نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية رامي زهدي:

ما يحدث في السودان ليس حرباً أهلية

هنالك دولة ذات سيادة تواجه ظرفاً أمنياً خطيراً

مساواة الكونغرس بين الجيش والمليشيا خطأ فادح عطل حسم الأزمة

واشنطن تمتلك أدوات إنهاء الحرب لكن مصلحتها المجرّدة تمنعها من الضغط على حلفائها

تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية هو التوصيف الحقيقي الذي يجب التعامل به دولياً

نحن أمام مليشيا خارجة عن النظام ارتكبت جرائم حرب في مواجهة الدولة والشرعية

الانتهاكات تجاوزت قضية الأسرى لتطال المدنيين في ممتلكاتهم

موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر مَحط أطماع ومؤامرات خارجية

تضرر 13 دولة من حرب السودان يثبت أن القضية تمس أمن القارة بالكامل

مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عنوة تخالف القانون الدولي

=================

شهدت الساحة الدولية مؤخراً حراكاً مكثفاً بخصوص الأزمة السودانية؛ بدءاً من تحركات الكونغرس الأمريكي لتصنيف أطراف النزاع، مروراً بالبيانات الدولية المؤكدة على سيادة السودان، وصولاً إلى التحركات الدبلوماسية لدول الجوار.

وفكّك نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية خبير الشؤون الأفريقية، رامي زهدي، أبعاد التحركات الدولية الأخيرة بشأن السودان، واصفاً مساعي الكونغرس الأمريكي للمساواة بين الجيش والميليشيا بـ”الخطأ الفادح والمعطّل للحل” الذي يغذيه غياب الإرادة السياسية لواشنطن وتغليب مصالحها المجرّدة. وأكد زهدي—خلال مشاركته في برنامج “السودان في الصحافة العالمية” الذي تعده وتقدمه أفراح تاج الختم على قناة اسانبير أكد —أن المذكرة الدبلوماسية السودانية المرفوعة للأمم المتحدة بشأن انتهاكات دارفور تعد خطوة قانونية حاسمة لتثبيت الرواية الرسمية وتمهيد الطريق للمساءلة الجنائية الدولية.

===========

حراك الكونغرس الأمريكي وتصنيفات الإرهاب

 

طُرح مؤخراً في الكونغرس الأمريكي مشروع قانون يطالب بتقييم تصنيف أطراف الحرب في السودان كجماعات إرهابية. ما طبيعة هذا المشروع؟

 

المشروع يصنف ضمن المسار التشريعي الأولي والمبدئي داخل الكونغرس، ولم يرتقِ بعد إلى درجة قرار تنفيذي جاهز للتصويت. هو يعكس اتجاهاً سياسياً داخل بعض الدوائر الأمريكية يسعى لتجديد أدوات الضغط على ما يُسمى بين قوسين “أطراف الصراع”. عملياً، تُستخدم هذه المشاريع كأداة للضغط السياسي وإدارة الأزمات أكثر من كونها تشريعاً نهائياً حاسماً، وهي بمثابة ورقة تفاوض سياسي.

لكن الخطأ الفادح في أساس هذا المشروع مساواته بين أطراف الصراع، وهو الأمر الذي عطل حسم الأزمة السودانية؛ فالبناء على أن الأطراف متساوية أمر خاطئ.

نحن أمام دولة بجيش ومؤسسة وطنية مدعومة شعبياً تواجه جماعة خارجة عن النظام تُصنف كعصابات وميليشيات. ورغم أي اختلافات سياسية على الأداء، لا يجب الاختلاف على شرعية القوات المسلحة كمؤسسة وطنية أولى، ومن غير المقبول الحديث مجدداً عن مساواة بينها وبين جماعة متمردة.

أدوات واشنطن وغياب الإرادة السياسية.

 

التشريع الجديد يلزم الاستخبارات الأمريكية بتقديم تقارير حول الدول التي تغذي الحرب عسكرياً. هل تمتلك واشنطن أدوات فعلية للضغط الحقيقي؟

 

بالتأكيد واشنطن تمتلك أدوات هائلة؛ فهي الدولة الأبرز عالمياً المسيطرة على المؤسسات الأممية، حركة الاقتصاد والعملة الأقوى، والإمكانيات الاستخباراتية. إذا استخدمت هذه الأدوات بجدية وإخلاص، فإنها الطرف الأقوى القادر على إنهاء الحرب.

لكن هل تمتلك الإرادة السياسية ومخالب المحاسبة لحلفائها الإقليميين؟

 

تمتلكها ولكنها لن تفعل ذلك؛ واشنطن تمارس الآن سياسات لا تكترث بالمبادئ أو النظام الدولي، بل تتعامل مع مصالحها المجرّدة فقط. الولايات المتحدة المنوط بها حماية النظام العالمي أصبحت الأكثر خرقاً للقانون الدولي، ولن تتخذ إجراءات ضد حلفائها ما لم تظهر لها مصلحة واضحة ومباشرة في إنهاء الحرب.

 

هل تتوقع أن يشمل تصنيف العقوبات قيادات في الجيش السوداني؟

 

هذا سيناريو شديد الخطورة والحساسية إن حدث، لأن إدراج الجيش يعني إعادة تعريفه دولياً كفاعل غير تقليدي في الأزمة، مما قد يؤدي لتآكل الشرعية الدولية وتقييد واسع للتعاون العسكري والدبلوماسي وصعوبة الحصول على الدعم والتسليح.

ولكني لا أتوقع حدوث ذلك؛ فالأمر لا يتعدى كونه ورقة تفاوض. من المرجح أن تتجنب واشنطن هذا الخيار بالكامل حفاظاً على فكرة الدولة السودانية إلى آخر نقطة؛ فبقاء السودان موحداً ومستقراً هو مصلحة دولية لأطراف عديدة بما فيها أمريكا، التي لن تستطيع التعامل مع المنطقة في حال انهيار الدولة أو تقسيم جغرافيتها وقوميتها.

 

الموقف الدولي وتدويل الانتهاكات

صدر بيان مشترك من قوى دولية وأممية يؤكد الالتزام بسيادة السودان ووحدة أراضيه كيف تقرأ هذا البيان؟

 

البيان يعكس إعادة ضبط موضعية للموقف الدولي أكثر من كونه تحولاً جذرياً. هو تأكيد على وحدة الدولة ورفض التقسيم لأن ذلك مصلحة دولية، لكنه يعيبه افتقاره لأدوات تنفيذية جديدة؛ فهو استمرار للمواقف السابقة ولكن بصيغة أكثر تشدداً دون تقديم آليات عملية على الأرض.

 

ما الذي أقنع المشرعين الأمريكيين بأن احترام مؤسسات الدولة هو أساس السلام؟

 

لأن الأزمة السودانية مع استمرارها أصبحت أمراً مرهقاً أمنياً واقتصادياً للمنطقة برمتها؛ فالسودان بموقعه الاستراتيجي يمثل مدخل أفريقيا الحقيقي ويشرف على البحر الأحمر، وأي اهتزاز إضافي في بنيان الدولة السودانية يعني أن الأزمات والهجرات وتكلفة الصراع سوف تتضاعف على الجميع دولياً وإقليمياً.

 

إلى أي مدى يساهم تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية في وقف الحرب أم يدفع الدعم السريع لمزيد من العنف؟

 

تصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية هو التوصيف الحقيقي الذي يجب التعامل به دولياً؛ فنحن أمام ميليشيا خارجة عن النظام ارتكبت جرائم حرب في مواجهة الدولة والشرعية. نظرياً؛ التصنيف يضغط سياسياً ومالياً، لكنه في المقابل قد يدفع الميليشيا لمزيد من التشدد العسكري لعلمها بالتصنيف، مما قد يطيل أمد الحرب. لكن عملياً، من المهم جداً للدولة السودانية أن تتحدث القوى الدولية بذات اللغة وتصف الدعم السريع كميليشيا إرهابية متمردة.

 

إذا اتجهت واشنطن لهذا التصنيف، ما أثره على شبكات التمويل ومستقبل “الإدارة الموازية” للميليشيا؟

 

واشنطن بهذا التصنيف ستنهي تماماً فكرة المساواة بين طرفي الصراع، وتدعم مؤسسات الدولة الرسمية. ما يحدث في السودان ليس حرباً أهلية؛ هناك طرف شرعي يدافع عن الدولة، وطرف آخر يسرق ويدمر، وجزء كبير منه ميليشيات مرتزقة من جنسيات أخرى.

 

التصنيف يقطع خطوط التمويل الخارجي ويجهض أي محاولة لشرعنة إدارة موازية على الأرض.

الانتهاكات وقوانين حقوق الإنسان

دفعت بعثة السودان الدائمة لدى الأمم المتحدة بمذكرة تتهم فيها الميليشيا بانتهاكات جسيمة بحق أكثر من 21 ألف محتجز بدارفور تشمل التعذيب والاتجار بالأعضاء. ما المتوقع أممياً؟

 

الهدف تدويل الانتهاكات وتثبيت الرواية الرسمية قانونياً لاستدعائها لاحقاً في مسارات المساءلة والمحاسبة السياسية والجنائية الدولية. المذكرة شملت جرائم خطيرة كالاغتصاب، القتل، والتعذيب، والاتجار بالاعضاء البشرية وتطالب بتفعيل لجان تقصي حقائق أممية وإحالة الملف للمحكمة الجنائية الدولية. وأتوقع استجابة أممية لكنها قد تكون بطيئة، ومع ذلك يجب عدم اليأس والاستمرار في التمسك بحق الشعب السوداني الذي يدفع أطفاله وشبابه فاتورة الحرب.

كيف تُصنف هذه الجرائم في إطار القانون الدولي الإنساني؟

 

انتهاكات مثبتة وصارخة، لكن الانتهاكات في السودان تجاوزت قضية الأسرى لتطال المدنيين في ممتلكاتهم، وأموالهم، ومنع المساعدات الإنسانية عنهم. القانون الدولي يجرم التعامل اللاإنساني مع الأسرى والاعتداء على المدنيين وإقحامهم في النزاعات، والحديث عن الأسرى فقط قد يقلل من حجم الانتهاكات الكلي الحادث على الأرض والذي يطال الشعب بأكمله.

 

أبعاد لقاء السيسي وأفورقي وأمن البحر الأحمر

 

زار الرئيس الإريتري أسياس أفورقي القاهرة والتقى بالرئيس السيسي وتصدرت الأزمة السودانية الأجندة.. ما دلالات ذلك إقليمياً؟

العلاقات المصرية الإريترية تاريخية وممتدة، وحاضر فيها دائماً تفاهمات حول أمن البحر الأحمر والحدود، لكونهما دولتي جوار مباشر للسودان. مصر والسودان وإريتريا يمثلون الجانب الغربي من البحر الأحمر، وهو ممر مائي استراتيجي للتجارة العالمية. هناك قلق مشروع لدى القاهرة وأسمرة من “تدويل البحر الأحمر” وتحويله لساحة نفوذ عسكري دولي واستغلال حرب السودان للحصول على قواعد عسكرية هناك. وفي تحليلي؛ فإن أمن البحر الأحمر وموقع السودان عليه هما السبب الرئيسي خلف الكثير من المؤامرات الخارجية الحالية.

 

كيف تؤثر توترات القرن الأفريقي على السودان؟ وهل بات استقرار السودان شرطاً حتمياً لأمن المنطقة؟

 

هذه التحولات تزيد التعقيد وتدفع بكلفة استمرار الحرب للأعلى، مما قد يجبر قوى إقليمية على التدخل بجدية لفرض تسوية لحماية مصالحها. وانشغال العالم مؤخراً بملفات وصراعات أخرى سحب من رصيد الاهتمام الدولي بملف السودان، ومع هدوء تلك الجبهات يفترض أن يلتفت العالم لخطورة الحرب السودانية.

استقرار السودان شرط حتمي ومقترن تماماً بأمن القرن الأفريقي؛ فالسودان يمثل العمق الجغرافي للمنطقة، وبدون استقراره لن تستقر خطوط الملاحة ولا جهود التنمية في دول الجوار. القضية تمس أمن واستقرار القارة بالكامل، وتتأثر بها أكثر من 13 دولة (منها 7 دول جوار مباشر) اقتصادياً، أمنياً، واجتماعياً.

هل هناك تنسيق مصري إريتري لحماية البحر الأحمر خاصة مع بحث إثيوبيا عن منفذ بحري؟

هو تنسيق وتوافق رؤى واصل لأعلى مستوياته بين القاهرة وأسمرة، وجيبوتي، ومقديشو، والخرطوم، لحماية أمن المنطقة.

التدخل في البحر الأحمر من قِبل إثيوبيا أو أطراف تقف خلفها يهدد استقرار الجميع. وحديث أديس أبابا عن انتزاع منفذ بحري عنوة هو أمر غير منطقي؛ فهناك 44 دولة حبيسة في العالم، وإذا قررت كل دولة الحصول على منفذ بالقوة ستنهار منظومة الأمن الدولي. لا يمكن أن يحدث ذلك إلا بشرعية قانونية واتفاقيات يقرها القانون الدولي وبتوافق الدول المشاطئة للبحر الأحمر وفي إطار رسمي معلن وليس بالقوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى