعفي الطرف المتمرد من جريرته الأساسية وهي “محاولة تقويض الدولة واختطاف شرعيتها”، ويصم الآذان عن التمييز الجوهري بين حق الدولة الحصري في احتكار العنف الشرعي لحماية مواطنيها، وبين المليشيا التي وظفت السلاح لضرب بنية الدولة التحتية والسيادية.

​يمتد هذا الخلل اللفظي والهيكلي ليضعف فاعلية البنود الإنسانية والحقوقية المضمنة في القانون؛ إذ إن مساواة الجيش بالدعم السريع تظلم الضحايا قبل أن تظلم المؤسسة العسكرية. فعلى مدار أكثر من ثلاث سنوات من الصراع، وثقت مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية والشهادات الحية فظائع ممنهجة مارستها قوات الدعم السريع كأدوات تكتيكية في الحرب، شملت القتل الجماعي للأبرياء، حرق وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، النهب والسلب المنظم، والاغتصاب واستخدام العنف الجنسي والعبودية الجنسية كسلاح لكسر إرادة المجتمعات، فضلاً عن تجنيد الأطفال وعرقلة الإغاثة واحتلال المستشفيات والمدارس ودور العبادة. إن الصياغة التي تُغفل تحديد المسؤولية المباشرة عن هذه السلوكيات المليشياوية، وتدرجها تحت بند “انتهاكات من كلا الطرفين”، تُضعف القيمة الأخلاقية للعدالة الأمريكية، وتحول وثائق الفظائع الإنسانية إلى أوراق ضغط سياسي بدلاً من كونها أدوات محاسبة جنائية وتاريخية حاسمة.

​أمام هذه الوصاية التشريعية، يبرز تساؤل جوهري يتردد في أذهان الشعب السوداني وأحرار العالم: ما الذي يمنح واشنطن الحق الأخلاقي والسياسي لتنصيب نفسها شرطياً على العالم وصياغة صكوك الغفران أو العقاب؟ إن هذه الالة المدمرة التي تحاول اليوم تسويق عباءة الإنسانية وحقوق المدنيين في الخرطوم ودارفور، هي ذاتها التي غضت الطرف بشكل مخزٍ عن الجرائم الوحشية وحرب الإبادة الممارسة ضد الأبرياء في غزة، وهي ذاتها التي قصفت إيران واغتالت المرشد الأعلى في استعراض فج للقوة السياسية، وتاريخها مثقل بإبادة البشرية يوم أن قذفت قنابلها الذرية على “هيروشيما” و”نجازاكي”، قبل أن تغرس أرجلها في أدغال “فيتنام” لتعيث فيها دماراً وتخرج منها هاربة يجرها الخزي. هذا الإرث المثقل بالباطل والازدواجية الفاضحة في المعايير يسقط أي مشروعية أخلاقية تدعيها الولايات المتحدة لتقييم صراعات الشعوب، ويكشف أن القانون ليس مدفوعاً بدموع الضحايا بقدر ما هو أداة جيوسياسية لفرض الهيمنة الاستعمارية بلباس حديث.

​يتجلى هذا التناقض التشريعي بوضوح في المادة المتعلقة بتقييم تصنيف الأطراف كـ”منظمات إرهابية عالمية محددة بصفة خاصة” (SDGT) بالتعاون مع وزارتي الخزانة والعدل، وحصر المساعدات، وتقييد الدعم المالي الدولي عبر معارضة القروض من صندوق النقد والبنك الدوليين. هنا، يعاقب القانون الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية والشعب السوداني بجريرة تمرد المليشيا؛ فبينما يجب أن تتوجه العقوبات والقيود المالية بشكل حصري وحاسم لاستئصال الكيانات المتمردة والواجهات الأيديولوجية والمسلحة المرتبطة بها ، فإن الصياغة الفضفاضة تفرض حصاراً مالياً واقتصادياً يطال “حكومة السودان”، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إضعاف قدرة الدولة النظامية على بسط الأمن وحماية الحدود، ويخلق فراغاً سيادياً ومؤسسياً شاسعاً تصبح فيه البلاد أكثر عرضة للتفكك والتطرف.

​علاوة على ذلك، فإن مطالبة البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة بتنسيق العقوبات مع مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي ومراجعة عمل “فريق الخبراء المعني بالسودان” تصطدم مباشرة بالجدار المسدود الذي تصنعه هذه “المساواة الهيكلية”؛ فالقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة تؤسس على احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدة أراضيها، وعندما يسعى التشريع الأمريكي لفرض تفاهمات دولية تعامل الدولة والمليشيا كنظراء، فإنه يصنع سابقة خطيرة تُشرعن التمرد المسلح عالمياً. إن إغفال التكييف القانوني الصحيح لطبيعة الصراع باعتباره “عدواناً داخلياً وخارجياً على مؤسسات الدولة الشرعية” يحرم الدبلوماسية الأمريكية من القدرة على بناء إجماع دولي حقيقي، ويجعل العقوبات المقترحة، رغم قوتها المالية، مجرد أدوات لإدارة الأزمة وتمديد أمدها بدلاً من كونها استراتيجية حاسمة لإنهائها وإعادة الهيبة للحكم المدني الديمقراطي المستقر.

​في المحصلة السيادية، يظهر “قانون السودان لعام 2026” كأداة تشريعية بـ”أنياب اقتصادية حادة وعقل سياسي مشوش”؛ فهو يمتلك أقوى ترسانة عقوبات مالية واستخباراتية قادرة على تدمير شبكات التمويل والتهريب الدولية، لكنه يفتقر إلى الرؤية القانونية والسياسية المستقيمة التي تفرق بين “الدولة” و”التمرد”. إن النجاح الحقيقي لهذا القانون في تحقيق السلام وحماية المدنيين السودانيين يظل رهيناً بـقدرة الإدارة الأمريكية على تصحيح هذا الخلل الهيكلي أثناء التنفيذ الفعلي، وذلك عبر تفعيل العقوبات والآليات الاستخباراتية بشكل صارم وموجه ضد الطرف الذي قوض السلم وباشر الانتهاكات الجسيمة بحق الأبرياء، مع دعم وبناء مؤسسات الدولة الرسمية لضمان عدم انزلاق السودان نحو الفوضى الشاملة التي لن تخدم في النهاية سوى قوى الإرهاب الإقليمي وشبكات الجريمة المنظمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى