إبراهيم شقلاوي يكتب : سجون الظل وأسرى النسيان

وجه الحقيقة |
أعادت الشكوى التي رفعتها الحكومة السودانية الأربعاء إلى الأمم المتحدة بشأن أوضاع المحتجزين في سجني دقريس وشالا تسليط الضوء على أحد أكثر ملفات الحرب تعقيداً وحساسية. فالاتهامات المتعلقة بالتعذيب والقتل خارج القانون والحرمان من العلاج، إلى جانب مزاعم الاتجار بالأعضاء البشرية، كونها أزمة إنسانية، أيضآ تكشف عن ملف ذي أبعاد سياسية وقانونية قد يؤثر في مسار الصراع ومستقبل أي تسوية محتملة، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد في التعامل مع انتهاكات الحرب.
لكن ما يمنح هذا الملف بعده الاستراتيجي هو طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأعداد الضخمة من الأسرى في معادلات ما بعد الحرب.
فالتجارب الدولية تؤكد أن الجماعات المسلحة ، مثل مليشيا الدعم السريع، غالباً ما تحتفظ بالأسرى وتتعامل معهم كأوراق ضغط سياسية تُستخدم في التسويات المحتملة. وكلما تعقد المشهدان السياسي والأمني، ازدادت القيمة التفاوضية للمعتقلين والمختطفين، رغم ما يتعرضون له من انتهاكات .
ومن بين هذه الأسماء المرتبطة بهذا الملف، تظل أسماء أنس عمر ومحمد علي الجزولي الأكثر حضوراً وإثارة للأسئلة. فمنذ اعتقالهما في مايو 2023 اختفى الرجلان عن المشهد بصورة كاملة، رغم أنهما كانا من أبرز الشخصيات السياسية التي تصدت لمشروع الشراكة بين العسكريين وبعض القوى السياسية قبل اندلاع الحرب، كما شكلا جزءاً من التيار الرافض لإعادة هندسة المشهد، عبر ترتيبات لا تستند إلى تفويض شعبي.
لم يكن الرجلان مجرد قياديين في التيار الإسلامي ، بل كانا يمثلان، بالنسبة لأنصارهما، رمزين لمقاومة ما اعتُبر آنذاك مشروعاً لاختطاف الدولة السودانية وإعادة تشكيلها خارج الإرادة الوطنية. ولهذا فإن اختفاءهما يُقرأ داخل هذا المعسكر، باعتباره استهدافاً سياسيًا، كان يُراد به تحييدهما عن الساحة، في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد .
غير أن القراءة المنتبهة تقتضي اهمية النظر للموضوع من زاوية وطنية. فالقضية لا تتعلق بالاتفاق أو الاختلاف مع أفكار أنس عمر أو محمد علي الجزولي، وإنما بحق أي فاعل سياسي في الحماية من الاختطاف والإخفاء القسري. فحين يصبح تغييب الخصوم وسيلة لإدارة الصراع السياسي، فإن الخطر لا يهدد تياراً بعينه، بل يهدد العمل السياسي كله.
ومع استمرار الغموض، برزت عدة فرضيات لتفسير مصير الرجلين. الفرضية الأولى أنهما لا يزالان على قيد الحياة ويُحتفظ بهما كورقة سياسية مؤجلة، خاصة في ظل القيمة السياسية التي يمثلانها داخل التيار الإسلامي.
أما الفرضية الثانية فتذهب إلى احتمال تعرضهما لظروف احتجاز قاسية أدت إلى عزلهما الكامل عن العالم الخارجي، بما يمنع تسرب أي معلومات دقيقة حول وضعهما. في حين تبقى الفرضية الثالثة، وهي الأكثر مأساوية، مرتبطة بإمكانية تعرضهما للتصفية أو الوفاة خلال فترة الاحتجاز، وهي فرضية لا تزال تفتقر إلى أدلة قاطعة، لكنها تظل بسبب غياب المعلومات.
وبين هذه الاحتمالات جميعاً يظل السؤال قائماً: لماذا فشل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية في ممارسة الضغط الكافي لكشف مصيرهما ومصير آلاف المعتقلين الآخرين؟ ولماذا لا تبدو بعض قضايا الاختفاء القسري أكثر حضوراً في الأجندة الدولية من غيرها؟ كذلك لماذا لم تتحرك المؤسسات الوطنية العدلية في هذا الملف من وقت مبكر، بالنظر إلى أن الملف ظل مفتوحًا، منذ اندلاع الحرب في منتصف ابريل من العام 2023.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الاحتجاز أو الاختفاء، بل في تحول هذه الملفات إلى جزء من ذاكرة الحرب المؤجلة. فالتجارب المقارنة تؤكد أن الدول الخارجة من النزاعات لا تستطيع بناء سلام مستدام ما لم تكشف حقيقة مصير المفقودين والمختفين قسرياً. ولذلك فإن ملف الأسرى في السودان ليس ملفاً إنسانياً واخلاقياً فحسب، بل أحد أهم ملفات العدالة الانتقالية التي ستواجه أي سلطة وطنية في مرحلة ما بعد الحرب.
وبحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة، فإن معركة السودان تجاوزت حدود السيطرة على الأرض ، لتصبح معركةً حول استعادة قيمة الإنسان وكرامته وحقه في الحرية والأمان. فالدول تُبنى بانتصارات ، بقدرتها على صون الحقوق وإنهاء دائرة الخوف والاختفاء القسري وسجون الظل والنسيان. ومن هذا المنطلق، يظل ملف الأسرى والمعتقلين، وفي مقدمتهم أنس عمر ومحمد علي الجزولي، قضيةً تتجاوز الأشخاص إلى اختبار حقيقي لمدى جدية أي مشروع للعدالة والسلام والأمن ، ولمستقبل دولة تسعى إلى تثبيت وجودها، على أسس القانون والمواطنة والكرامة الإنسانية.
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 23 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com



